أنتظار بطل

أنتظار بطل

أثبتت الأحداث اننا شعب أنتظاري. أي شعب لا يسعوا للمبادره, بل ينتظر دائمآ من الآخر أن يبادر للتغير , وهذا يجرى على القضايا الكبيره التي تمس مصير بلد كما تمتد الى القضايا الصغيره التي تمس مصلحة محله أو حتى زقاق, فمثلآ لو حدثت مشكله في مجال العمل سواء كان حكوميآ أم أهليآ ترى العاملين فيه ينتظروا المبادره من الآخر في معالجة المشكله , وكذلك هو الأمر في العشيره , أو الأحتجاج على تقصير الدوله في مستواها المركزي او المحلي فترى الكل ينتظر من الكل حصول

 

المبادره في معالجة المشكل . فكل واحد يحدث نفسه وأهله أن لا يكون هو رأس الحربه , وهو يضمر مبدأ (شعليه) . للحقيقه قد يكون هذا الهاجس له ما يبرره , حيث أفرزت الوقائع أن من أنبرى وتصدى لدرء مشكله ما أو الخطر بالنيابه عن الأخرين يكون كبش فداء , فتراه يندفع بدافع الأيثار والحميه , ولكن تكون النتيجه هو الخاسر الوحيد ,وهو وحده من يتحمل نتائج مبادرته ,خاصه أذا لم تحقق النجاح , أي أن الفشل والخساره يتحملها وحده ويكون وحده من يدفع الثمن , وهناك أمثله لا حصر لها في هذا المجال ,لا مجال لذكرها هنا, ولكننا نستخلص نتيجه أن هكذا واقع يكشف عن شيوع  نوازع الميول الفرديه في المجتمع , وغياب روح التعاون والتكافل فيه , والذي يسميه أحد الباحثين وهو الدكتور العراقي عبد الجليل الطاهر ب (القوقعه) وهي أن الشخصيه العراقيه منكفئه على نفسها ومتقوقعه على ذاتها , ومن المفيد أن نمر على بعض أسبابها الرئيسيه ومن هذه الأسباب هو تنوع المجتمع بسبب الهجرات المتعدده عبر العصور المختلفه , هذا التنوع جلب معه قيم وثقافات وعادات مختلفه ,لم يعاد برمجتها بل تركت بلا تهذيب مما ساهمت في بروز حاله من التناشز الأجتماعي الحاد . هذا التناشز هو من عمق الهوه بين هذه المجاميع البشريه , وتركت بدون تدخل من الدوله في نسج علاقه وديه بينهم, مما ساهم في غياب ثقافة التعاون والتكافل بينهم , ومن نافلة القول كانت هناك محاوله أراد الملك فيصل الشروع بها , حيث قال ليس في العراق شعب عراقي وأنما هناك مجاميع بشريه , ويجب بناء نسيج أجتماعي واحد لها, ولكن هذا المشروع مات بموته , كما أن القيادات التي تحيط به ذات توجهات طائفيه وقوميه مقيته لم تستسيغ هذه الفكره مما عملت على أهمالها . كما أن أحداث داعش كشفت درجة التناشز الحاده عندما سهلت قيادات طائفيه تنتمي لطائفه معينه بدخول داعش للعراق ومحاولة سحق الطوائف والأثنيات الأخرى بدواعي ودوافع عنصريه وطائفيه تقف على رأسها ميول شاذه تلبست بها نفوس البعض منهم ,الا وهو الأدمان على السلطه , حتى أن هناك من يسمي المكون الكردي والشيعي بالفايروسات وهو المدعو (ناجح الميزان) الذي قال ” أن الدوله العراقيه تحمل فيروسات نائمه زرعت عمدآ يمكن ايقاظها عندما يريد زرعها , وأخطر هذه الفيروسات هي الأكراد والشيعه” هذا النفس هو أحد أهم العوامل الذي مزق النسيج العراقي وقطع الجسور بين طوائف وأفراد الشعب العراق , وكلما أتسعت الفجوه , كلما أنكفأت هذه الطوائف على نفسها . كما أن القسوه والظلامات التي أمتدت لعهود طويله من قبل فئه ضد فئه ساهمت بالأنقسام ومن ثم التباعد النفسي والمزاجي بين الأفراد والتجمعات , كما ساهم التهميش من قبل السلطات لفئات معينه . كل هذا هو ما زاد من سلبيات الأفراد والجماعات , وساهمت بموت الأحساس الوطني وميل الأنحسار عن الأخر , كما شجع على ظهور الكراهيه والعداء بين الناس , وجعل كل يفكر بذاته ولا يرى غير مصلحته لأنه فقد الثقه بالجميع وسرى الشك بين الجميع. هذه العوامل خلقت أنسان مستعد للمساومه على الحاله الوطنيه , وما الفساد في بيع الذمم وعمل كأجنده للأجنبي الا صوره صارخه للأنا , وثقافة المصالح . عمومآ أجواء تختنق بزحمة هذه القيم الرديئه لا يترشح منها الا اللامبالاة , وغياب الشعور بالمسؤوليه , والأنزواء عن المجتمع والأنكفاء على المصالح الخاصه وألا كيف تفسر حرق البعض للمحصول الغذائي الذي يمثل الأمن الغذائي لبلده , وكيف يساهم البعض أن يكون ممر لداعش ويحتل بلده ويقطع رقاب أهله وناسه , كما كيف يسمح البعض بأن يوجه صواريخ بضرب منشآة البلد النفطيه لصالح أجندات أجنبيه , أنها الأنانيه المقيته.

