العشيره والسياسه

العشيره والسياسه

عندما نذكر العشيره نعني في الواقع العائله الكبيره الممتده, فالعشيره مجموعة عوائل يربطها الدم والقرابه . فكما العائله يكون على رأسها الأب , يكون على رأس العشيره شيخها . فالعشيره هي صوره مكبره للعائله مع ذات القيم ونظام العلاقه ذات النسق الأبوي البطريركي التي تحكم أعضاءها بطريقه تسلطيه وقواعد صارمه لا تقبل النقاش ,فالأمر يأتي من رأس الهرم الى القاعده , أي هناك نسقآ نازلآ فقط

, أي جهه مصدره للأوامر والتعليمات وجهه متلقيه ما عليها الا السمع والطاعه . هذا النظام الأجتماعي هو نظام بدائي أنتجته ظروف غايه في القسوه حيث يعيش الأنسان حاله من القلق والتهديد والخوف من المحيط المهدد لوجوده , أي يعيش بيئه صراعيه يكون فيها البقاء للأقوى . هذه البيئه أستدعت أن يكون هناك تركيب أجتماعي قوي وصارم يصمد أمام تهديد شرس يهدد وجودها الحياتي , فتشكل نظام عشائري صارم يتميز بخضوع أفراده دون أستثناء لرأس الهرم فيه ليعم الأنضباط ويسود التماسك فيه حتى لا يجد الخصم فيه ثغره يتسلل منها العدو ويفتك بالعشيره . أذن هناك جوانب موضوعيه ساهمت في بروز هذا النسق من التنظيم الأجتماعي الذي يدعى العشيره . طبعآ الكثير يعرف وخاصه في ظروف الصحراء وبما تشتمله من قيم كثيره وواحد من هذه القيم السلبيه هو الغزو وهذه قيم يحتفي ويفتخر بها البدوي , كما يقول شاعرهم دريد ابن الصمه وفارس قبيلة هوازن ( وهل أنا الا من أن غزيه أن غوت غويت وأن ترشد غزيهة أرشد . من المؤكد أن الغزو هو حاله حربيه تستدعي القوه والشجاعه والرجوله , وهذه المواصفات تتوفر في الرجل لأسباب طبيعيه والرجل أصبح هو ممن يلبي حاجة العشيره وطموحاتها وهو من يمثل رمز قوة العشيره وعنوان شرفها بين العشائر والقبائل الأخرى . أن التأكيد المستمر على الممارسات ذات الطابع الرجولي والقائم على عناصر القوه والممارسه الصارمه ولد أتجاهآ ساديآ لدى الرجال وأصبح من يتمتع به يحمله الى المقامات العاليه في الوسط الأجتماعي.

هذه المقدمه باتت ضروريه لمعرفة طبع أنظمتنا السياسيه بالطابع الدكتاتوري السادي بسبب أمتداده العشائري حيث أن أكثر الأنظمه العربيه تكون رجالاتها من أصول بدويه وريفيه وكلتا الحالتين تتبع المنظومه القبليه كما في السعوديه والخليج العربي والأردن وسوريا واليمن وحتى ليبيا والمغرب , وكذلك الأمر في العراق ,فمثلآ كان أقسى نظام حكم العراق في العصر الحديث هو النظام البعثي الذي تميز رجالاته بالأصول العشائريه وخاصه قمة الهرم السياسي والذي يمثله صدام حسين والذي يرجع الى عشيرة ال أبو ناصر في ريف مدينة تكريت , وهي عشيره تميز رجالاتها بالقسوه والعنف , وكلنا كعراقيين نعرف سادية صدام وقسوة أبن عمه رئيس جهازه الأمني وصهره حسين كامل الذي تبوء منصب رفيع بالدوله والذي تميز بالقسوه المفرطه داعيك عن شخصية علي حسن المجيد أبن عم صدام حسين , وهو رجل أقل ما يقال عنه متوحش , ناهيك عن أخوان رأس النظام كبرزان ووطبان وكل ما ينتمي لهذه العشيره من أفراد شاركوا في السلطه , كما لو نظرنا الى خارطة من شارك بالحكم في هذا النظام لترى جلاوزة النظام ينتمون الى منظومه عشائريه ذات قيم وأعراف بدويه وذات تاريخ عنفي كعائلة السعدون مثلآ.

