الإسلام السياسي

 

"بين اليمين الأمريكي وباراك أُوباما"

 

"الحرب أسهل من السلام"

 

الجزء الأوّل

 

 

 

 

 

 

 

 

تأليف

عبد الجبار الموسوي الصافي


 

بسم الله الرحمن الرحيم


 

 

الإهداء

 

 

إلى شهيد الإسلام والوطن والحرية..

 

العلامة السيد مهدي الحكيم

 

الذي جسّد في حياته وشهادته الإسلام الحضاري.. المعتدل اللا طائفي.


 

الإسلام السياسي

دراسة في مواقف الإدارة الأمريكية من الإسلام السياسي من اليمين لـ "أُوباما"

 

المقدّمة

 

الفصل التمهيدي:

المقدمة

التراث والتأريخ الإسلامي:

المثقفون ودورهم في الإسلام السياسي

دور علماء الدين في تأسيس الإسلام السياسي

·       العلماء والإسلام السياسي الشيعي

الإمام ألخالصي الكبير

الإمام الخميني

السيد الشهيد محمد باقر الصدر

السيد محمد الشيرازي

·       العلماء والإسلام السياسي السني

سيد أحمد خان (حركة ديوباندي في الهند).

السيد محمد رشيد رضا

أبو الأعلى المودودي

العوامل الذاتية في المجتمعات الإسلامية

اليمين الأمريكي

 

الفصل الأول:

الإسلام السياسي في الرؤية الأمريكية

مكانة الدين في الحياة السياسية الأمريكية

الإسلام في دائرة الاهتمام الأمريكية

نقطة تحوّل  

أمريكا وخلق العدو

تعريف الإسلام السياسي

جدل سياسي

الإسلام السياسي عامل تهديد

قراءة في مستقبل الإسلام السياسي

الموقف الدولي

أمريكا والفلسفة الجديدة

رؤية في مناهج مراكز الفكر الأمريكية

-             الإسلام السياسي الشريك الستراتيجي

-             المصالح والمتغيّرات

-             دعوى الإصلاح الأمريكية

-             صفات الشريك الإسلامي

-             علاقات ودِّية وأخرى عدائية

 

الفصل الثاني:

رُؤية غربية في التطرّف الإسلامي

تعريف الأصولية الإسلامية

ما المقصود بالتطرّف الإسلامي

الإرهاب الإسلامي

الخوف من الإسلام ( الإرهاب الإسلامي أوالإسلاموفوبيا )

الغرب والتهديد الإسلامي

أطروحات تفسير الأصولية

·          صدام الحضارات.

·          ردَّة فعل العالم الثالث.

·          صراعات التحديث.

الخطر الأخضر في أوربا

اتجاهات الأصولية الإسلامية

مناطق التشدّد الرمادية في فكر الحركات الإسلامية

انتحار العقل.. وخطر التطرّف على الغرب

مأزق الحضارة الإسلامية

 

الفصل الثالث:

مواجهة ودمج الإسلاميّين.. أساليب وتقييم

علاقة أمريكا بالإسلام السياسي

تعريف الجماعات الإسلامية  

علاقة أمريكا بالإسلاميّين

المُعضلة وكيفية التعامل معها 

تحدّيات الديمقراطية

أمريكا والإسلاميون .. الحوار والتقارب 

الحوار والبراغماتية الأمريكية

السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي

مشروع "بروكينغز"

تقرير مؤسسة "راند"

خارطة الطريق

المعتدل الإسلامي وفقاً لتقرير "راند"

تحدي صناديق الاقتراع

مواجهة الإسلاميين .. أساليب بديلة

دمج الإسلاميين وتعزيز الديمقراطية

تقييم أولي

من النظرية إلى التطبيق

أمريكا وحتميّة دمج الإسلاميِّين

 

الفصل الرابع:

تجارب الإسلاميّين في السلطة

* مدخل

* التجربة الجزائرية / المزاوجة بين الحوار والإصلاح السياسي

·          نداء السلام الوطني

·          مبادرة مجموعة السبعة

·          وثيــقة الأحــزاب الأربعـة

·          مشروع العقد الوطني

·          قانون الرحمة

·          الجــدار الوطني

·          الوئام المدني

·          ميثاق السلم والمصالحة الوطنية

·          الدروس المستخلصَة من المأساة الوطنية الجزائرية

التجربة التركية / الصبر والنجاح

·          أشكال المشاركة السياسية للحركة الإسلامية في تركيا

·          مراحل المشاركة السياسية للحركة الإسلامية في تركيا

المرحلة الأُولى: فترة حكم الحزب الديمقراطي بزعامة "عدنان مندريس"

المرحلة الثانية: فترة تعاقبت عليها أحزاب ليبرالية وقومية تركية

المرحلة الثالثة: فترة حكم حزب الوطن الأم بزعامة "توركت أوزال"

المرحلة الرابعة: مرحلة الحكومة الائتلافية

المرحلة الخامسة: مرحلة حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة "أردوغان"

·          الإسلاميون الأتراك في الميزان

 

التجربة العراقية / الاستئثار والفشل

·          خصوصية التجربة

·          البداية الفاعلة

·          قراءة الفشل

 

الفصل الخامس:

القاعدة في العراق.. البداية والنهاية

مقدمة

النصر.. والخيارات الثلاث

إمارة إسلامية في أرض عربية

نشوة النصر.. والعدو الجديد

الظهور في المحيط العربي

الردّ الأمريكي ـ تدمير القاعدة

الدخول إلى العراق

البدايات والتأسيس

الظهور والعمل

صدّام والقاعدة

أمير يبحث عن إمارة

الحرب مع الفصائل العراقية

 

الخاتمة: وفاة الإسلام السياسي.

 

الملاحق

·          تقرير مؤسسة "راند" سنة 2007 حول "بناء شبكات إسلامية معتدلة"

·          نص مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية

 

المصادر والمراجع.


 


 

 

توطئة

 

ربّما أكون من القلائل الذين عرفوا منذ الأيّام الأولى لدخولهم (التنظيم الإسلامي)، أن الحركة الإسلامية هي ليست حركة دينية/اجتماعية فقط، بل هي عمل ديني/سياسي يهدف الى إرجاع الإسلام وقِيمه النبيلة، لتأخذ مسارها في عروق الدولة والاقتصاد والاجتماع. وهذا الهدف الكبير يحتاج الى عمل يومي دؤوب متواصل، يختزل التجارب المتعدّدة، ويناضل بشتّى الوسائل، ويستفيد من آليّات العلوم الحديثة لتكوين وتطوير كيان إسلامي معارض، يهدف الى استلام السلطة في العراق. وأنا أيضاً من القلائل الذين وعوا أن التنظيم الإسلامي هو وسيلة. وأن الانفتاح، وليس (الانغلاق)، بين الجماعات الإسلامية هو إثراء لكلّ منها؛ وهذا ما دفعني وشجّعني لكي أخوض تجربة شخصية لم يألفها غيري في الحركة الإسلامية العراقية. حيث انتميت للحركة المرجعية بقيادة المرجع السيّد محمد الشيرازي[1] ، وفي ذلك الوقت انتميت لحزب الدعوة الإسلامية[2]، ولم يكن ذلك مجرّد فضول. والأكثر من ذلك دخلت تجربة التعرّف على الحركة الإسلامية الشيعية في إيران، والانضمام الى حركة التحرّر الإسلامية بقيادة نجل الإمام الخميني. وكان خروجي من العراق في بداية عام 1975 بداية مرحلة أساسية في دخولي حركة الإسلام السياسي، التي تهدف الى تغيير النظام القائم بما فيه، تغييراً جذرياً، حيث أن أواسط السبعينات شهدت انفتاح عدد من حركات الإسلام السياسي في المنطقة مع بعضها، والعمل والتعاون والتنسيق والتدريب المشترك، وصاحبَ ذلك انفتاح كبير ـ لأوّل مرّة ـ بين حركات الإسلام السياسي ومنظّمة التحرير الفلسطينية، (خصوصاً حركة فتح) التي ساهمت في تدريب عدد محدود من الكوادر تدريباً عسكرياً تخصّصياً.

وكان بروز الإمام موسى الصدر الذي أعطى الإسلام السياسي (نموذجاً) رائعاً في الفكر المعتدل، والروح الوثّابة المناضلة العنيدة، والعقل الراجح الحكيم؛ بذلك أخرج الإمام الصدر حركة الإسلام السياسي من التدرّج الروتيني، والمرحليّة الكلاسيكية، إلى الوجود السياسي/الاجتماعي على الأرض. وقد أثّر ذلك على حركة الإسلام السياسي في لبنان ، العراق ، إيران ، دول الخليج العربية. وكان تأثير الإمام موسى الصدر على بلورة الإسلام السياسي الشيعي العربي كبيراً. ولأنني لم أتأثّر بالحالة الشخصانية في انتمائي للحركة السياسية الإسلامية، فقد تأثّرت بالإمام موسى الصدر كثيراً، وكانت لقاءاتي القليلة معه ذات تأثير عظيم.

من أهمّ أسباب قوة ومتانة الإسلام السياسي في مرحلة أواسط السبعينات، بالاضافة الى تركيزه على الاهتمام بالتنظيم الصارم، هو في (هجرته في عدد من البلدان)؛ ممّا أعطاه قدرة على الاحتواء، والأمر الآخر يكمُن في الايدولوجيا الحركية الأُمميّة التي تبنّتها الحركات الإسلامية[3] .

في العام 1976م كان هناك تحولاً كبيراً في المسيرة الحركية التي أنتمي لها، حيث تمّ تأسيس حركة أُمميّة جديدة، هي في الحقيقة تجمّع عدد من الحركات الإسلامية الثورية، وهي: (حركة الرساليّين الطلائع)، التي كان فيها عدد من إسلاميي حركة أمل، وعدد من العلماء الثوريّين الإيرانيين، وأهمّهم الشيخ محمد المنتظري (نجل المرجع الشيخ المنتظري). ومن العراق: الحركة المرجعية وفروعها، في البحرين، والسعودية، والكويت، وعمان. وكذلك فرع إيران (التي تتشكّل من العراقيين المسفَّرين عام 1970 إلى إيران). وكان لي شرف الاشتراك في تأسيس هذه الحركة، وكنت عضواً في قيادتها العامّة.

وهذه الحركة تجاوزت الانتماء إلى مدرسة مرجعية واحدة، وقد ركّزت الحركة منذ تأسيسها على تأسيس كيان عسكري، وكان ذلك خطوة كبيرة واسعة، لم تدخلها حركات الإسلام السياسي. وقد اشتركت هذه الحركة بشكل فاعل في قيادة الفعاليات الإعلامية والسياسية والتنظيمية لمعارضي حكومة الشاه في الخارج، والدعم اللوجستي (المادي والعسكري) للمعارضة الإيرانية.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، شاركت في تأسيس اللبنات الأُولى للحرس الثوري الإيراني، ومؤسّسة دعم حركة التحرير العالمية.

والملاحظ أن حركة الرساليّين الطلائع قامت بأوّل تحالف بين الإسلام السياسي واليسار العراقي؛ بهدف إسقاط النظام العراقي، وذلك عام 1979 (بعد مجيء صدام حسين على رأس السلطة).

إن هذه الذهنية المنفتحة، ولكن المجاهدة والمناضلة التي حملناها منذ بواكير عملنا الحركي، جعلتني أنظر لكلّ الحركات الإسلامية بمنظار واحد، وهو التعاون والتكاتف والتلاحم من أجل الهدف السامي. بل النظر إلى الأمور ليس من منظار الأصولية المتزمّتة، أو ايدولوجيا الحقد. فمثلاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بعدّة أشهر، تمّ اعتقال عدد من القساوسة المسيحيين الإيرانيين بتهمة التجسّس لصالح الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وجاء مطران مدينة القدس والمناضل الفلسطيني المعروف، الذي قضى سنين عديدة في السجون الإسرائيلية ثم خرج وعاش في الفاتيكان "هيلاريون كمبوجي" إلى طهران، لكي يتوسّط في إطلاق سراحهم، وقمت مع عدد من زملائي العلماء بمحاولات لإطلاق سراحهم ونجحنا في ذلك، وهذا الانفتاح دفعنا لكي نخطو خطوة كبيرة في الانفتاح مع الأحزاب السياسية السنيّة (الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي)، وكان تعاون وتنسيق في أمور عديدة، ولكنّه كان قصير الأجل، حيث اعتقلت في سوريا عام 1980 بتهمة التعاون العسكري مع الإخوان المسلمين، (حين كنت في زيارة إليها).

ما حمله الإسلام السياسي بعد انتصار ثورة إيران الإسلامية هو التراجع نحو الطائفية، والتركيز على العمل العسكري بقصد تغيير قمّة السلطة، وتضارب المصلحة الإقليمية والقومية مع الأُممية الإسلامية، وكأن التاريخ يعيد نفسه في المنطقة، مع تغيير في الأسماء والمسمَّيات؛ حيث تداخلت القومية والمذهبية لتتصارع الإرادات. ولا ننسى دخول النفوذ الأجنبي، أو على الأقلّ استفادته من هذه الثغرات لتوسيع الهوّة. وهكذا ضعفت الى حدِّ الانتهاء مرحلة الإسلام السياسي التحرّري غير الطائفي. الذي يهدف الى تغيير الأنظمة الحاكمة مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار الأمور الطائفية أو القومية، فالمعيار هو عدالة الحاكم أو عدم عدالته مع رعيته.

لقد كان انتصار الإسلام السياسي في إخراج القوات الأمريكية من لبنان، أوائل الثمانينات، وانتصار الإسلام السياسي في إخراج القوات الروسية من أفغانستان؛ إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسيرة هذه الحركات, وسِمة هذه المرحلة:

 

·   تغليب السلاح على العمل السلمي.

· وضع كل الإمكانات الفكرية والمادّية في خدمة الجهاد، مع تعويم كبير لايدولوجيا الجهاد، وبذلك تماهت حدود الجهاد الدفاعي مع الجهاد الهجومي والاستباقي.

· التركيز على العدوّ الخارجي، وبلورة أيدلوجيا المؤامرة، سواء كان ذلك على الصعيد المحلي: (الأعداء المنافسين لكلّ حركة أو أعداء من مذهب آخر)، أو على الصعيد الإقليمي: (تحالف إسلام سياسي مع نظام يريد القضاء على نظام آخر).

·   الاستعجال في محاولة الوصول الى السلطة.

·   لم يسمح الإسلام السياسي الثوري للإسلام السياسي المعتدل بالنموّ والتوسّع.

· أصبح الإسلام السياسي آلة بيد الأنظمة المحلّية، والبعض منه دخل لعبة الصراعات الدولية، وبذلك فقد التركيز على ضرورة القضاء على الأنظمة الديكتاتورية والمستبدة والظالمة لشعوبها. وبدا الإسلام السياسي وكأنه يريد تطبيق ظاهر الشريعة الإسلامية على الناس بالقوة والإكراه؛ وبذلك أصبح الإسلام السياسي، وهو في المعارضة، وكأنه إسلام السلطة وإسلام النخبة المتديّنة. وهذا ما أبعد عنه تأييد الجماهير المحايدة.