نرجع الى عنوان المقال التي توصف مجتمع يتلمس ظهور بطل ينجز لهم ما عجزوا عن تحقيقه , أو يقدم لهم ما يطلبونه على طبق من ذهب وهم مستلقون على أسرتهم . أن العراقيين اليوم ينتظرون معجزه تقدم بطلآ يغير وضعهم بكل تفاصيله بغض النظر عن هويته وجنسيته أن كان باراك أو ترامب ,أو أحد رموز النظام السابق . كل هذه الميول والرغبات الشاذه سببها حالة اليأس التي تلبست بها الشخصيه العراقيه بسبب العوامل التي ذكرناها أعلاه. أن العراقيين اليوم تجتاحهم هواجس انتظار بطل يقلب الأوضاع على عقب , وهذه السيكلوجيه سببها الشعور العميق بالعجز , والروح الفرديه الشديده . هذه الروح المصاحبه لغياب الوعي , والمتسمه بالتواكل هي نفسها الروح التي تجسدت بجمهور بغداد الذي سجن أمامهم الكاظم (ع) ويسم ويلقى على الجسر ببغداد وهم لا يحركون ساكن , هي نفسها الروح التي جاء بها البعث وأستسلم لها الشعب رغم كل جنون النظام وتخبطاته وتلاعبه بمقدرات الناس . كما اني أعزو الكثير ممن ينتظروا ظهور الأمام  المهدي (عج)  مرده الى روح التهاون والتكاسل وعدم الشعور بالمسؤوليه لدى الكثير , وهذا ليس له علاقه بعقيدة الظهور للأمام المهدي (عج) فهذه مسأله أيمانيه ولكن هناك من يتكأ عليها لأنها توفر عناء تقديم الحجه على تخليه عن المسؤوليه , فنسمع الكثير يقول (هسه يطلع أبو صالح ويصفيه) وكأنما أبو صالح يشتغل عنده ويوفر له خدمات الراحه من طعام والأمان وكل متطلبات الأستجمام . هذه الشخصيه اللأواعيه والكسوله هي من تسود بالشارع العراقي اليوم وهي سبب كل الأزمه الحاليه , وهي من تطول بقائها بلا حل , بل وسبب أنحدار الأوضاع نحو الأسوء .