لو رجعنا الى العوائل التي حكمت وبعضها يحكم لحد الآن للمسنا فيها نظما ذات طبيعه عشائريه فمثلآ النظام الوراثي في تبوء المشيخه هو نفسه من يطبق في نقل السلطه بين الحكام , فمثلآ لا يمكن أن يكون ملكآ او أميرآ في المملكه العربيه السعوديه الا من عشيرة ال سعود وكذلك الأمر هو نفسه في كل دول الخليج والأردن والمغرب , وحتى في الأنطمه الجمهوريه كما في سوريا , وما سعى اليه الرئيس حسني

مبارك في سعيه لتوريث أبنه جمال مبارك ,وعلى نفس السياق ما سعى له القذافي في محاولته لتوريث أبنه سيف الأسلام وكذلك الحال مع صدام الذي هيأ الأمر لأبنيه عدي وقصي , في لا ترى وجود لنظام التويث في باقي الدول التي لآ أثر فيه للنظام العشائري , وهذا ما نلاحظه حتى بدول الجوار مثل ايران وتركيا, من ناحيه أخرى أن العلاقه التي تحكم علاقة العشيره مع شيخها هي علاقة الشيخ الآمر وفرد العشيره الخانع أي العلاقه التسلطيه الصارمه التي يكون فيها الفرد مكبوت مقهور خانع للنظام العشائري الصارم , وهو عين صفات الأنظمه الدكتاتوريه كالنظام البعثي الصدامي والذي يحمل فيه الرئيس صدام الشخصيه الفاشيه التي أتسمت بالشخصيه الساديه المتعطشه للدماء , وهي شخصيه مصابه بجنون العظمه , حتى بدأت بممارسة طقوس تقديسها وذلك بما أضافوا لها من القاب تعظيميه أقتربت بل هي نفسها صفات وأسماء الجلاله . من الملاحظ أن النسق العشائري السادي عندما دخل عالم السياسه وخاصه في التركيبات الحزبيه أنطبعت هذه الأحزاب بذات المواصفات والأعراف , وهذا ما لمسناه في أسلوب عمل حزب البعث العربي الأشتراكي حيث سياق العمل والعلاقه التنظيميه بين أفراده قائمه على أساس نفذ ثم ناقش وهو عين العلاقه بين شيخ العشيره وأفراد عشيرته . كما أن في العشيره يكون الفرد لا رأي له , هو كذلك الفرد في الدوله ذات النظام الدكتاتوري المستمد جذوره من العشيره ,لا رأي له وما البرلمانات الموجدوه ليس لها الا وجودآ شكليآ ليس له غرض غير ذر الرماد بالعيون وأضفاء الشرعيه المزيفه على النظام . أغلب العراقيون ممن عاش فترة النظام البعثي الصدامي نسمع بمقولة الأب القائد والتي تطلق على صدام حسين وهي ذات المقوله التي تطلق على رأس العشيره والذي يطلق عليه الأب الأكبر لكل أفراد العشبره وهو الراعي لها والمتبني لمصالح أفراد عشيرته , وهذا هو المعروف بالنظام الأبوي , ولكن في الحقيقه أن النظام العشائري يكرس كل الأمتيازات لرئيس العشيره وعائلته متمثله بأمتلاك الأراضي وكمية المحصول ومركز الوجاهه في العشيره بينما البقيه ليس لهم الا الفتات من المحصول الزراعي والرعوي , وهذا هو الأمر في الأنظمه الدكتاتوريه, فرأس النظام هو من يملك الدوله ورعاياها وهو من يتمتع بكل الأمتيازات من مال وأملاك ومقام , فهو وأبناءه وأفراد عشيرته من له الكأس المعلى في كل شيء فترى في البلدان النفطيه الرئيس وأبناءه وحاشيته يعيش الترف والليالي الحمراء وبجانب ذلك ترى الفقر المدقع ضارب بأطنابه بين أفراد الشعب فيعيش شظف العيش والحرمان والأدله لا تحتاج الى ذكر فهي كثيره وهي ماتطبع الحياة اليوميه بوضوح , وهذا عين ما عبر عنه الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في قصيدته بغداد حيث يقول :