 

لقد كان صراع الإسلام السياسي المباشر، في مرحلة الثمانينات، مع النظام الدولي برمّته. حتى أن اليسار الأوربي ـ الاشتراكية الدولية ـ تحالف مع أعتى اليمين؛ حيث تحالف فرانسوا ميتران مع ريغان وثاتشر، للقضاء على المد الإسلامي[4]. وكان صراعاً مريراً غير واضح المعالم والأهداف بالنسبة للإسلام السياسي، بينما هو واضح بالنسبة للنظام الدولي.

وقد ساهم ارتباك الإسلام السياسي في تحديد الأهداف والآليّات في ارتكاب أخطاء إستراتيجية لا مجال للحديث عنها، اشترك الإسلام السياسي الشيعي والسنّي في هذه الأخطاء والخطايا، وأهمّها هو الصراع الطائفي والقومي.

انتصر الإسلام السياسي في بداية الثمانينات ـ انتصاره في إيران ـ على أعتى الأنظمة المتحالفة مع أمريكا وإسرائيل، بثورة جماهيرية سلمية منظّمة ، وهو يحمل شعارات: (العدالة، الإسلام غير القومي وغير الطائفي، الإسلام المحايد بين الشرق والغرب "لا شرقية ولا غربية ، جمهورية إسلامية"، إسلام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان). وانفجر بركان الإسلام السياسي في كل مكان في بلاد المسلمين، واستنفرت أمريكا كل قوّتها في المنطقة: (انقلاب عسكري في تركيا، شبه احتلال للبنان)، واستنفر الاتحاد السوفيتي كل قوّته، بدخوله إلى أفغانستان. وسرعان ما تحوّل الإسلام السياسي إلى إسلام ثوري عسكري، غير واضح الأهداف، يريد تدمير النظام الدولي: (مثال احتلال السفارة الأمريكية بطهران، واعتقال الدبلوماسيين فيها).

فهو في مكان يتحالف مع أمريكا ضدّ روسيا، وفي مكان آخر يسكت على احتلال روسيا لبلد إسلامي، ويدعو الى إخراج أمريكا من بلد إسلامي. إسلام طائفي متشدّد في مذهبيته، وبدلاً من أن تدعو إيران الى تصدير الفكر الإسلامي وتصدير الإسلام، دعت الى تصدير الثورة، واعتبر ذلك من قِبل الإسلام السياسي السنّي بأنه تصدير للتشيّع، وبذلك شُنّت حملة شعواء ضدّ الشيعة غير الإيرانيين في كل مكان.

حملت بداية التسعينات نواة كارثة عظيمة على الإسلام السياسي، بالرغم من قوته وانتصاراته هنا وهناك، وأسوأ ما في هذه  الكارثة هو سذاجته إلى حدِّ الغباء، التي تدلّ على بدائيّته في مجال الاستراتيجيا. فقد انتهت الحرب الكونية الثالثة وهي أشدّ وأشرس من سابقتها؛ كونها حرب (ليّنة، هادئة، مخملية)، وأدّت هذه الحرب الى خسارة أبدية لأحد القطبين الرئيسيين في عالمنا، وهو الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الإمبراطورية الروسية التي كانت السبب المباشر في تدمير ثلاث إمبراطوريات مسلمة: (الدولة العثمانية ، والصفوية ، والمغولية المسلمة في شمال الهند)[5] ، واحتلّت مناطق شاسعة في أواسط آسيا وآسيا الصغرى، وهي جميعاً ممالك إسلامية متحضّرة. وسبّب ذلك أيضاً في سيطرة الصين على مناطق أخرى من بلاد المسلمين.

إن تفتّت الاتحاد السوفيتي، أرجع روسيا إلى حدودها قبل 10 قرون، وأوجد مناخاً ملائماً لاسترجاع الإسلام بريقه عند حدود الحضارات الشرقية، (الصينية والروسية والهندية)، وأصبحت روسيا بأشدّ الحاجة لكي يتعامل معها العالم الإسلامي بصورة طبيعية. ولو أن الإسلام السياسي، بشقّيه السني والشيعي، تعامل استراتيجياً مع هذا الحدث الذي لا يقلّ أهمّية عن فتح المسلمين للبلاد غير العربية، لانتقلت النهضة الإسلامية الى ركب التحدّي العالمي من أوسع الأبواب.

وما حدث كان العكس تماماً. تعامل الإسلام السياسي السنّي مع هذا الحدث برجوع حركة (طالبان/القاعدة) التي كانت موجودة قبل تأسيسها، بنيّة تأسيس حكومة إسلامية سنّية في أفغانستان، تهدفُ تصدير الإسلام السياسي السنّي بقوّة السلاح الى كل المناطق في آسيا، وبذلك استنفر العملاق الروسي، والتنين الصيني كل قواهما لذلك، واستمرّت أمريكا في لعب ورقة الإسلام السياسي المتحالف معها ضدّ الإلحاد أو بقايا الإلحاد. وكان عمل الإسلاميين هو عكس عمل المسيحية والكاثوليكية، التي حاربت روسيا والصين بسلاح الفكر والإعلام والتحالف مع البوذية.

أمّا الإسلام السياسي الشيعي، فقد وقّف صراعه مع الغرب وأمريكا، وجعل لنفسه عدواً واحداً وهو نظام صدام، الذي احتل الكويت وقمع شعبه العراقي،بعربه وأكراده، بصورة مهولة قلّ نظيرها في التاريخ، وكان ثمن محاولة إسقاط  صدام (الشيطان)، بالتحالف مع مَن هو أسوأ من الشيطان[6] ! ومن جانب آخر، لم تحاول الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تتحالف استراتيجياً مع روسيا، بالرغم من العلاقات المتميّزة، فقد كان ميل ومشاعر النُخبة الحاكمة في إيران وبصورة مستمرة، نحو أوربا الغربية؛ باعتبار أن ذلك ضمان لتحسين العلاقة ـ في يوم ما ـ مع أمريكا، وكان المسمار المفقود في باب العلاقة الإيرانية الروسية هو موقف إيران من نظام صدام. حيث كانت روسيا حسّاسة جداً من مسألة تغيير النظام العراقي ـ حيث لها مصالح اقتصادية وإستراتيجية في العراق ـ ، وتعتبر أن محاولات أمريكا لإسقاط صدام هو بدايةٌ حقيقية لوجود أمريكي دائم في كل المنطقة، وتكريس النفوذ الأمريكي المتحالف مع الإسلاميّين في أواسط آسيا. وهذا ما حدث، حين لم تستطع إيران وحلفائها من الإسلام السياسي العراقي أن تُسقط صدام، وفتح المجال واسعاً، من دون قيد أو شرط لتحالف اليمين العراقي مع أمريكا ومع الإسلاميين، وتمَّ إسقاط نظام صدام.

إلاّ أن المعادلة لم تسقط (الصراع القومي الإسلامي/ الصراع الشيعي السُني/ الصراع العربي الفارسي)، وهكذا استمرّت الحرب واستمرّ الدمار.

فهل يستطيع الإسلام السياسي العراقي ـ كنموذج ـ من لَملمة ما ضاع وتهشَّم، ليبني نظاماً متوازناً مؤسّساً على أسس العدالة والحرية والرُقي؟

وهذا التساؤل بالذات دفعني لأن أتذكر الشهيد العلاّمة السيد مهدي الحكيم، ليكون هذا الكتاب باسمه.

السيّد مهدي الحكيم بشخصه هو مدرسة قلّ نظيرها في الإسلام السياسي العراقي. فهو أحد مؤسّسي الحركة الإسلامية الدينية، اشترك مع الإمام الشهيد الصدر الأوّل في تأسيس حزب الدعوة الإسلامية، وقبل ذلك كان مؤسّس النهضة الإسلامية الحديثة التي بدأها المرجع السيد أبو الحسن الأصفهاني، واستمرّ بها الإمام السيد محسن الحكيم. فقد كان السيد مهدي الحكيم العقل المفكّر والمخطّط والمنفّذ في بيت والده. وهو الذي افتتح عشرات المساجد في المدن العراقية، وساهم في تولية هذه المساجد من قِبل علماء متنوّرين وأصحاب كفاءة علمية. والسيد مهدي الحكيم أرسى قاعدة تحالف بين بيت آل الحكيم وآل الصدر، والتي سيستمر عليها (شهيد المحراب أية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم).

وبالرغم من خروج الشهيد الحكيم مع الشهيد الصدر من حزب الدعوة، إلاّ أنهما بقيا مع الدعوة، بل إن السيد مهدي الحكيم لم يتّخذ موقفاً سلبياً من الدعوة إبّان صراع حزب الدعوة والمجلس الأعلى في بداية الثمانينات، بل وأكثر من ذلك فقد ساهم الشهيد الحكيم في مأسَسة كيان حزب الدعوة في بريطانيا، واحتواء كوادر الحزب ودعمهم مادّياً ومعنوياً،  وكان المظلّة لفرع الحزب في لندن، خصوصاً أن السلطات البريطانية كانت حسّاسة تجاه الوجود الإسلامي الحركي العراقي.

لم تمنع (حزبية) السيد مهدي الحكيم في أن يكون مستقلاً في توجّهاته السياسية والفكرية، ولم تمنعه (شيعيته) من أن ينظر دائماً إلى المكوّن المكمِّل للتشيّع وهو التسنُّن؛ فكانت علاقاته الفكرية والسياسية مع السنّة العراقيين وغير العراقيين قد تعدّت الشعارات والحوارات، ووصلت إلى التحالف معهم في محاولة لقلب نظام الحكم البعثي عام 69-70 ، وتعدّى ذلك إلى التحالف مع الأكراد العراقيين لتأسيس نظام عراقي يجمع المكوّنات العراقية تحت خيمة الوطن الواحد. وهذا التحالف الذي كان محوره الأساسي السيد مهدي الحكيم ضمّ الليبراليين أيضا[7].

لقد كانت نظرية السيد الحكيم في المعارضة هي التوازن بين المعادلة الإقليمية والمعادلة الدولية، وبعد سقوط النظام الشاهنشاهي وإعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية، زار السيد الحكيم سوريا ـ قبل خروج الشهيد السيّد محمد باقر الحكيم من العراق ـ وأقنع الحكومة السورية بضرورة العمل من أجل مساعدة المعارضة العراقية في التكتّل والتجمّع، وبذلك ساهم في تأسيس الجبهة الوطنية العراقية (جود)

ما فعله السيد الحكيم تمّ تدميره من قِبل الإسلام السياسي الحركي، الذي لم يكن يقبل بالاعتدال آنذاك، وما حذّر منه السيد مهدي الحكيم لم يأخذ به أحد:

 

·             التوازن بين الحركية والعلمائية، بين الحركة الدينية والحركة السياسية.

·             التحذير من بناء الدولة الدينية.

·             التحذير من تأسيس كيان دولة على أُسس طائفية ومذهبية.

·     الخطّ الليبرالي ليس ملحداً، وعلى الإسلاميّين احتوائه بدل عزله الذي سيؤدّي الى ارتمائه في أحضان العلمانية .

·             التوازن بين علاقات العراق الإسلامية من دون المساس بعروبة العراق

·             التوازن بين المكوّنات العراقية الرئيسة: العرب الشيعة، والسنّة، والأكراد.

 

ويكفي الشهيد السيد مهدي الحكيم فخراً أنه استطاع أن يحتوي كوادر كان لها أعمق الأثر في إخراج المعارضة العراقية من المحلية والإقليمية الى الدولية، فأمثال الدكتور عادل عبد المهدي (الذي يمثّل بحق مدرسة الشهيد السيّد مهدي الحكيم) ، والشهيد الدكتور علي العضاض الذي ظلم كغيره من قبل الدولة العراقية التي لم تهتم بجذب الكفاءات الأمنية حتى وإن كانت تحمل عنفوان الاستقلال والرأي المعارض. حمل جراحات العراق وأنين أيتامه وأرامله في كل محفل من المحافل الدولية، والدكتور ليث كبّة، الجندي المجهول الذي كان مؤسّساً في تحويل الحالة الإسلامية الكلاسيكية في الحركة الإسلامية الى المجال الدولي، والذي كرّر تحذيرات السيد مهدي الحكيم، منذ سقوط نظام صدام ـ ولكن لا حياة لمَن ينادي ـ. ولا ننسى الدكتور عبد الصاحب الحكيم، الذي جمع كل صغيرة وكبيرة من جرائم نظام صدام ووثقها، وبذلك أعطى لضحايا المقابر الجماعية، والمعلولين نتيجة سمّ الثاليوم ، أقوى سلاح لإسقاط الطاغية ونظامه. هؤلاء جميعاً وغيرهم كثير، هم نتاج السيّد الشهيد مهدي الحكيم.

لم ييأس السيد مهدي الحكيم من محاولاته إقناع الإسلام السياسي السنّي، الذي استماله صدام واستعطفه للخروج من أسر جرائمه بحقّ شعبه، وهو ـ صدام ـ يحاول كسر الطوق الذهبي الذي صاغه بنفسه ووضعه حول رقبته، وكان قبل ذلك وسام شرف وعزّ وكرامة! نعم تحوّل طوق التحالف مع النظام العربي ومع النظام الإنكلو/أمريكي لتدمير ـ ليس إيران ـ بل الإسلام في المنطقة، تحوّل هذا الطوق الى وبال على أصحابه جميعاً، وكأنّ صدام يتمثّل بقول الشاعر العراقي:

فإن خانَكَ الصَحبُ والأصفياء *****  فقد خانَـنا مَن له نَنْتـَمِ

 

أمّا السيد مهدي الحكيم، فلم يتوانى من الاستمرار في الاتصال مع هذا وذاك من علماء المسلمين وقادة الحركات الإسلامية، بأن لا ينخدعوا. وهكذا أراد السفر الى السودان لحضور مؤتمر الحركات الإسلامية، الذين دعوه (ثمّ تنكّروا وأنكروا)، وذهب إلى الخرطوم ضيفاً على الشيخ حسن الترابي، وكانت في استقباله رشّة رصاص المخابرات العراقية.

بموت مهدي الحكيم مات الاعتدال الإسلامي، والاعتدال المذهبي، والعقل الحكيم، وبدأت الحرب الكونية الرابعة، فمتى تنتهي؟!

فهل يستطيع الرئيس باراك أوباما أن يبذر بذرة السلام.. السلام المبني على العدالة والعدل؟!

وهذا ما سنتحدّث به في الجزء الثاني من الكتاب إن شاء الله تعالى.

 

السيد عبد الجبار الموسوي الصافي

 

بغداد / صيف 2009 م

1430 هـ

 


 

 

" لا شيء يمكن أن يظهر الأسلمة في صورة غير جذّابة أكثر من تجربة فاشلة في السلطة "

غراهام فولر[8]

 

 

المقدمة:

منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي بدأ اهتمام الولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً بالإسلام والحركات الإسلامية، وعلى مراحل:

المرحلة الأولى: الإيجابية.

تميّزت بالاستكشاف العميق للإسلام، فكراً ومنهجاً وتراثاً وحركةً، مُعزّزاً بنظرة تفاؤل متحرِّرة من عقدة أوربا وعلاقاتها القديمة السيئة مع الإسلام، وقد دعم هذه النظرة علماء الاجتماع والمنظّرين الثقافيّين في الولايات المتحدة.