يخامرني سؤال أعرضه على القارئ الكريم , لا شك أننا نعيش أزمه أجتماعيه ووطنيه وحضاريه , كما أن هناك أستكبار عالمي تقوده أمريكا وأسرائيل , ولا يردع هذا الأستكبار العالمي والمستبد والظالم الا بالقوه بكل أشكالها وألوانها . السؤال لمن ينتظر ظهور الأمام المهدي (ع) , وكيف يواجه الأمام هذه القوه الجباره العسكريه من قنابل نوويه , وصواريخ عابره للقارات , وكل الأسلحه الحديثه , وبما يمتلكونه من قدره علميه عظيمه ؟ هل يواجهها بشعوب عزلاء متقاتله متناحره كسوله , ضارب الجهل والتخلف أطنابه في نفوسها وعقولها , كيف يخرج ونحن في السلم الأخير بين الشعوب والأمم في كل المجالات , كيف يخرج والنفاق والدجل , والباطل يعشعش بيننا , كيف يخرج والحقد والحسد والأنانيه تملء أجواءنا , كيف يخرج وقد تقطعت حبال الود بيننا . أنا أؤوكد أنه نحن من نمنع ونؤخر خروجه ,لأن الناس هي من يجب أن تمهد لخروجه , وتوفر أسباب نجاحه في أن يملئ الأرض قسطآ وعدلآ بعد أن مليئة ظلمآ وجورآ. لأن الأمام سوف لا يحارب ترامب وأمثاله بالسيف , بل يحتاج الى شعوب حيه تعينه على مهمته , ونحن لا تتوفر فينا هذه الخصائص والمؤهلات اليوم ,مما سنساهم في طول أنتظار ظهوره , ومن يشتاق لظهوره أن يبني مجتمعآ عاملآ ,نشيطآ , ينهض صباحآ , لا أن يلعب البوبجي ساهرآ الليل وينام نهارآ . شعب يقدس العمل والعلم . شعب يبني دولة القانون ويحترمه . الأمام يحتاج الى أتباع يفهموه ويستوعبوا مشروعه الحضاري , وينسجموا مع أفكاره , ويكونوا عونآ له لا عله عليه. هذه حقائق يجب النظر بها ونبتعد عن أفتراضات وهميه من قبيل أن ننتظر أن ينزل علينا من السماء رئيسآ كالسيسي , أو الله يهدي ! ترامي يدخل علينا بدباباته كما عمل جورج بوش الأبن ويخلصنا من حكامنا الذين سرقونا , فالله لا يستجيب دعاء الجبناء الكسالى , بل يجيب دعاء الأبطال العاملين , وهذا ما أشار اليه محمد (ص) بحديثه (أعقل وتوكل) لا أن نكون كما قيل عن حكاية تنابلة هارون الرشيد الذين أوعز بقتلهم بسبب كسلهم وتقاعسهم وعدم نفعهم للمجتمع ,فأشار أحد المستشارين بأعطائهم الفرصه عن طريق رمي الخبز اليابس والزائد من فتات الموائد ,فقبل الخليفه العباسي ولكن المفارقه أنهم تساءلوا عن من سوف يثرد لهم الخبز لكي يأكلوه!) . ان واقعنا يقترب من ذالك الحال , والأدله لا تحتاج الى بيان فعدم أنتاجية دوائرنا الحكوميه , وتكاسل الموظف الذي لا يفكر بما يقدمه من خدمه للمواطن , بل لا يحسب الا ليوم يقبض فيه راتبه الشهري , وميول شعبيه أن تقدم لها الحكومه موائد الطعام في الحصه التموينيه , وهذا ما لم يتوفر في كل أنحاء العالم , فقط في ظروف أستثنائيه في وقت الحصار والحروب والآن وقد تخلصنا من هذه الظروف ومادمنا لا نسمح بالغاءها أو ترشيدها , كما أن ظاهرة عدم دفع أجور الماء والكهرباء ومحاولات التجاوز على شبكات الماء والكهرباء من قبل المواطنين تؤكد وجود رغبة الفرهود في نفوسنا , كما أن الهوس للأثراء غير المشروع للكثير يكشف عن ظاهره خطيره أن أستمرت تعرض البلد للضياع والفوضى .

أن انتظارنا لظهور بطل يمسح عنا غبار الزمن , ويدفع عنا شر الأعداء , ويقلب حياتنا الى ما نتمنى هو محض خيال عاجز , وأماني لا يتمناها الا المفلسون. وأن لا خروج من ازمتنا الا أقامة مرتكز لثقافه واعيه و نهضويه تجدد للشعب حيويته وتستنهض به قيم حضاريه راقيه يستبطنها في شخصيته الحضاريه ,فهو وريث حضارات تحمل من القيم والخصال ما تفجر به طاقات عظيمه قادره أن تحجز له مكان في قطار المدنيه الحديثه , لأن واقعنا الهزيل بما حمله لنا من قيم غريبه وشاذه و وبما ترشح من نفوسنا من سلبيا ت الماضي ستكون كفيله بقتل كل بطل يجود به الزمان علينا , وسيعاد قتل ألف علي (ع) على يد أبناء الملاجم الجدد , وسيقتل ألف حسين على أيادي أبناء يزيد الجدد . أن هناك متسع من الوقت للملمت شعثنا وذلك بعدم السماح لخيارات الصدام أن تتكرر بيننا  بل وأغتنام فرص التفاهم والحوار بين الفرقاء السياسين , وعدم خلط الأوراق وتبديد الجهود الوطنيه في صراعات تستنزف القدرات والطاقات الوطنيه وتضيع في غمارها المصلحه الوطنيه , وبالتالي خسارة وطن.

أياد الزهيري