يطغى النعيم بجانب وبجانب يطغى الشقا فمرفه ومضيع

في القصر أغنية على شفة الهوى والكوخ دمع في المحاجر يلذع

ومن الطوى جنب البيادر صرع وبجنب زق ابي نؤاس صرع

كما أن في النظام العشائري ينظر فيه الشيخ لافراد عشيرته بأنهم قاصرين وفاقدي الأهليه فهوالعقل المفكر فيها , هو نفسه ما يحدث عند الرئيس حيث الكلمه الفصل له , وهذا ما كان ينشره الأعلام البعثي لمقولة (اذا قال صدام قال العراق ) وهذا يختزل شعب بأكمله بشخص الرئيس كما يختزل الشيخ كل أصوات عشيرته بلسان رئيس العشيره,وهذا ما لاحظنا في أيام الأنتخابات البرلمانيه حيث شيخ العشيره هو من يقرر ماذا ينتخب أفراد عشيرته وغالبآ لشخص تربطه مصالح ماليه مع المتخب. فالشيخ والرئيس يعتبرون مرؤسيهم قاصرين وعاجزين وهم وحدهم من أرسلهم الله لقيادة رعاياهم , انهم يشعرون بأنهم الصفوه من البشر وغيرهم همج رعاع , فلا ينبغي صوت أن يكون أعلى من صوتهم ولا

قامه أطول من قامتهم , والشعب العراقي يتذكر حادثة وزير الصحه العراقي رياض حسين الذي قدم أقتراح للرئيس العراقي بالتنحي المؤقت لكي يساعد بوقف الحرب العراقيه الأيرانيه والذي سبب بأعدامه . الشيخ والرئيس يمثلان كل منهما العشيره والدوله وهما رمزان لكياناتهما قوتآ وضعفآ , وهذه الحاله لا أثر ولا فاعليه لأتباعهما فيها, فأتباعهما لا يمثلان أكثر من قطع شطرنج , لا رأي ولا صوت لهما , فصوتهما مقموعان بعكس النظام السياسي الحديث الذي يدخل فيه الفرد بنظام تعاقدي أجتماعي مع النظام السياسي الذي يحكم الدوله ويكون النظام مسؤول أمام الشعب على كل صادره ووارده بالحر ب والسلام والبناء والسياسه العامه , أما الأنظمه التي يتصف نظامها بالقمع فالرئيس يدخل الحرب ويعلن السلام بقراره هو فقط وهذا ما يخضع لمزاجه ومصالحه الشخصيه , وهذا عين ما فعله صدام بأعلانه للحروب التي جرت على بلده وشعبه الويلات , كما هو من يجامل بأراضي بلده كما فعل مع السعوديه والأردن بترسيم الحدود , حيث منح للأردن والسعوديه في زمن الحرب العراقيه الأيرانيه أراضي أملا بتقديم العون له بالحرب , كما يتذكر العراقيون عندما وهب صدام بما لا يملك في خيمة صفوان عندما منح الكويت الكثير من الأراضي مقابل بقائه بالسلطه وعفو الحلفاء برعاية أمريكا. هكذا هو النظام البطريركي يتسم بالطاعه العمياء ولا مكان ولا حضوه في ظل هكذا أنظمه الا السمع والطاعه والا الويل والثبور وعظائم الأمور لمن يعترض على ولي الأمر فيها.

أن العقبه الكأداء لتطور منطقة المنطقه العربيه عامه والعراق خاصه هو وجود هذه الأنظمه السياسيه ذات الأنسقه العشائريه , والتي تستمد قيمها وأعرافها الحزبيه والسياسيه من قيم وعادات العشيره التي تتصل أصولها بالصحراء وقيمها الساديه .فلا تطور ولا تحديث في العراق خاصه الا بأختفاء النظام العشائري وتجاوزه وجعله شيء من الماضي والمجيء بنظام أجتماعي قائم على قيم الحوار والأنفتاح والتكافؤ , وهذا ليس بعصيب لأن في موروثنا وعقيدتنا الدينيه ما ينهض بهكذا مشروع , اليس الرسول الكريم هو القائل لذلك الأعرابي الخائف , عندما خاطبه (هون عليك فأني لست بملك..) أي ليس بظالم ولا دكتاتور , كما في تراثنا ما يعيننا على تخطي هذا السور العشائري الحديدي في كلمة الأمام علي (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) . فالأسلام دعى مجتمعاتنا بالأنفتاح والتعاطي مع الأخر ما دام الأمر يصب في صالح تحديث نظامنا الحياتي ودليلنا قول الرسول الكريم (خالط الناس ودينك لا تكلمنه) أي لا تجرحه (والحكمه ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها). وهذا جدآ مهم في سياق عمليات التحديث الحضاري عندما يلتقي الموروث مع النظم الحديثه يشكل دافعآ قويأ الى الأمام بشرط فهم الموروث فهمآ منفتحأ وذكيآ لا ظاهريآ ولا متزمتأ لأن هذا هو أفة الموروث عندما يكون أسير العقليات المتخلفه , وعندما يفرض عليه أوصيا لا عهد ولا فهم لهم به.

أياد الزهيري