المرحلة الثانية: الأرشفة.

تميّزت بجمع المعلومات الدقيقة عن المجتمعات الإسلامية، والعادات والتقاليد والثقافة،  تدعمها الأجهزة الأمنية والإستخبارية.

المرحلة الثالثة: العلاقات.

التي قامت على الانطلاق في إقامة العلاقات مع الإسلام السياسي ورموزه، من الطامحين للوصول إلى السلطة، وقد بدأت أولى المحاولات منذ بداية الستينيات من القرن الماضي.  

المرحلة الرابعة: التحالف.

محاولة إيجاد جبهة أمريكية / إسلامية، تمثِّل جانبها الثاني حركات الإسلام السياسي بثقلها الجماهيري، للوقوف بوجه المدِّ الشيوعي[9]، وكذلك الإسلام الرسمي (الحكومات المحافظة).

المحلة الخامسة: الصدام والتصالح.

في هذه المرحلة وظَّف الأمريكان علاقاتهم مع حركات الإسلام السياسي، الجديدة والقديمة، من أجل محاربة أعدائهم الشيوعيين، والإسلام السياسي المعادي لأمريكا ذاتها، الذي انتصر في إيران وحاول تغيير النظام السعودي والمصري في بداية ثمانينيات القرن الماضي .

المرحلة السادسة: مرحلة بوش.

وهي استمرار لنهج الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان وبوش الأب، حيث تهيّأت للإسلام السياسي فرصة الوصول إلى السلطة، وفيها استجلب الأمريكان الذي يطيعهم من الإسلاميين، حتى لوكان متطرّفاً ضدّ مثيله النوعي، وحتى لوكان لا يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنادي بها أميركا، بل حتى لوكان طائفياً متشدّداً لا معتدلاً.

المرحلة السابعة: التغيير/ مرحلة أُوباما

ربّما تمثّل فترة أُوباما مرحلة جديدة في تعامل الولايات المتحدة مع الإسلام والإسلام السياسي؛ لأنها قد تعيد دورة تلك العلاقات إلى مرحلتها الإيجابية الأولى، إنْ كانت النوايا صادقة. فخطاب الرئيس الأمريكي الأخير، الذي توجّه به إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة، كان مهمّاً؛ لأنه ـ من المفروض ـ قد وضع معالم السياسة الأمريكية نحو الدول الإسلامية خلال فترة الرئاسة الممتدَّة لأربع سنوات؛ بما يُعتبر برنامج عمل ورؤية في الهواء الطلق، ومخاطبة مباشرة في العَلن، على غير عادة الإدارات الأمريكية السابقة، وإعلان للشعوب الإسلامية للتخلّص من العقبات التي تعترض التعاون المثمر.

لقد كان الخطاب منهجياً في رؤيته الواضحة، التي تشبه إلى حدٍّ كبير محاضرة أكاديمية محكمَة في طرح الموضوع، وتوضيحه بإيجاز وبشكل بسيط ومفهوم، وخروجه بنتائج واضحة في المحاور الثمانية التي أثارتها تلك المحاضرة، كما يلي:

·    المحور الأوّل: تناول العنف ومحاربة الإرهاب، وذكر فيه أن المواجهة ليست مع الإسلام، وإنما مع المتشدّدين العنيفين، وأنه سيدافع عن سلامة الشعب الأمريكي، كما تناول نقطة جوهرية، تمثّلت في قوله:  ( إنّ الإسلام ليس جزءاً من المشكلة، ولكنه أساسياً في الحل ).

·    المحور الثاني: تناول العراق. وهنا أشار أُوباما إلى توقيت مُحدَّد للانسحاب الكامل، وهونهاية العام 2012 م ، مع بداية الانسحاب التدريجي من نهاية شهر حزيران للعام الحالي[10]. وذكر أن الولايات المتحدة ستساعد العراق في بناء قدراته الأمنية.

·    المحور الثالث: دار حول الصراع العربي / الإسرائيلي، وقد أشار فيه بوضوح قاطع إلى أنه ضدّ الاستيطان، ومع حق إقامة دولتين تتعايشان بسلام جنباً إلى جنب. وبالرغم من عدم إشارته للمجازر التاريخية التي ارتكبها اليهود ـ رغم تأكيده على معاناة الشعب اليهودي وإدانته لإنكار المحرقة ـ في حقِّ العرب، مسلمين ومسيحيين، والمجازر ضد الشعب الفلسطيني، إلا أنه ـ ومقارنة مع جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين ـ قد ذهب بعيداً في وضوح رؤيته لحلِّ النزاع العربي الإسرائيلي، وفي تأكيده على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وأن تكون القدس مدينة مفتوحة لجميع الأديان، ولم يقل إنها عاصمة لإسرائيل. والموقف حول القدس رغم أنه لم يأتي حسب الرؤية الإسلامية والفلسطينية، إلا أنه كان مختلفاً عن شعارات حملة أُوباما الانتخابية نفسها، التي كانت مؤيدة لأن تكون القدس عاصمة للدولة الإسرائيلية.

·    المحور الرابع: تناول خطاب أُوباما الموضوع الإيراني، وأكَّد فيه على حق الجمهورية الإسلامية في استخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، بشرط توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. كما ذكر الخطاب أن الإدارة الأمريكية الحالية ستتحدَّث مع الإيرانيين في المجموعة السداسية، منبهاً إلى أن الأسلحة الذرية يمكن أن تُدخل المنطقة في سباق خطير للتسلّح.

·    المحور الخامس: تحدث عن الديمقراطية، وذكر أن أمريكا لن تفرض نظاماً معيّناً على أيّ دولة أخرى، لكنّها ترحب بكلّ الحكومات المنتخبة بطريقة سلمية. ونبّه إلى الجماعات التي تنادي بالديمقراطية عندما تكون خارج السلطة، وعندما تصل إليها تنقلب على مبادئها.

·          المحور السادس: تناول الخطاب الحريات الدينية، منوّهاً إلى أن تعدّد الأديان يُثري الحياة العامة.

·          المحور السابع: تناول حقوق المرأة.    

·          المحور الثامن والأخير: تطرَّق فيه للتنمية الاقتصادية وتكافؤ الفرص.

 

في خاتمة الخطاب، أشار الرئيس الأمريكي إلى أن الحاجة ملحّة في بذل جهود جبارة من أجل التعاون واحترام كرامة جميع البشر، وذكر "أن الحرب أسهل من السلام" ، كما نبَّه إلى ضرورة النظر إلى داخل الذات بدلاً عن النظر للآخرين فقط وإلقاء اللوم عليهم: " إذا اخترنا أن نكون سجناء الماضي، فلن نحقِّق شيئاً. وإنّنا جميعاً شركاء في العالم، في لحظات قصيرة "[11] . في إشارة إلى محدودية بقاء الإنسان على الأرض.

بناءاً على الخطاب، فأنه يصوّر العلاقة بين أمريكا والإسلام السياسي عبارة عن كرة وهدف، وقد أصبحا الآن في ملعب الدول والشعوب الإسلامية، إن أرادت استغلال المنعطف الكبير الذي تمر به أمريكا اليوم، خصوصاً إذا أرادت الاستثمار المجدي في فترة إدارة الرئيس أُوباما، والتي قد لا تتكرر في الأمد القريب.

كما يصوِّر الخطاب أنّ الكرة ـ كانت ـ في الملعب الأمريكي، الذي تعامل معها بأسلوب الهجوم والحرب أكثر من التصالح والسلام.

لكنّ الحقيقة أن تلك الكرة لن تخرج من ملعب الولايات المتحدة إلى أي ملعب آخر، ولو على المدى القريب؛ لأنها ـ وببساطة ـ ما زالت الآمر الناهي في الشأن الدولي. لذلك فإن جميع الدول والشعوب الإسلامية مدعوة بقوّة لاختبار إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، ومدى التغيير الذي تحمله ولايته، مع الاعتراف بأنّ هذه الفترة تحمل في طياتها الكثير من أدوات التعبير المختلفة تماماً عن سابقتها.

ولكي نتعمّق في نهج أُوباما وخلفياته التي دفعت بمواقف الإدارة الأمريكية الجديدة إلى دعوات التصالح و(التسامح)، لا بدّ من الوقوف على خلفيّات موضوع أمريكا وسياساتها تجاه الإسلام السياسي واهتمامها به، منذ ظهورها على مسرح الأحداث كقوّة عالمية كبرى، ثمّ قُطب دولي أوحد.

يبدو ممّا تقدّم، أن هناك أكثر من سبب يقف وراء ذلك الاهتمام والتغيّر والتدرّج في العلاقة بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، والإسلام السياسي من جهة أخرى:

·  اليمين الأوربي والأمريكي الذي تفاجأ  بخضوع الديانة البوذية للمدِّ الشيوعي في آسيا، واحتماء الماركسية في هذه الديانة.

·  صدمة الغرب وأمريكا نتيجة انتشار الماركسية واليسار الاشتراكي في أمريكا اللاتينية، وعدم استطاعة الكاثوليكية (ديانة معظم سكان أمريكا اللاتينية) من احتواء الشيوعية والماركسية.

·  المؤسسات الرسمية الحكومية التي اهتمت بالإسلام وحركاته الاجتماعية والسياسية، بعيداً عن القوالب التأريخية التي منعت أوربا من تكوين نظرة جديدة تجاه الإسلام.

·  الدوائر الأمنية والاستخبارية المرتبطة بالأجهزة الأمريكية، التي اهتمّت بالإسلام السياسي وشعوبه وحكوماته، في خطوة مَفصليّة بدأت تُهيِّئ الأرضية لرموز الإسلام السياسي الطامحين بالوصول إلى السلطة.

·  النفوذ الاقتصاد/سياسي الأمريكي المتزايد بالشرق الأوسط والمناطق الإسلامية، خصوصاً بعد انكفاء وتراجع النفوذ البريطاني والفرنسي في هذه المنطقة، ومحاولة تكوين دول الطوق المسلمة في آسيا، ( تركيا، إيران، باكستان، ودول الخليج العربية )، ليس فقط لمنع النفوذ السوفيتي ـ آنذاك ـ من الوصول للمياه الدافئة في الخليج،  بل لإحكام الطوق عليه من جميع الجهات.

من جانب آخر، بدأ يرافق ذلك الاهتمام الايجابي اتّجاهات تهدف إلى تصوير مُزيّف لحقيقة جوهر الإسلام وأوضاع المسلمين وتوجّهات حركاتهم السياسية (الإسلام السياسي). وللوقوف على خلفيَّة هذا الموضوع، وحقيقة العوامل التي تقف وراءه، نقلّب المستويات التالية:

·  المستوى الثقافي: تسيّده دراسات ونتاجات علم الاستشراق، بما تضمَّن أغلبه من حيف كبير وتشويه متعمّد لصورة الإسلام والمسلمين، زُرع في عقلية المواطن الغربي والأميركي، نتيجة لتحيّزات دينية وفكرية وثقافية تأريخية دفينة.

·  المستوى السياسي: مجمل ما عانته صورة العربي لعقود من خلفيات الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وما يبثّه اللوبي الصهيوني من قصص وأكاذيب. كما عانت صورة المسلمين كثيراً في أميركا، سياسياً، من آثار اندلاع الثورة الإسلامية في إيران أواخر سبعينيات القرن الماضي، وخصوصاً مسألة الرهائن من الدبلوماسيين الأمريكيين، حيث رأى الأمريكان في هذه الثورة تهديداً كبيراً لمصالحهم الاستراتيجية بالمنطقة تحت شعار إسلامي. هذا إضافة إلى ترشيح عدد متزايد من الأكاديميين والسياسيين الأميركيين للإسلام وحركاته للَعب دور العدو الدولي الجديد للولايات المتحدة، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق، وهي ترشيحات زادت وتيرتها خلال العقد الماضي، وأصبح يُنظر إليها حالياً ـ من قِبل أغلب السياسيين الأميركيين ـ على أنها نبوءات موفّقة كان ينبغي الانتباه لها بدرجة أكبر.

مع دخول العراق إلى الكويت، في آب من العام 1990 ، بدأت تلك النبوءات تتصارع مع رؤى ترى إحداث تغييرات في منطقة الخليج والشرق الأوسط بآلية وأيادي إسلامية، تقوم على تدمير الأنظمة القومية والحلول محلّها، في ترتيب أمريكي يستهدف ممازجة القطبية الأُحاديّة الجديدة بأنظمة إسلا ـ أمريكية جديدة.

إنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والسنوات التي تلتها، أضافت للتحيّزات السابقة الدفينة عدد إضافي من العوامل، التي ظهرت جليّاً لتراكم التأثير السلبي لتُرسّبات صورة الإسلام والمسلمين وحركات الإسلام السياسي في الغرب وأميركا، والتي ندرجها في:

1.    الجماعات السياسية المتحيّزة. حيث إن صورة الإسلام في أميركا لم تتشكّل في بيئة محايدة، فهناك دور واضح لبعض الجماعات النشطة سياسياً وإعلامياً، والتي تروّج لأجندات سياسية وفكرية متحيّزة ضدّ الإسلام والمسلمين عموماً، وعلى رأس تلك الجماعات ثلاثة فرق رئيسية:

 

الفرقة الأُولى: المحافظين الجُدد، وهي فئة يصعب تحديد موقفها من الإسلام والمسلمين؛ لسبب أساسي يتمثّل في صعوبة تحديد مَن ينتمون إليها، خصوصاً أنها جزء من اليمين الأمريكي المحافظ، الذي كان صاحب الدور الأبرز في العلاقات التأريخية مع الإسلام ودوله وحركاته،

على الرغم من الكتابات العديدة التي تعرِّف المحافظين. فإنّه ـ بصفة عامّة ـ يمكن تقسيم هذه الفئة، من حيث موقفها من الإسلام والمسلمين، إلى ثلاثة تيارات أساسية:

·    تيار عام. يضمّ غالبية أبناء هذه الفئة، يتميّز بالتركيز المُبالغ فيه على العالم الإسلامي، والاندفاع نحو استخدام القوة لتطبيق رؤاهم بخصوصه، ونحو النظر لبعض الجماعات المسلمة على أنهم أعداء أميركا الرئيسيّين. ويمكن القول إنّ نفوذ هذه الفئة وأفكارها أوجدت جوّاً من الشك والخوف غير المسبوق تجاه المسلمين، كما أنتجت سياسات ذات تَبعات كارثية على صورة الإسلام، وعلى رأسها حرب العراق.

·    أقليّة ضمن ذلك التيار. ساندت مساعي الإدارة الأميركية السابقة لدفع قوى وحركات الديمقراطية في العالم الإسلامي. ويلاحظ أن هذه الفئة رفعت شعارات تطالب بمشاركة الجماعات الإسلامية في العملية السياسية بالعالم الإسلامي، ممّا أوجد حالة حراك نسبي في الخطاب السائد بواشنطن تجاه ما هو إسلامي لفترة قصيرة، وهذا لا يعني أن تلك الفئة أقل تحيّزاً تجاه الإسلام والمسلمين، ولكنّ خطابها الديمقراطي امتلك أبعاداً يجب رصدها.

·    تيار الجماعات المتطرّفة المساندة لإسرائيل. التي تربط المحافظين الجُدد بقوى لوبي إسرائيل التقليدي، ويمكن الإشارة إلى منبر أبحاث الشرق الأوسط الذي يرأسه الباحث الأمريكي المتشدّد "دانيال بايبس" كنموذج لتلك الفئة، وهي فئة رافضة لفكرة نشر الديمقراطية، وتروِّج لأجندة شديدة التطرّف، مفادها ترويج أسوأ الأفكار النَمطيّة عن المسلمين، في شكل إنتاج يبدو أنه فكري أو بحثي رصين. ومن تلك الأفكار ما هو تلفيق بحق الإسلام والمسلمين: (اضطهاد المسلمين للمرأة، وللأقليّات الدينية، وحضّ الإسلام على العُنف وكراهية الآخرين)[12].

الفرقة الثانية: الجماعات السياسية المتحيّزة ضدّ الإسلام والمسلمين والمتمثّلة باللوبي الصهيوني. يلاحظ هنا أن بعض الاستطلاعات أثبتت ـ بصفة عامّة ـ وجود ارتباط بين مساندة إسرائيل والقابلية للنظر سلبياً تجاه الإسلام والمسلمين.

هذا إضافة إلى نشاط اللوبي المذكور في أوقات الأزمات ـ كحرب لبنان الأخيرة ـ المعادي للخطاب العربي والدولي الذي وقف بوجه عدوانها.

الفرقة الثالثة الرئيسية: الجماعات المسيحية المتديّنة. التي تشكّل نسبة لا يُستهان بها من أصوات الحزب الجمهوري، تقدَّر أحياناً بحولي 40 بالمئة. ترتبط هذه الفئة بالتشويه الذي تتعرّض له صورة الإسلام بأميركا على أكثر من مستوى:

المستوى الأوّل: أبناء اليمين الأمريكي المحافظ، الذين يعتبرون أكثر قابلية للنظر سلبياً للإسلام، كما أفادت مختلف الاستطلاعات والتقارير. حيث أن بعض الأفكار والكتابات المنتشرة على نطاق واسع في أوساط اليمين الأمريكي المتدين ـ مثل الكتابات التي تدور حول نبوءات آخر الزمان الإنجيلية ـ تحوي تصوّرات تضع غالبية المسلمين والعرب في معسكر أعداء المسيح والمسيحية.

المستوى الثاني: قيادات اليمين الأمريكي المتدين الـ(واسعة النفوذ). والتي تشن حملة مستمّرة على الإدارة الأميركية لحضّها على معاداة الإسلام كدِين. من أمثال "بات روبرتسون" و"جيري فالويل" و"فرانكلين جرام"[13].

المستوى الثالث: وسائل الإعلام اليمينية العلمانية. مثل قناة "فوكس نيوز"، والدينية مثل القنوات والإذاعات المسيحية، التي تلعب دوراً واضحاً في ترويج الأفكار الناقدة للإسلام وللمسلمين.

 

2.    مواقف النُخب السياسية الأمريكية. والتي تتميّز بالتضارب على اقل تقدير، أو الكيل بمكيالين تجاه ما يتعرّض له المسلمون والعرب من تشويه وتمييز. فبينما حرصت أقلّية (غير مسموعة) بين النخب السياسية الليبرالية على نقد ظاهرة الإسلاموفوبيا (العداء للإسلام والمسلمين)، لم تقدِّم غالبية أعضاء النُخبة السياسية الأميركية حلولاً واضحة للتعامل مع تلك الظاهرة، أومع ما يتعرّض له المسلمون من تمييز حتى في الولايات المتحدة نفسها، بل تسابقت غالبية تلك النخب على تسجيل أهداف سياسية، مستغلّة مشاعر العداء للإسلام والمسلمين بالمجتمع الأمريكي، كما حدث في مواقف عديدة منها، على سبيل المثال ما حدث مؤخراً في صفقة "موانئ دُبي".

أما فيما يتعلق بموقف الإدارة الأميركية نفسها، فقد حرصت في أكثر من مناسبة على استخدام مصطلحات مثل "الإسلام الراديكالي"، و"الإسلام الفاشي"، في وصف معتقدات الإرهابيّين، وهي مصطلحات غير محدّدة التعريف، تربط بين الإسلام والإرهاب ظلماً وبهتاناً، خاصة لدى المواطن الأمريكي العادي، الذي يفتقر للمعرفة الكافية وللقدرة على فهم المغزى المحدَّد لتلك المصطلحات.

وهنا تبادرنا الأسئلة التالية:

من الذي يحدِّد مدى الاهتمام بالإسلام؟

ومن الذي يحرّك التوجّهات في الولايات المتحدة يميناً ويساراً، ومواقف رسمية وغير رسمية، تجاه الإسلام والإسلام السياسي؟

ومن يمدّ هذه الفعاليات بالرؤى والتحليلات التي تتحوّل عبر سلسلة النظام السياسي إلى قرارات واستراتيجيات مؤثّرة؟

ما لا يعرفه الأعمّ الأشمَل من المسلمين أن مراكز البحوث والدراسات المتخصّصة في الولايات المتحدة، التي لا تُبقي صغيرة ولا كبيرة دون ولوجها والبحث في أعماقها، للخروج بنتائج ممكن إن ينتفع من ورائها صانع القرار الأمريكي في كافة المجالات؛ تقف وراء كل الأسئلة التي راودتنا قبل البدء بالبحث والدراسة والغوص في أعماقها. وتبدو خطورة هذه المراكز البحثية في أمرين مهمّين:

الأوّل: أنها ترتدي ثوب الحياد الأكاديمي، وترفع شعار المصالح الوطنية الأمريكية أمام منتقديها، ممّا جعل مركزها وثقلها ونفوذها في تصاعد مستمر.

الثاني: التأثير المتزايد الذي تمارسه على السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تخلّت عن هذا الحياد، وأصبحت في معظمها تخدم توجّهات أيدلوجية مُعيّنة.

ومهمّة هذه المراكز المختصرة (Think Tanks)، تتمثّل في السياسة التي تترجم المعلومات إلى قوّة ونفوذ، عندما تقدّم بشكل صحيح وفي الوقت المناسب، وبناءاً على تلك المهمّة تزايدت أعدادها بشكل مُطَّرد، وتعزّز نفوذها ودورها في التأثير على مُجريات النقاش العام في الغرب بصفة عامة، وفي الولايات المتحدة بصفة خاصة، حتى ناهز عددها في كل أنحاء العالم حوالي 4500 مركزاً بحثياً[14]، تستأثر الولايات المتحدة وحدها بحصة الأسد من هذا العدد، حيث يتواجد فيها ما يقرب الألفين مركزاً بحثياً متخصصاً في مختلف المجالات، من بينها ستة من أقدم مراكز البحوث وأكثرها نفوذاً، وأيسرها تمويلاً وأكثرها استخداماً للخبراء، حتى وصل أعداد موظفي بعضها ما يقرب الألف أحياناً، عدا المتعاقدين. وهذه المراكز هي:

1. مؤسّسة "كارنيجي" (Carnegi) للسلام العالمي. تأسّست عام 1910.

2. معهد "هوفر" للحرب والثورة والسلام (Hoover) . تأسّس عام 1919.

3. مجلس العلاقات الخارجية. أهمّ مراكز السياسة الخارجية في الولايات المتحدة،  تأسس في العام 1921.

4. معهد البحوث الحكومية. تأسس في عام 1916، وتحوّل مع معهدين آخرين ـ عام 1927 ـ إلى معهد "بروكينجز" ، وهوإيقونة مراكز الفكر في واشنطن الآن.

5. معهد المشروع الأمريكي لبحوث السياسات. تأسّس في العام 1943.

لقد كان لهذه المراكز البحثية ـ شئنا أم أبينا ـ دوراً كبيراً في حياتنا، تمثّل في مراحل أربع، ابتدأت منذ انطلاق الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط أوائل خمسينيات القرن الماضي، مثلما أوضحنا سلفاً، فقد ركّزت مراكز الفكر جهودها في تتبّع ودراسة الإسلام السياسي، على فترات زمنية تتواءم مع المراحل التي ذكرناها آنفاً (المراكز في خدمة توجّهات صانع القرار) :

·       ظلّ روّاد هذه المرحلة حريصين على تتبّع الإسلام وحركاته ودراسته عن كَثَب، بعد أن بدا لهم فاعلاً مستقبلياً على الساحة السياسية الشرق أوسطية، وتمثّلت تلك المرحلة زمنياً مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

·       نشأت بعد بزوغ الولايات المتحدة قطباً دولياً أوائل خمسينيات القرن المنصرم، فأصبحت الحاجة مُلحّة أكثر بالنسبة لصانع القرار للحصول على خبرات مراكز الفكر؛ من أجل التأسيس لسياسات جديدة للأمن القومي في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، تتواءم مع متطلّبات ومعطيات القطب المهيمن على تلك المنطقة، في صراعه مع القطب المنافس، حيث عمدت تلك المراكز إلى أرشفة معلومات هائلة في مختلف المجالات عن المنطقة وعاداتها الاجتماعية ودياناتها، والإسلام وأفكاره، والمسلمين وتقاليدهم، وحركات الإسلام السياسي، رموزها، أفكارها، إيديولوجياتها، ونقاط الخلاف بين تياراتها المتعدّدة.

·       تميّزت بتزايد أعداد مراكز الفكر، بل وتطوّر ذات صناعتها، ممّا أدّى إلى خلق علاقة، أهمّ ملامحها هو التنافسية، فتوجّهت المراكز المتخصّصة بالمناطق الإسلامية إلى التسابق في تقديم الدراسات المعمَّقة، والتوصيات الجادّة لصانع القرار في الولايات المتحدّة باتّجاه دفعه، وبنظرة ايجابية، نحو التحالف مع حركات الإسلام السياسي، بعيداً عن النظرة السلبية التي خلّفها الأوربيين في مرجعية القرار الأمريكي تجاه هذا الموضوع. وقد تبلورت تلك الأفكار إلى واقع عملي ملموس في فترات العقدين السابع والثامن من القرن المنصرم، حيث أقامت الولايات المتحدة تحالفات استراتيجية مع بيوتات الطبقة الحاكمة في بلاد المسلمين، مع الاهتمام الكبير بنُخب المجتمع، وتعليم أبناء هذه الطبقات في أفضل الجامعات والمعاهد الأمريكية والبريطانية، وبناء شراكة اقتصادية مع هذه البلدان في مختلف المجالات، بل وبناء علاقة مع عدد من رموز الإسلام السياسي الطامحين وراء تغييرات في قمّة السلطة ببلدانهم.

·       تحوّلت فيها مراكز الفكر إلى ما يشبه الظاهرة العالمية، تُمارس من خلالها نفوذاً كبيراً على عملية رسم السياسة الخارجية للقطب الأمريكي الأوحد، ومنها ما يتعلّق بالإسلام السياسي (النظر إليه باعتباره العدو القادم، بديلاً للشيوعية)، حتى أن عملية تصنيع لتلك المراكز بدأت تتوالد من خلالها مراكز جديدة في دول عدّة، متّخذة من النموذج الأمريكي المثال الأبرز[15].

لقد بدأت تلك المراكز ظاهرة أمريكية بامتياز، وبالتالي فثمّة فاصل يميّزها عن مثيلاتها في الدول الأخرى، وهو قُدرة هذه المراكز في الولايات المتحدة على المشاركة، بشكل مباشر وغير مباشر، في عملية رسم السياسات، ليس هذا فحسب، وإنّما ـ وِفق قول أحد الأكاديميين الكنديين ـ "هناك استعداد شبه فطري من قِبل صانع القرار للجوء إلى تلك المراكز، من أجل الحصول على النصائح والاستشارة حول موضوعات السياسة الخارجية والمحلية"[16].

المهمّة الأُولى لتلك المراكز إذن هي توجيه العقول وصناعة الأفكار، والعمل على ترويجها على مستوى صانع القرار والرأي العام الأمريكي.

وقد شكّلت تلك المراكز بصياغاتها الفكرية مؤشّرات جدّ خطيرة في الآونة الأخيرة، في تناولها وتعاملها مع موضوع الإسلام السياسي، تستحق البحث والدراسة المعمّقين، بل إنها خلقت بأفكارها حركات هجينة تندرج "إسلاماً سياسياً"، تتعامل بالعُنف الأعمى في داخل البلاد الإسلامية، وتزرع بذور الفتن والاحتراب وعدم الاستقرار، ممّا أثٍّر على عموم المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالمين العربي والإسلامي، بدءاً من موريتانيا، مروراً بالصومال، وصولا إلى باكستان وأفغانستان، بل جعلت من الإسلام السياسي في موقع الصدارة عدوّاً  للحضارة الغربية والتمدّن والتطوّر.

ومن هنا كان الباعث الرئيسي وراء الجزء الأوّل من هذا الكتاب، معرفة كيفية تشكّل رؤية تلك المراكز للإسلام السياسي، وتحليلها له، وتنبُّؤاتها لمستقبله، على ضوء تجارب الإسلاميين البسيطة والحديثة العهد في السلطة، مع دراسة مُلحقة، تشمل حركة القاعدة من حيث النشأة والتأسيس والدخول إلى العراق.


 


 

الفصل التمهيدي

 

المقدمة

التراث والتأريخ الإسلامي:

المثقفون ودورهم في الإسلام السياسي

دور علماء الدين في تأسيس الإسلام السياسي

·       العلماء والإسلام السياسي الشيعي

الإمام الخالصي

الإمام الخميني

السيد الشهيد الصدر

السيد محمد الشيرازي

·       العلماء والإسلام السياسي السني

سيد أحمد خان (حركة ديوباندي في الهند).

السيد محمد رشيد رضا

أبو الأعلى المودودي

العوامل الذاتية في المجتمعات الإسلامية

اليمين الأمريكي

 

 


 

 

مقدمة

منذ بداية السبعينات من القرن الماضي, حسم الدِّين ـ وبصورة مفاجئة ـ علاقته بالسياسة, واستعاد مكانته في المشهد السياسي والاجتماعي, ليس في بلدان العالم الإسلامي فحسب, بل في مختلف المِلل والنِّحل والبلاد, فقد ظهرت للوجود (السياسي) الأصوليّات المسيحية, بشقَّيها البروتستانتي والكاثوليكي. حيث بدأت الكنائس البروتستانتية تدعو إلى (التوبة) والرجوع لـ(الأصول), وبدأت بالدعوة أن تقود (هي) حركة التحديث والتنوير في المجتمع، بعد أن كانت قبل عقود السبعينات تدعو إلى التلاؤم بين الدين والتحديث. أمّا الكاثوليكية، فقد كانت أكثر جرأة ـ وهي العريقة بالمحافظة والكلاسيكية ـ بتدخّلها في الشأن السياسي, حتى وإنْ كان ذلك يعرّض الكنيسة للمخاطر والحرج, فقد بدأ بعض رموز هذه الكنيسة تأييدهم للنضال المتنامي للجماهير المسحوقة في أمريكا اللاتينية, من دون الخوف من تُهمة الارتماء في أحضان الماركسية.

أمّا الكنيسة الرسمية (في روما)، والتي نفَضَت للتوِّ عن ردائها غبار التدخّل في الشأن السياسي تأييداً للنازية والفاشية، في أربعينات القرن العشرين، واستبدلت ذلك بأن رفعت المِعوَل المقدَّس, في محاولة محمومة ودؤوبة لاقتلاع جذور الإلحاد والكفر الشيوعي. وسيؤدي ذلك ليس إلى تدمير الإلحاد, بل إلى تدمير الاشتراكية فكراً ومنهجاً, والى تفتّت دراماتيكي في منظومة الدول الاشتراكية، ورجوع روح القومية ـ الدينية فيها.

حتى البوذية التي تقدّس السلام وتدعو إلى  القناعة وتقدّس الطبيعة، بدأت أكثر انجذاباً لتقديس الوطن، والدفاع عن المقهورين والمستضعفين، وبذلك أصبحت القِيم البوذية  (في السبعينات من القرن الماضي) المادّة الأساسية لليسار في جنوب شرق آسيا.

أمّا اليهودية، فقد كانت تعيش إرهاصاتها للرجوع للأصولية، بعد أن كان قمّة الهرم السياسي مُحتكَرا من قبل العلمانيين اليهود، وبدأ اليمين المُتدين المحافظ يعدّ العدّة لاستلام السلطة ويخطّط للبقاء فيها.

إذن.. ترافقت وتزامنت النهضة الإسلامية الحديثة وانبعاث الروح الإسلامويّة في نفوس أصحاب التديّن, ـ والتي تبلورت منذ بداية السبعينات ـ مع نهضة دينية أصولية في الأديان والأُمم الأخرى. لكنّ الأضواء (تحت الحمراء) ونظرات الشكّ، توجّهت للعالم الإسلامي أكثر من غيره, وأصبح الإسلام عموماً، وحركات الإسلام الدَعوية منها والجهادية, والسلمية والثورية، ـ كما أُشيع ـ العامل الأساسي في زعزعة استقرار أُمم الأرض جميعاً, وكان ردّ فعل العلمانية العالمية ضدّ الإسلام أكبر بكثير من ردّ الفعل ضدّ الأصوليات الدينية الأخرى, وهذا الأمر يستحقّ الدراسة الموضوعية المُنصفة.

في هذا الفصل نحاول أن نسلِّط الضوء على ما يحتاجه القارئ الكريم ليكوِّن خلفية، تُعينه على تصور أهمّية العلاقة التي ربطت حركات الإسلام السياسي ـ وهي في المعارضة ـ مع الغرب الأوروبي عموماً, والولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص.

ويمكن القول إن هذه العلاقة فريدة من نوعها, وربّما تكون هي العلاقة (الوحيدة) على مدى تاريخ الإسلام؛ حيث استطاعت أمريكا، باعتبارها زعيمة الحضارة الغربية, وبما تحمل من كاريزما، التأثير الثقافي والحضاري والسياسي على مختلف الأمم (المسلمة وغير المسلمة), مستخدمة مختلف العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية، للتأثير في عقول وعواطف مختلف طبقات المجتمع.

أما في جانب الإسلاميّين أنفسهم، فقد كانت هذه العلاقة جزءاً من إستراتيجيتهم الثقافية، باعتبارها تبشيراً للإسلام في بلاد جهلت الإسلام وقِيَمه الرفيعة، وسياسيّاً لتحقيق طموحاتهم وآمالهم التي قَبرَها الاستعمار القديم، (البريطاني والفرنسي). وانتعشت هذه الآمال عندما رفعت أمريكا راية الأُمميّة الليبرالية والدينية [17] لتدمير الشيوعية والماركسية، والكفر والإلحاد, بالإضافة إلى أن نمو هذه الحركات وتوسّعها في مختلف شرائح المجتمع؛ جعلها محطّ أنظار الدول، وعلى رأسها أمريكا، التي لها مصالح متشابكة في بلدان العالم الإسلامي.

 

منذ نشأته الحديثة، أو منذ إعادة انبعاثه ـ ولا يزال ـ، ينقسم الإسلام السياسي إلى:

إسلام سياسي رسمي. (حكومات ودول تتبنّى ذلك، حتى وإن كانت لا تُعلنه بالصيغة الصريحة).

إسلام سياسي حركي معارض. يحاول تغيير السلطة (من فوق) ويأمل من خلالها المجتمع ويطبّق مبادئ الإسلام.

 

علينا أن نلفت انتباه القارئ العزيز إلى أنّ حركات الإسلام السياسي في بداية سبعينات القرن الماضي كانت على نوعين:

الأوّل: حركات دَعوية تبليغية، وجدت لها طموحات سياسية من خلال بعض قادتها, وأدخلت هذه القيادات عموم الحركة في معتَرك المَطلبية والاعتراض والاحتجاج، من أجل الوصول إلى أهداف سياسية بالمشاركة مع السلطة.

الثاني: حركات سياسية منظّمة تنظيماً سرّياً جيداً, لها استراتيجية الوصول إلى السلطة بمختلف التكتيكات المُتاحة. إلاّ أن عوامل عديدة أدّت إلى اندماج النوع الأوّل في النوع الثاني, وهذا الأمر كان له سلبياته وإيجابياته على هذه الحركات.

 

ثلاثة عوامل ساهمت في بلورة الإسلام السياسي (الرسمي والحركي) في العصر الحديث, نحاول أن نسلط الضوء عليها بقدر ما يحتاجه البحث:

1-               التراث والتاريخ الإسلامي.

2-               العوامل الذاتية وتدافع القوى والأيديولوجيات الحاكمة في المجتمعات الإسلامية.

3-               اليمين الأمريكي. الذي استطاع السيطرة ـ إلى حدٍّ كبيرـ على مرافق التوجيه الفكري والإعلامي, والمؤسسات العسكرية والأمنية, بالإضافة إلى سيطرته على السلطة لفترة طويلة.


 

التراث والتاريخ الإسلامي:

 

يمتلك الإسلام من قوّة التأثير (الزمكانية) ما يجعله (أكثر من غيره من الأديان) يشدّ أتباعه للجذور والأصول الأُولى. وبالرغم من مجالات التوسّع الكبيرة في الشريعة الإسلامية، إلاّ أن الجذور والأصول الأولى بقيت صاحبة الدور الأساسي في مسيرة الفرد والمجتمع المسلم. وإذا أردنا أن نختصر أسباب ذلك فنقول:

"إنّ كاريزما القرآن الكريم (كتاب الوحي السماوي), وشخصية وسيرة نبي الإسلام محمد بن عبد الله (ص)، وحداثة عهد الإسلام (بصفته خاتم الأديان السماوية)، جعلت أُصوله ذات تأثير كبير، ليس على حركات الإسلام السياسي, بل على المسلمين عامّة؛ ممّا يفسِّر التصاق جماهير الناس بحركات الإسلام السياسي بالرغم من إخفاقاتها وأخطائها الكبيرة".

منذ بواكير أيّامه الأولى، تأسّس الإسلام على ثلاثة أُسس، استمرّت معه حتى أيامنا الحالية، حيث اعتبرت هذه الأُسس الثلاثة جزءاً لا يتجزّأ من العقيدة الإسلامية المؤسَّسة على ثوابت القران الكريم والسُنّة النبوية الشريفة، وهذه الأُسس هي:

·             الدعوة (السلمية).  

·             الجهاد.

·             الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

على عكس المسيحية والبوذية، اللتين تنشدان ـ كايدولوجيا ـ السلام الداخلي طريقاً للخلاص، وإرضاء الله من خلال الفرص المتعدّدة، لقد كان الإسلام منذ بداية نشأته ينشد ـ وبعمق متجذِّر ـ المجتمع العادل الذي يجب تنفيذه على الأرض؛ ومن هنا كانت السلطة الظالمة، أو الفئة الباغية على حقوق المستضعفين من الناس، تواجه (صرخة) من باقي المسلمين: (الإسلام لا يرضى بهذا!)

لذا فإن حركات المعارضة، التي بدأت ونشأت منذ تأسيس الدولة الإسلامية بعد العهد النبوي، والتي كانت حركات مطلبية، أو حركات تهدف إلى الإطاحة بشخص الحاكم، أو حركات ثورية اجتماعية؛ تندرج كلّها في ما يصطلح عليه اليوم (حركات الإسلام السياسي)، ويشمل ذلك أيضاً حركة الفقهاء وأئمّة الفقه والحديث، الذين حاولوا قيادة المجتمع المسلم بموازاة السلطة الحاكمة، وكانت هذه الحركات في بداية نشأتها من الحركات المعارضة للسلطة (بشقّيها السلمية والعسكرية). وكل ذلك يعدّ ضمن المبادئ الإسلامية التي ذكرناها سابقاً: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة السلمية).

لكن علينا أن لا نغفل الجذر الثالث المتمثّل بالجهاد، الذي كان حكراً على السلطة الحاكمة للدولة الإسلامية ومن اختصاصها، وفي الحقيقة فإنّ حركة الفقهاء والسلطة الحاكمة قد تطابقت وتوافقت في إيديولوجيا الجهاد منذ العهد المملوكي في القرن الثاني عشر الميلادي.

لقد تشكّل مفهوم (الدولة) المتناسق مع مفهوم (الهوية الإسلامية) في عهد المماليك البحرية, وذلك نتيجة مخاض عسير طويل من الثورات والحراك القومي والإقليمي والعشائري، ولكن بلباس مذهبي, وذلك على الصعيد الداخلي, والتحدّي الخارجي الذي كاد يُسقط العالم الإسلامي برمَّته, هو تحدّي المغول ـ التتار, وتشديد الحملة الصليبية على الشرق الأدنى، وهو أهمّ رقعة في العالم الإسلامي. (إذا كان الإسلام في مطلع القرن الثالث عشر يكاد ينهار بين ضغط المغول في الشرق وغارات الصليبيّين في الغرب)[18].

إلاّ أن مفهوم (الدولة) و(الهوية الإسلامية)، الذي استطاع التصدّي للتحدّي الخارجي، غفلَ عن مسألتين مهمّتين ستكون كل منهما عامل نزف (داخلي) في جسد الأُمّة:

1. التعدّدية داخل الدولة، والتي تعني الاعتراف بالآخر المذهبي والديني، وضمان عدم طغيان الأكثرية.

2. التنوع القومي والمذهبي الذي تشكَّل خارج إطار (الدولة)، وهو يحمل ذات الهوية الإسلامية. إذ إن المماليك البحرية لم تستطع أن تعيد للدولة الإسلامية مركزيتها[19].

وهكذا بقي العالم الإسلامي ودوله المتعدّدة يعيش دوامة الصراع الداخلي القومي والمذهبي، والصراع الخارجي مع عدو وهمي من ذات (النوع)، أو حقيقي من (النوع) الآخر، يهدف إلى تدمير الإسلام.

ومن جانب آخر.. كانت الدولة الإسلامية ـ سواء المركزية منها أم التي تأسّست في تخوم العالم الإسلامي ـ قد أصبحت تشجِّع الورع والتقشّف والتديّن، والنزوع للعبادة الفردية بالدرجة الأُولى، وتشترط عدم الدخول والتدخّل في الشأن السياسي على الحركات الاجتماعية الدينية والمذهبية؛ لأن ذلك يخلّ باستقرار الطبقيّة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي هي في صلب أولويّات النخبة الحاكمة.

أمّا الحركات الفقهية والفكرية والاجتماعية، التي تسير في طريق (الأصولية السياسية)، فقد كانت عامل خطر وتهديد لكيان الدولة بعيداً عن جذورها الإيديولوجية والمذهبية، فهي تُثير القلق والقلاقل ـ حسب الدولة ـ ولا يمكن التعامل معها إلاّ بمنطق العقاب الجماعي.

بناءً على ذلك، أصبحت في جسد الأمّة، وبتشجيع من الدولة، بُنَى تتلقّى التوجيه المباشر وغير المباشر من ذات الدولة، وسرعان ما أصبح لهذه البُنى أجزاءً متناثرة من الكيانات، التي تمارس نشاطها من دون أي إحساس بالخطر من جانب السلطة، وبدأت مرحلة تقنين للمؤسّسات الدينية وفقاً لذلك، وهذه بدورها ترشّد الحماس الديني الذي أصبح فيما بعد حماساً مذهبياً، انتشر حتى في الجماعات الصوفية التي كانت في مراحل تأسيسها الأُولى بعيدة عن المذهبية والتَمذهب.

هذا الحماس عادة ما يكون سلمياً لا يُؤذي السلطة، ولا يثير إلاّ المذاهب الأخرى، مع وجود فترات عُنف حينما يتحوّل السجال الفكري والنشاط الدعوي إلى محاولات تهميش وعزل وإكراه، ثم ينتهي ذلك إلى العنف المنظّم والعشوائي.

إذن، منذ العهد المملوكي الذي استطاع الانتصار على أخطر عدوّين للعالم الإسلامي آنذاك، هما: (العدوّ المغولي والعدوّ الصليبي). وبالرغم من أن العهد المملوكي لم يستطع استرجاع البلاد الإسلامية جميعها وتوحيدها تحت راية واحدة، إلاّ أنه استطاع كسر شوكة الأعداء، وبذلك تأسّس العهد الجديد ـ الذي تأسّس سابقاً في عهد الخلفاء الراشدين ـ للإسلام السياسي، الذي تماهت فيه المبادئ الثلاث: (الجهاد، والأمر بالمعروف، والدعوة السلمية).

وبسبب العدوّ الخارجي تمّ اعتبار أي حركة اجتماعية تهدف العدالة، أو مذهبية تروم التعدّدية، بأنها حركة معادية ليس للسلطة المركزية، بل للجماعة الإسلامية والإسلام.

لقد أصبح الإسلام السياسي منذ ذاك الحين إسلام الدولة الإسلامية، التي تهدف إلى مواجهة (الأعداء الخارجيّين) الذين يرومون تدمير الإسلام، ومواجهة (الأعداء الداخليّين)، الذين يهدفون تفتيت الكيان الإسلامي الموحَّد.

هكذا انحسر الإسلام السياسي الذي يناضل من أجل التعدّدية (الدعوة السلمية)، وانحسر معه الإسلام السياسي الذي يريد العدالة والمساواة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

في العهد المملوكي[20] تبلورت المذهبية الدينية بأوضح صورها، وتبلور مذهب (أهل السنة والجماعة) باعتباره المذهب الإسلامي الحق، وبذلك تماهت المذهبية والإسلامية واندمجت [21]، وتكوّنت بذلك الهوية الإسلامية التي تريد إعادة أمجاد هوية الإسلام والمسلمين في العهد الراشدي؛ وبذلك اتّضحت مسائل كانت لفترة طويلة مورد نزاع مسلَّح، ومورد خلاف فكري مثل: (وحدة الجماعة، دار الإسلام ، شرعية السلطة مع عدم عدالة السلطان ، الأمُّة الواحدة)، لكنّ المذهبية الضيّقة أوجدت أُمَما داخل جسد الأُمّة. وأخرجت أُمما أخرى من دائرة الجنّة الأرضية (دار الإسلام)، والجنة الأُخروية، (من خلال التكفير الذي يعني إخراجهم من دائرة الإسلام).

لقد شاهد المسلمون على مرِّ الدهور والقرون أيّاماً كثيرة ومتكرّرة من الأسى الذي يملأ القلوب بسبب الظلم والاضطهاد، حتى أن علماء المسلمين ـ متعمدين كانوا أو مدفوعين ـ جعلوا يردّدون الأقوال المأثورة عن النبي الأعظم، التي تعتبر قبول مثل هذه المظالم أمر طبيعي في حياة الأمّة، وهكذا كان شكل الدولة والمجتمع المسلم، بعيداً عن قوّة السلطة وعظمة الجيش الذي يحمي حدود هذه الدولة، جمهور يتكدّس في بُؤس مُنفر، يعيش انعدام مساواة تقليدي إلى درجة الفظاظة، ونُخبة مصفّاة من الموظفين الإداريّين بسلطات محدودة، ورجال سلاح بيدهم كل شيء، وهؤلاء هم الذين يحمون رأس السلطة ونخبة الموظفين من انتفاضات البؤس والحركات الاجتماعية في الداخل، هكذا أصبح إغماض العين من قِبل المحكومين أمام هذه المظالم جزءاً من الثقافة العامّة، وبذلك تساوى في آنٍ واحد كل من المقرّبين من النظام الحاكم، و(الأبرياء الشرفاء) في الرضا والسكوت.

منذ أن بدأت الدولة العثمانية ـ التي كانت نسخة من الدولة المملوكية باختلاف التوجّهات القومية والمذهبية ـ تخسر مواقعها أمام الزحف العسكري الأوربي، الذي انتهى بسقوطها، وبدخول الماكِنة الاستعمارية الغربية لبلاد المسلمين، بدأ الإسلام السياسي من جديد على شكل حركات تحرُّر، اشتركت فيها كل فئات المجتمع المسلم المذهبية والاجتماعية، ولم يحاول المستعمر الأوربي الذي حقَّق الانتصار على هذه الحركات أن يتجاوز ذاتيّاته الحاقدة، وتراثيّاته التي تنادي بالثأر من الإسلام، بأن يتعامل مع الواقع المسلم باحترام خصوصيّاته، وبذلك كان يمكن أن يتأسّس ـ لو حدث ذلك فعلاً ـ فكراً إسلامياً معتدلاً، ذا طبيعة تفاهُميّة وحوارية، يتقبل ايجابيّات الطرف الآخر، ويتعامل بهدوء مع سلبيّاته.

الحقيقة.. إن فشل الاستعمار مع الإسلام هو ذات الفشل مع البوذية في آسيا وديانات الهند وإفريقيا؛ فقد جاء الاستعمار بآلته العسكرية المتطوّرة وهو يحمل صليب التبشير وقرارات التدمير. ومنذ ذلك الاحتلال الأوربي لبلاد المسلمين، ظهرت علاقات متناقضة بين شكلين وطرفين متناقضين:

الطرف الأوّل: طرف السلطة والإدارة  الذي ـ بعيداً عن توجّهاته الفكرية والسياسية ـ يريد إدارة المجتمع طوعاً أوكرهاً، باعتبار أن تهديم بُنى المجتمع وأُسسه، ثم بناء شيء جديد، هو أمر مستحيل.

الطرف الثاني: بُنيويَّة التشكّل الفردي أو الجمعي، الذي فيه الكثير من التعميق لتصوّرات خاصة، تريد توظيف أي نوع من أنواع السلطة السياسية، بما فيها النفوذ والثورة، سواء من موقع المعارضة الايجابية أم السلبية.

وهذا الطرف بنى لنفسه المنظّمات والجمعيّات الإخوانية (الأخويات)، وهذا ينطبق على الإسلاميين بمختلف مذاهبهم، والعلمانيين، وحتى المجتمعات المسيحية في بلاد الشرق.

وبذلك شهدت العقود الأُولى من القرن العشرين، في ظلّ النفوذ الاستعماري العسكري أو السياسي/الأمني، اشتباك السلطة السياسية المحلية في البلاد العربية والإسلامية مع الحركة الدينية، بمختلف توجّهاتها. مع إطلاق يد التيّارات العلمانية (القومية والاشتراكية والليبرالية)، ثقافياً وسياسياً، وتكبيل يد الإسلاميّين؛ وبذلك ظهر إلى الوجود اصطلاح (الإسلام الرجعي)، خصوصاً مع نمو الحركات الإسلامية التي بدأت التحرّك (سرّاً وعلانية)، منذ بداية خمسينات القرن العشرين، واقتراب حركات الإسلام السياسي من خطِّ المواجهة مع السلطات المحلية، والمعادلات الدولية الداعمة لهذه السلطات، عندها.. وعندها فقط أصبح اصطلاح (الإسلام المُتعصّب) و(الإسلام الإرهابي) سيفاً مسلولاً بيد السلطات الحاكمة، تقمع به الحركات الإسلامية التي لم تكن قد اتّخذت من العُنف وسيلة لها آنذاك، وبذلك انتصرت مدرسة (السَحق) على مدرسة (الاعتراض).

بكلمة أخرى، فإن حركة الإسلام السياسي في العصر الحديث تأسّست على إيديولوجيا الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن (لا سياسة إلاّ ما وافق منها الشرع). والعمل السياسي المُنظّم والحركي هو أداء للتكليف الشرعي بصورة متطوّرة، وبفاعلية حضارية مواكبة للتقدّم والحداثة.

واعتمدت حركات الإسلام السياسي على عاملين أساسيّين لشرعَنَة وجودها وعملها، بشقّيه الفكري/السياسي والجهادي المسلّح:

العامل الأوّل: انتشار الصحوة الإسلامية في جماهير المسلمين، تلك الصحوة التي تأثّرت باشتعال موجة التحرّر من الاستعمار، والحنين للماضي المجيد، واهتمام علماء المسلمين بالتجديد الثقافي، وتحديث أساليب الدعوة للإسلام، وانتشار التعليم.

العامل الثاني: الاستفادة من تراث الجهاد بكلِّ أنواعه، بما يشتمل على فقه الجهاد، وقصص الجهاد والمجاهدين، وتراث الزهد بالدنيا، وقصص البطولات والانتصارات، وقصص استقبال الموت في سبيل الله عند المجاهدين الأوائل، وقصص الدول والخلفاء والسلاطين الذين قضوا عمرهم في مجاهدة ومُجالَدَة أعداء الدين.

إن الصحوة الإسلامية الحديثة بدأت على شكل فعل وردّة فعل. أمّا ردّة الفعل، فتمثّلت في صدمة العالم الإسلامي بسقوط دولة الخلافة العثمانية، وتنامي الموجة الإقليمية والقومية على حساب الأُمَميّة الإسلامية، وما رافق هذا من تكريس للتمزّق والتَشرذُم الحاصل في جسد الأُمّة، والذي أضعفها وأنهكها، وهي الضعيفة. ومن جهة أُخرى دخول الجيوش الاستعمارية الغازية لبلاد المسلمين، وما رافق ذلك من إظهار قوّة هذه الجيوش تكنلوجيّاً ودقّة تنظيمها، وانتشارها السريع في أبعد المناطق الجغرافية في بلاد المسلمين، وقدرتها على بناء حكومات محلّية موالية لها تماماً، وإذلالها للشعوب، وسَرقة ثرواتها، وتكوين طبقة جديدة اقتصادياً واجتماعياً.

وأمّا الفعل، فقد تمثّل بنشاط شريحتين أساسيّتين في الأمّة الإسلامية (آنذاك): شريحة المثقّفين، وشريحة علماء الدين.

 

المثقّفون ودورهم في الإسلام السياسي

بالرغم من الاتصال الثقافي المبكّر بين الطبقة المتعلّمة في العالم الإسلامي وبين أوربا، والذي بدأ منذ حملة نابليون على مصر، وما رافق هذا الاتصال من هيمنة الثقافة الغربية على عقول المتعلّمين، الذين تخصّصوا في مختلف العلوم التجريبية والإنسانية، إلاّ أن هذه الطبقة، ومن خلال مقارنتها بين ممارسة الدول الأوربية مع شعوبها، والتي اتّسمت بالاهتمام الكبير بالديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان، والاهتمام بخصوصيّة الفرد، وبين ممارستها الاستعمارية والاستعلائية مع الشعوب الأخرى، ومحاولات هذه الدول الحثيثة لسَرقَة ثروات الشعوب الفقيرة، من دون الاهتمام الجدِّي بشؤون التنمية الحقيقية لهذه الشعوب.

إن دور هذه الطبقة (=المثقّفين والمتعلّمين في المدارس الحديثة)، كان أساسيّاً في تأسيس حركات الإسلام السياسي، بمختلف مذاهبه وتوجّهاته.

وإذا كان هناك دور لعلماء الدين في هذا التأسيس، فبسَبب اتّصال وتماس هؤلاء العلماء بالمثقّفين، وثقافة العلوم الحديثة.

ونجد أن هؤلاء المتعلمين لم يتعمّدوا الاصطدام بالغرب في بدايات التأسيس، إلاّ أن قوّة العلمَنَة (الماركسية والليبرالية) فكرياً، ضدّ الإسلام والتجديديّة فيه، وقمع الأنظمة الحاكمة، جعلتهم في الزاوية الحرجة، ليعلنوا الثورة ضد الأنظمة وأحياناً ضدّ المجتمع.

وإذا كان دور المثقفين واضح المعالم في الحركات الإسلامية السُنية، وهم من فئة الطلاب في الكلِّيات الحديثة، وبالخصوص في فروع العلوم التطبيقيّة (الهندسة ـ الطب ـ التكنولوجيا)، وقد درس هؤلاء العلوم الإسلامية الرئيسية في كتاتيب المساجد، حتى أصبح الواحد منهم عالماً في العربية وعلوم القرآن، وحفظ نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ويمتلك كل منهم شجاعة تفسير هذه النصوص بما يتلاءم مع عصر النهضة والتنوير، إلاّ أنهم لم يمتلكوا اعتدال ووسطية وتروّي علماء الدين، الذين تخصّصوا في العلوم الإسلامية بالطُرق التقليدية.

إنّ المثقّفين الإسلاميّين هم الذين انتبهوا ونبهّوا الأمّة إلى علماء السَلف الذين حذّروا من الانصياع للحاكم والسلطان غير العادل، وهم الذين بلوروا التصوّر الجديد للأُصولية الإسلامية، التي تدعو للثورة على السلطان إنْ لم يكن أهل ثقة وأمانة. وعلى عكس العلماء ـ الذين يحتلّون ـ تقليدياً ـ في المجتمع مركزاً قطبيّاً مزدوجاً، يقرّعون من جهة أُولى الأمير، ويدعونه باسم الله إلى مزيد من العدل إزاء الأُمّة المسلمة التي أُوكل إليه أمر قيادتها، ولاسيما إزاء أكثر أعضائها فقراً، ويُغطّون من جهة ثانية على هذه الأمّة، ويدعونها إلى احترام النظام الاجتماعي [22] ـ ، فإنّ المثقفين الإسلاميين أعادوا إحياء ما اندثر من أفكار المرجع الثوري في الإسلام السّني، وهو شيخ الإسلام ابن تَيمية (1263-1328 م)، الذي كان متصلّبا تجاه أصحاب السلطان، وتحدّث عن شرعية الحاكم السنّي بناءً على صفاته ومزاياه، ووجوب الاهتمام بنَمط ممارسة السلطة، وليس أصلها الوراثي أو شرعيّة استيلاء الحاكم على سدّة الحكم. وبذلك يُعدّ ابن تيمية أَب الأصولية الإسلامية السُنّية الحديثة، وفقيه الإسلام السياسي لأهل السنة والجماعة.

وبالرغم من القطيعة السائدة اليوم بين الغرب والشرق، التي لم تكن قد وُجدت في مطلع القرن المنصرم ـ قرن الاستعمار وهيمنة العلم والتكنولوجيا الغربية ـ ، إلاّ أن المثقّفين في العالم العربي والإسلامي، وبضمنهم الأدباء والشعراء،  بدؤوا منذ ذلك الحين تذمّرهم من الغرب.

وبهذا الصدَد، لا بدّ أن نذكر في طليعة الذين اتّصلوا بالغرب ثقافياً، إلاّ أنهم أعلنوا غربتهم عن هذا الغرب المستعمر، وتذمّرهم منه فيما بعد:

ـ السيد جمال الدين الأفغاني. الذي أثّر على المتعلّمين في العالم العربي والإسلامي أكثر ممّا أثّر على زملائه من علماء الدين.

ونجد صدى جمال الدين الأفغاني في إيران يتمثّل بالأديب والناقد الاجتماعي والمفكّر جلال آل أحمد (1923-1969) ، الذي اشتهر بمؤلّفه (غرب زدگي) (طاعون التأثيرالغربي). يقول:

"في هذا العصر الذي نعيش، يكون عليّ أنا البقيّة الآسيوية، بقيّة الهويّة الإسلامية، أن أبحث عن رضى الأُمم المتمدّنة في الغرب، من صنّاع الآلآت. ولن يرضى هؤلاء عني، إلاّ اذا كنت من البدائيّين وثقافاتهم في إفريقيا وأستراليا. اذا كنت موافقاً ـ بل ومسروراً ـ بالتحوّل إلى قطعة أثريّة مُتحفيَّة، أي: شيء، إلى أداة تخضع لأبحاث في المتاحف والمعامل. ما يريدونه منّا اليوم ليس البترول من خوزستان فقط، بل يريدونني أنا الآسيوي والإفريقي، يريدون ثقافتي، وحضارتي، وديني، وموسيقاي، يريدون ذلك كلّه باعتباره قطعاً للحفظ، والوضع في عُلب تُرسَل إلى متاحفهم ومعامل أبحاثهم؛ ليقولوا عندها: ها نحن نعرف الآن ثقافة بدائية أخرى".

إنّ نظرة المتعلّمين والمثقّفين السوداوية ضدّ الغرب أصبحت متوارثة، مع الاقتناع بوجود مؤامرة أوربية لتدمير العالم الإسلامي من الداخل، حتى أصبحت هذه المؤامرة على شكل (أساطير) خيالية، تُعبِّر عن الحضور الأوربي الفاعل والمؤثّر في كلّ ميادين الحياة الشرقية، وهذا الحضور يشمل كلّ مجالات الحياة العامّة حتى التفاصيل. ولعَمري فإنّ هذه التصوّرات والقناعات ـ قناعات المؤامرة الخارجية ـ أصبحت سبيلاً سهلاً لتعليل الفشل والاخطاء، ووضع الأسباب في مَشجب الأجنبي وعملائه من الداخل.

ولم تفد محاولات بعض المتعلّمين الذين حاولوا الاشارة إلى نقاط الضعف الذاتية، والتي تكدّست عبر الزمن الطويل، وأوجدت التخلّف والتبعيّة [23]. وبهذا الصدَد نذكر محاولات الدکتور علی شريعتي، وهوعالم الاجتماع (من جامعة السوربون)، الذي يعدّ أحد أهم منظّري الإسلام الأصولي الشيعي، ومهندس الإسلام السياسي، الذي أسقط عرش الطاووس الفارسي، وأسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لم يحض الشعور العميق بالغربة لدى المثقّفين الشرقيّين بالاهتمام من قبل مراكز الدراسات الغربية والأمريكية بالخصوص، مع العلم أن هذا الشعور تبلور في الأدب والشعر، والصحافة والنقد الاجتماعي، والدراسات الفكرية، سواء لدى المثقّف القومي أم المثقّف المتديّن، وقد شمل ذلك حتى المثقّف الليبرالي ـ آنذاك ـ ، وأثّر كل ذلك على الشارع الجماهيري، ووضع الشباب المتعلّم وغير المتعلّم، ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، وضعهم في أتون النار اليسارية التي كانت ملتهبة في مناطق كثيرة في دول العالم [24]، حتى أن التراث الديني الثوري جُيّر في هذه الثقافة؛ فقد أصبح الأبطال الإسلاميّون من السَلَف مثل: الإمام علي، وعمر الفاروق، وأبوذر الغفاري، الروّاد الاوائل للعدالة الاجتماعية والاشتراكية! وفُسّرت الحركة القرمطية بالحركة الشيوعية، وغير ذلك من الأمثلة.

إن كتابات المرجع السيّد محمد باقر الصدر، والسيد قطب، والدكتور علي شريعتي، ومرتضى مطهري، وجلال آل احمد، والمفكر الكبير مالك بن نبي، والشيخ أبو الأعلى المودودي، والسيد الندوي، وغيرهم.. ؛ وضعت القطيعة في نقطة اللارجوع. بل إن انحسار موجة اليسار في العالم الإسلامي، والذي بدأ أواسط ستينيات القرن المنصرم، لم تؤدِّي إلى إيجاد الفكر الليبرالي المتناغم مع الغرب، وهذا يعني جدب أرض الشرق من أيّة محاولات غربية جادّة لزراعتها بطريقة متوازنة مُعتدلة، يؤخذ فيها بالاعتبار خصوصيّات الشرق الدينية والثقافية. بل حدث العكس تماماً، حيث برزت حركات الإسلام السياسي التي كانت قد بدأت بالعمل والظهور منذ بداية العقد السابق، لمواجهة انحسار اليسار الإسلامي.

شهدت بداية الستّينيّات تحولاً كبيراً من قِبل المتعلّمين والطبقة المثقّفة في العالم العربي والإسلامي، من اليسار إلى الإسلام، حاملين روح الغُربة عن العالم الأروبي. وبالرغم من التحسّس الكبير لرجال الدِّين من هذا التحوّل، إلاّ أن مجموعة المتعلّمين وجدت طريقها في الحركات الإسلامية، وأضفت عليها روح الانضباط والحركية والفعل، بعد أن كانت مجرّد حركات ثقافية وفكرية فقط، تهتمّ بالجانب العبادي فقط.

ففي عام 1962 م ظهر كتاب المفكّر جلال آل أحمد، الذي أثّر بشكل كبير على كلّ الطبقة المفكّرة والمتعلّمة في إيران، ويمكن اعتباره ـ بحقّ ـ أحد شرارات الثورة الإسلامية في إيران. يقول: "وراء كلّ اضطراب، ووراء كل انقلاب أو ثورة، في زنجبار أو أورغواي، نجد دائماً الشركات الاستعمارية والدول الاستعمارية...). وعندما وصل جلال آل أحمد في كتابه "غرب زدگي" للحديث عن تلقّي الإفريقيين لأوروبا تابع قائلاً: "أما نحن الشرقيون والأوسطيّون، فما تلقينا الأوروبيّين لقاءً حسناً، ولا أملوا أن يكون لهم عندنا مستقبل مثل الأفريقيين. لكن.. لماذا كان ذلك؟! لماذا لم نكن نحن المسلمون الشرقيون شديدو الترحيب بهم؟!" [25]

"إنّكم تدركون ـ يقول جلال آل احمد: ـ إن الإجابة حاضرة  في السؤال نفسه؛ السبب يكمن في وحدة الثقافية الإسلامية وعراقتها، ولهذا السبب بالذات كافح الغرب دائماً ضدّ الشمولية الإسلامية. مثلاً: بذر بذور الفتنة في الماضي بين الإيرانيّين والعثمانيين، ودعم الحركة البهائية، وضرب السُلطة العثمانية، والهجوم على رجال الدين الشيعة في حُقبة الدولة الدستورية") [26].

 

دور علماء الدين في تأسيس الإسلام السياسي

إنّ نشاط علماء الدين وتأثيرهم في الصحوة الإسلامية الحديثة، لم يُوجد المناخ المناسب لحركات الإسلام السياسي فحسب، وإنّما ساهم مساهمة كبيرة في التحام الجماهير المتدينة مع هذه الحركات، بالرغم من أن علماء الدين لم يكونوا جميعاً (حركيّين)، وبهذا استقوَت حركات الإسلام السياسي، وحصلت على التمكين من خلال مُثلّث:

علماء الدِّين.

• الطبقة المثقّفة والمتعلِّمة.

• الجماهير المتديّنة.

 

 ولدراسة تأثير علماء الدين في حركات الإسلام السياسي، فنحن بحاجة إلى بحث مستقل، وقد يأخذ مؤلَّفا بكامله، ولكنّنا نورد الملاحظات السياسية التي تنفع في هذا البحث:

منذ انفصال الإمامة الدينية عن السلطة السياسية في العهد الأموي، انتبهت الدولة إلى خطورة دور علماء الدين (أئمّة الفقه والتفسير والحديث)، وحاولت السلطة جَذب وترشيد علماء الدين، بما يتوافق أو يتلاءم أو يتطابق مع الطرف السياسي الذي تواجهه هذه السلطات، خارجياً أو داخلياً.

بالرغم من نجاح السلطات في كسب رضا شريحة من العلماء، وتهميش شريحة أُخرى ـ ولا يرتبط هذا الأمر بالحالة المذهبية فقط كما يتصوّر بعض الناس ـ ، إلاّ أنها لم تنجح في تكوين طبقة رجال دين على شاكلة الأديان الأخرى (الإكليريكية الدينية).

لقد انتبه العلماء والفقهاء إلى دورهم الخطير والأساسي في الدِّين الإسلامي، منذ عهود مبكّرة، وذلك على يد مُفسّري القرآن الكريم، الذين فسّروا الآية الكريمة: (...أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم) [27] بأن المقصود بأُولي الأمر هم العلماء [28] ، وحيث أن العلماء في الإسلام هم (ورَثة الأنبياء)، ولأنّ النبوّة قد خُتمت بخاتم الأنبياء والرُسل محمد بن عبد الله (ص)؛ تُصبح وراثة العلماء هي أن يحملوا رسالة النبي (ص) وعلمه وتعاليمه فيحفظونها ويبلغونها [29].

بالرغم من أنّ هذه المهمّة عظيمة وخطيرة في الأُمّة الإسلامية، إلاّ أنّ العلماء والفقهاء لا يتحوّلون إلى طبقة كهنوتية ذات امتيازات دينية وسياسية، فالامتيازات هي للخلفاء والسلاطين الذين يحتفظون بالسلطة السياسية والتنفيذية، والبعض منهم يطمح أن يجمع الإمامة بالرئاسة، وهذا الأمر متّفق عليه في جميع مذاهب المسلمين، أمّا الخلاف مع الإسلام الشيعي، (الاثنا عشري والإسماعيلي)، هو في مرحلة ما كان دور العلماء يمارس من قبل الإمام المعصوم المنصوص عليه.

دخل العلماء منذ العهد الأموي ـ على اختلاف توجّهاتهم ـ في صراع مع الدولة حول الشرعية وحول العدالة، وقد جرَّ هذا الصراع إلى خلاف حول مشروعية الجهاد مع الحاكم، حيث لم يعطِ فقهاء المدينة والحجاز عموماً، رأياً مؤيّداً للجهاد مع الأمويّين، واستمرّ هذا الصراع حتى مع العباسيّين، وقد بلغ الصراع ذَروته في عصر المأمون العباسي (818-833 م)، الذي حاول التقليل من دور علماء الدين، وإظهار نوع من العلمانية، من خلال تنظيرات تقول: إن الدين الإسلامي لا يحتاج إلى علماء دين[30].

أمام التحدّي الخارجي الكبير في القرن الثاني عشر الميلادي، والخسارات الهائلة التي مُنيت بها بلاد الإسلام، أرضاً وشعوباً، والذي أدّى إلى حالة من الضعف والجمود، والتخلُّف عن ركب التطوّر المتسارع للعلوم والتكنولوجيا ـ من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي ـ ، لم يسلك علماء الدين في عموم البلاد الإسلامية إلاّ خياراً واحداً، وهو التوافق والتحالف والتلاؤم مع السلطات السياسية، بذلك أصبح دور علماء الدين دور عقاقير تسكين الألم، مع نزوع كبير نحوالمذهبية، وبذلك بدأت الأصولية الإسلامية ـ وبقيادة علماء الدين طبعاً ـ تعيش اسوأ مراحلها [31].

 

ومنذ ذلك الحين ولدت القومية المغلّفة بالمذهبية أو المذهبية المغلّفة بالقومية. وتبلورت في الشرق الاسلامي (بالخصوص) القوميات الاسلامية الثلاث: التركية والفارسية والعربية، وكانت (دولة المماليك في مصر تمثل روح القومية العربية)، التي تدعو الى مواجهة الفرس، مع ان الفرس انذاك كانوا من ابناء السنة. ومحرّك لهذا التضاد هو الروح السلفيّة التي قادها الشيخ ابن تيمية ضدّ الاتجاهات الصوفية السنيّة التي كانت سائدة في بلاد فارس.

منذ سقوط الخلافة العثمانية ودخول الجيوش الاستعمارية إلى بلاد المسلمين، انبرى علماء الدين لقيادة حركات التحرّر بروح قومية وإقليمية فرضتها ظروف التجزئة والتقسيم الجغرافي والإثني والانقسام الطائفي، وعندما انكسرت هذه الحركات وفشلت في الانتصار، امتلأ الفراغ السياسي والثقافي بحركات وتوجّهات أُخرى، وبذلك انحسر دور علماء الدين. وكان ذلك أمراً مؤقتاً، حيث تنادى علماء الدين من جديد بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفكرية، وبدأوا بالحضور الثقافي والاجتماعي، الذي أسّس لنهضة إسلامية، لكن هذه النهضة بقيت على شكل روافد لا تصب في مجرى واحد، حتى داخل المذهب الواحد والقومية الواحدة والبلد الواحد، وهذا ما يُعدّ فشلاً ساهم بشكل كبير في تكوين مجموعات العمل السرّية والأجنحة العسكرية للاسلام السياسي فيما بعد [32] .

لم يستطع علماء الدين ـ إلاّ في مراحل متأخّرة ـ من كسر القوالب التي أُعدّت لهم في الماضي من ناحية التمويل ، حيث إن التمويل المادّي لم يخرج من إحدى حالتين:  

الأُولى : السلطة السياسية   

الثانية : طبقة التجار المترفين  

 بينما أصبح علماء الدين الحالة في الأُولى أسرى تبرير إيديولوجيا (اتّباع الحاكم)، عادلاً كان أو  ظالماً، و (مَن مات ولم تكن في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية).

بينما أصبح علماء الدين في الحالة الثانية أسرى الطبقة الاقتصادية من جهة، وغوغاء الجماهير المتخلّفة، التي تخلط العادات والتقاليد بالدين والمذهب من جهة أخرى.

ومع مطلع القرن العشرين، كانت المذاهب الإسلامية تعيش في أقصى حالات (وعي الذات)، حتى يمكن القول: إن ما اصطُلح عليه في القرون الماضية (أهل السنّة والجماعة)، قد أصبح يعيش التشتّت القديم الذي عاشه في مراحله المبكّرة ، وكان لوجود الدولة الإسلامية المركزية الواحدة أثراً كبيراً في رَدم الهوَّة بين المذاهب الرئيسية الأربعة.

وكان لتأسيس الدولة السعودية في بداية القرن العشرين تأثيراً مباشراً على المذهب الوهابي، وتكريس الانقسام المذهبي داخل أهل السنّة والجماعة؛ حيث لم تُخفِ تلك المملكة والمذهب الوهابي طموحاتهما في قيادة العالم الإسلامي، منافسة للأزهر ومصر، التي كانت تقود  العالم الإسلامي منذ العهد المملوكي، الذي تُوّج قائداً نتيجة انتصاره على الزحف المغولي في معركة عين جالوت.

أما الحركات الصوفية وعلمائها، فقد كانت تعيش ذات التمزّق والتشتّت وانغلاق كل منها على ذاته.

وفي الجانب الشيعي، فقد كانت الشيعة الاثنا عشرية تعيش آخر مراحل الانعزال عن بقية الشيعة من الإسماعيليين والزيديين والعلويّين، وكان علماء الشيعة في بداية القرن الماضي قد خرجوا للتوِّ من سجالاتهم الداخلية، بين الأصوليّين والإخباريّين [33] ، إذ بدأ علمائهم متمسّكين بوحدة التشيّع بعيداً عن ما تفرضه ظروف التقسيم الجغرافي والتناقضات القومية، وبقيت فكرة الأُمميَّة والمرجعية الشيعية مسيطرة على الحوزة العلمية لفترة طويلة.

ومع كل هذا، يمكن اعتبار أن عصر التنوير الإسلامي والصحوة والنهضة الإسلامية قد بدأها علماء الدين أنفسهم، والملاحظ أنّها بدأت في كل بلاد المسلمين، بالرغم من عدم وجود أدلّة واضحة على تأثير وتأثّر واضح من هذا الطرف أو ذاك، وإنّما انطلقت بحركة ذاتية، أملتها الظروف الداخلية والموضوعية.

وكانت حركة علماء المسلمين تتمثّل بالتالي:

1.       برزت دعوات للتقريب وردم الهوَّة بين المذاهب السُنّية المتعدّدة ممّا أفرز مذهباً واحداً باسم أهل السنّة والجماعة. وفي الحقيقة، فإن علماء المذاهب الأربعة قد ساهموا مساهمة كبيرة في إبعاد كل المسائل الفقهية التي كانت من التطرّف، بحيث تبعد هذا المذهب عن ذاك، حتى أصبح الناس يأخذون بفتاوى كل أئمة الفقه السنّي، وبذلك أُعيدت الحياة للأيدلوجية الواحدة (أهل السنة والجماعة).

2.       تأسّست محاولات جادّة لتكوين فكر سلفي حديث، وهذا يعني الجمع بين الأصولية والسَلفية. وقد برزَ الإمام محمد عبده في المذهب السنّي، وبرز الإمام السيد محسن الأمين في المذهب الشيعي.

3.       لأوّل مرّة ـ منذ عدّة قرون ـ حاول عدد من علماء المسلمين ـ السنّة والشيعة الاثنا عشرية ـ الحوار لتشكيل مؤسّسات للتقريب بين هذه المذاهب، وكان مركز هذا الحوار الأزهر الشريف.

4.       بالرغم من أن فقه الجهاد قد تأثّر كثيراً نتيجة اضمحلال الأُسس التي قام عليها، ومنها الدولة الإسلامية المركزية، وغياب القيادة العسكرية والسياسية الموحّدة، وعدم القدرة والاستطاعة والتمكين، ممّا أدى إلى غياب فقه الجهاد الهجومي ضدّ الأعداء، وعدم إمكانية الجهاد الدفاعي. بالإضافة إلى إيجاد دول وحكومات كانت قد تأسّست على أُسس غير إسلامية، ولم تستعمل فكرة الجهاد، ولم تحمل لواءه، بل إنها استبدلت ذلك بنظريات أخرى . إلاّ أن علماء المسلمين، ومن مختلف المذاهب والطوائف والمدارس الفكرية، استمرّوا بضخِّ فكر الجهاد وإعادة أمجاد الإسلام والمسلمين في ظلّ الدول الإسلامية السابقة، الأمر الذي أسّس أرضية واسعة ومناخاً ملائماً وثقافة عميقة، تحولت إلى فعلاً للإسلام السياسي لاحقاً.

 

لم تستطع المرجعية الدينية الإسلامية، بمختلف مذاهبها، أن تتقبَّل أفكار ورؤى تنبع من داخلها؛ لكونها أفكار تغييرية ، بل إنها حاربت أي رمز يدعو إلى مثل هذا التغيير، وبذلك ضاعت فكرة التعدّدية في داخل المذهب الواحد، ناهيك عن التعدّدية في الدين التي هي شرعية، ودعا لها السلف الصالح.

ومن هنا، اتّسمت النهضة الإسلامية فكرياً بأنها محاولة تذكير الأجيال بالعقيدة الإسلامية. وفي الحقيقة، فإن قوة الجاذبية للإسلام كـ(أصول) هي القران الكريم والسنّة النبوية الشريفة، التي كانت كفيلة بالتصاق المسلمين مع دينهم كـ(ديانة وعقيدة)، ونلمس ذلك حتى في عصور التخلّف والانحطاط  والهزيمة والانكسار [34].

إن سقوط الدولة العثمانية، وانتهاء بقايا الدولة الصفوية ـ وهي الدولة القاجارية ـ ، نتيجة دخول الجيوش الاستعمارية إلى بلاد المسلمين، وتفتّت هذه البلاد على أُسس قومية أو  إقليمية أو عنصرية؛ قد أوجد ذلك الفراغ أكثر من فرصة، وفتح عدّة خيارات أمام علماء المسلمين ومرجعيّاتهم الدينية، للانفتاح والحوار، ومحاولة إيجاد أساس أو عدّة أُسس لتكوين وبلورة الوعي، بأهمّية ووجوب توضيح الروابط بين (الدين والسلطات المدنية ـ الدين والقومية - الدين والمذهبية)، مع بيان مدى تأثير الدين على تكوين وتأسيس الكُتل والتكتّلات الإقليمية على أُسس حديثة وحكيمة، تعود فائدتها على الجميع.

وما نجده على العكس تماماً، حيث أصبحت علاقة المرجعية الدينية الإسلامية ـ في مختلف المذاهب وفي المذهب الواحد ـ علاقة تشنّج وانفصال، وعلاقة هجران وتكفير، يحكمها سيف الفتاوى وآراء التفسيق، والمغالاة في إظهار الاختلاف وكشف التناقض. بهذه الروح.. تعاملت المؤسسة الدينية الإسلامية مع الفكر اليساري منذ نشوءه؛ باعتباره مُلحداً، ومع الفكر الليبرالي؛ باعتباره علمانياً كافراً، ومع الفكر القومي؛ باعتباره وافداً (مع سفن نابليون).

وفي الحقيقة، فإن خسارة اليسار فكراً وحركة ـ وذلك بمساهمة وفعل من الاسلامويّين (فكراً وحركة) ـ لم يعُد بالفائدة للإسلام بقَدر ما عاد بالفائدة العظيمة للقِيم الرأسمالية الغربية، ونفوذ التحالف الإنكلو/أمريكي، اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً وثقافياً.. وإن عدم تصالح الإسلامويّة مع القومية، وصراعها على السلطة، لم يبذر ويُهدِّد موارد الأُمّة والشعوب المسلمة فحسب، بل قسَّم وجزّأ النسيج الاجتماعي في داخل الشعب الواحد، وفسح المجال واسعاً أمام النفوذ السياسي الأجنبي.

أما العجب العجاب، فهو في تحوّل الإسلامويّين، من حركات تغيير إسلامية إلى حركات طائفية ومذهبية، وإلى حركات تكفيرية في داخل مجتمعاتها. في الوقت الذي لم تكن  تكفيرية مع أولئك الذين تعاملوا مع المستعمر الأجنبي! [35]

والملاحظ بهذا الصدد، أن علماء الدين الذين كانوا وراء الصحوة والنهضة الإسلامية، وكانوا البناة الأوائل، وجيل تأسيس حركات الإسلام السياسي، ما أن يجدوا بعض بوادر (الانحراف عن الأُسس)، حتى يخرجوا من هذه الحركات بهدوء، بدون أن يحاولوا تصحيح الأخطاء والخطايا، بل إنهم ينعزلوا حتى عن مسيرة النهضة والصحوة. ومن هنا نجد ارتفاع الخطّ البياني الخاصّ بالتطرّف الإسلامي ، واشتداد حدَّته في العقود الأخيرة، حتى يمكن القول: إن هذا التطرّف قد قتل معظم بوادر النهضة الإسلامية الحديثة، وعاد بالأُمّة إلى الوراء..

أليست القبلية والقومية والإقليمية والمذهبية اليوم هي الحاكمة في ثقافة الأُمّة هنا وهناك، ولا وجود لفكرة الأُمم الإسلامية المتّحدة، أو حتى أُمم الشرق التي تؤمن بالديانات السماوية التوحيدية؟!

 

العلماء والإسلام السياسي الشيعي

يعتبر الإسلام السياسي المعارض في الايدولوجيا الإسلامية الشيعية، أقدم وأعرق من مثيله في الايدولوجيا الإسلامية السنية, وهذا الأمر لا يرتبط بالفكر والثقافة الشيعية في أصولها الأولى واختزالها لثقافة الاعتراض فقط, بل يرتبط بهيكلية المؤسسة الشيعية التي يتربّع على رأسها مراجع الدين؛ حيث أن مركزية القيادة الدينية الشيعية, وضرورة (فصلها) عن (السلطة غير العادلة)، حتى لو كانت هذه السلطة شيعية المذهب، قد أوجد ديناميكية الاستمرار في حالة المطلبية ـ على الأقل ـ مقابل السلطات الحاكمة, وأوجد الحركيّة السلَفية منذ عهود مبكّرة في الكيان الشيعي. وهذه الحركية لم تخرج (السلطان غير العادل) من شرعية التزكية فحسب، بل إنها أخرجت أيّ عالم ديني شيعي يحاول أن يكون من علماء السلاطين؛ لذا فإن مراجع الشيعة أمّا أن يكونوا معارضين، وأما أن يكون ساكتين بمضَضْ وامتعاض. أما المؤيّدين، فهم قلّة قليلة دائماً.

ونجد ذلك بوضوح في الدولة الصفوية، التي أعلنت أن المذهب الرسمي للدولة الفارسية هو الشيعي الإثنا عشري, وأن هذه الدولة تأخذ شرعيتها من علماء الدين، وأوجدت لذلك قوانين، بتأييد المراجع الشيعية في النجف والحلّة وجبل عامل. إلاّ أن هذه الشرعية سرعان ما سُحبت من المراجع في مراحل لاحقة، بل إن القيادة المرجعية قادت المعارضة المطلبية، وأحياناً الثورية، ضد السلاطين في إيران. فقد تأسّس الإسلام السياسي المعارض في إيران في مراحل مبكِّرة، وبقيادة عُلمائية، على شكل (ثورات اجتماعية) ضدّ الإقطاعية الديكتاتورية المحلية، دعماً للطبقات المسحوقة، خصوصاً الفلاحين.

مثلما ثار الإسلام السياسي ضدّ النفوذ العسكري والأمني الأجنبي، الروسي تارة والبريطاني تارة أخرى، والأمريكي في مراحل متأخرة. فقد انتفض رجال الدين الشيعة الإيرانيون ضدّ الدولة القاجارية، التي استسلمت لشروط روسيا القيصرية، التي احتلّت أجزاء واسعة من شمال إيران. وتمّ تنظيم حرب مقاومة ضدّ الاحتلال الروسي (1826 م)، وأعلنوا الجهاد المقدّس بقيادة المرجع السيد (محمد المجاهد)، الذي كان مقيماً في (كربلاء).

وبعد أن أعطت المعاهدة الإيرانية مع روسيا حقوق الضمانة للرعايا الروس, وبذلك ازداد النفوذ الروسي في عموم البلاد الإيرانية، بحيث أصبحت السفارة الروسية دولة داخل الدولة, بدأ رجال الدين بتعبئة المشاعر الوطنية ضدّ الروس، وضدّ الدولة الإيرانية على حدٍّ سواء, وقد وجّهوا إنذاراً للشاه كي يلغي هذه المعاهدة. وقاد رجال دين وجماهير غاضبة تظاهره حاشدة ضدّ روسيا (1829 م)، واحتلّوا السفارة الروسية، وقتلوا السفير الروسي و 37 من أعضاء السفارة. وقد ألقى الشاه وبلاطه اللائمة على هؤلاء؛ بأنهم كانوا وراء خسارة الحرب مع روسيا.

ونجد بصمات الإسلام السياسي في انتفاضة التبغ ضدّ الشركات الاحتكارية البريطانية (1890-1892 م) في إيران، وضدّ الشاه الذي وقَّع اتفاقية. مثلما نجد بواكير الإسلام السياسي في ثورة الدستور (1905-1911) ضدّ الاستبداد القاجاري، والحكم المَلكي المُطلق, وبروز إسلام السياسي داخل المؤسّسة التقليدية المرجعية وخارجها, وهذا يحدث لأوّل مرّه في القرن التاسع عشر، أي منذ إعلان الجهاد ضدّ المحتل الروسي (1826 م)، الى انتفاضة التبغ (1890-1892).

تبلورت الحركة الإسلامية السياسية في الثورة، إلاّ أنّ الحركة السياسية الإسلامية السلمية هي ثورة الدستور في إيران. انطلقت من (المجلس العام للأحرار)، الذي قاده لأوّل مرّة عدد من صغار رجال الدين (1902 م)، ومهّدت لثورة الدستور (1905-1911). ولأوّل مرّة ستؤسّس حزباً إسلامياً في إيران باسم (اتحاد إسلام)، برئاسة الشيخ ميرزا كوجك خان، الذي أصبح أكبر رمز وطني في إيران في العصر الحديث.

كان كوجك خان متأثراً ـ منذ شبابه ـ بفكرة وحدة البلدان الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، وكان على علاقة طيّبة بتلامذة الأفغاني في تركيا.

نظَّم هذا الحزب حركة مسلّحة في الغابات منذ عام (1916 م)، حيث كانت إيران تعيش ثورة الدستور السلمية.

وقد تعاون ميرزا كوجك خان مع الحزب الشيوعي الإيراني في العام (1920)، وأثمر التعاون على تشكيل (جمهورية كيلان)، التي لم تعمّر طويلاً، حيث كان الاقتتال الداخلي قد دمَّر هذه الجمهورية من داخلها. إلاّ أن ميرزا كوجك استمرّ في تعاونه مع الشيوعيين، ومع روسيا السوفيتية, مع إصراره على استقلاليّة حركته, وحرصه على عدم ترويج الثقافة الشيوعية في المناطق المحرَّرة.

لقد كانت ثورة ميرزا كوجك خان ضدّ الحكومة المركزية وضدّ بريطانيا العظمى، وتعاونت مع خبراء ألمان، أيضاً، إلاّ أن روسيا خانت بميرزا كوجك خان، من خلال اتفاق مع بريطانيا، تستفيد روسيا من سكوت بريطانيا على ضمِّها لمناطق في شرق روسيا. وقد كتب ميرزا كوجك خان رسالة شديدة اللهجة الى لندن, وأغلقت روسيا حدودها بوجه ميرزا كوجك خان، وتمّ إلقاء القبض عليه مع خبير ألماني أصبح مسلماً (هوشنك)، وقُتلا وتمّ قطع رأسه وعرضه للجمهور.

أمّا الحركة الأخرى في الإسلام السياسي الثوري الذي قاده علماء الدين، فهي: (فدائيو الإسلام).

تأسست عام 1946 م. والمُلفِت أن قادة الحركة أيّدوا ثورة الجيش المصري ضدّ النظام الملكي 1952 م، وذهبوا الى مصر وأقاموا فيها لفترة.

منظّمة أو حركة (فدائيو الإسلام)، منظمة جهادية استقت مبادئها من مراجع العلم في النجف الأشرف، وكان يترأسُها أحد طلبة حوزاتها، وهو السيد مجتبى نواب صفوي والذي كان شاباً متوقّد الإيمان، تملأ قلبه الحماسة والاندفاع، ليس في دراسته الحوزوية في النجف فحسب، بل وأيضاً في تلهّفه في أن يكون صاحب الدور الريادي والقيادي في حركة التغيير الاجتماعي على أُسس إسلامية ثورية .

هذا الاندفاع وضعه أمام الامتحان الصعب، في ترك العراق والدراسة الحوزوية والرجوع الى إيران، بعد أن استطاع أن يؤثِّر بشخصيته الجذَّابة، ومنطقة البليغ الذي تنبض به روحه الصادقة وهو يتحدث الى مستمعيه، الذين يسحرهم بقدرته على الإقناع الى حدٍّ مُعجز. فقد كسب نواب صفوي ودّ وتعاطف عدد من المراجع والمجتهدين والدعم المادي منهم، الذين عرفوا بنزعتهم المحافظة. وهكذا رجع السيد نواب الصفوي الى إيران، ليقود حركة تحرّر جهادية ضدّ السلطة التي اتّهمها بأنها دُمية بيد الاستعمار والعلمانية.

أسّس في إيران حركة (فدائيان إسلام)، أي: فدائيي الإسلام، التي تؤمن بأن القوة والإعداد هي سبيل تطهير الأرض المسلمة من الصهيونيّين والمستعمرين.

ومبادئها تتلخص في :

1.          الدعوة الى إقامة حكومة إسلامية.

2.          محاربة الفساد والحُكام المفسدين. 

3.          حبُّ آل بيت النبي (ص).

4.          مناهضة الصهيونية والدعوة الى مناصرة الشعب الفلسطيني.

5.          استخدام القوّة في سبيل تحقيق الهدف.

وله دور فعّال في بناء نظام حكم برلماني وحكومة دستورية، وتأميم شركات النفط.

قد كانت لصفوي مواقف تأريخية جريئة خالدة، مع شاه إيران ومصدَّق وأديب الشيشكلي وجمال عبد الناصر؛ ففي عام 1953 زار نواب صفوي المملكة الأردنية الهاشمية لحضور المؤتمر الإسلامي في القدس، ثم زار بعد ذلك عمّان وقابل الملك حسين، وعندما قابل الرئيس السوري ـ آنذاك ـ أديب الشيشكلي أثناء زيارته لدمشق، قال له:" لقد لمستُ أن الشعب لا يحبّك وليس معك، لأنك تضغط عليه وتكبت حرّيته، ولذا فمن واجبك أن تكون مع الشعب لتَبقى".

زار مصر عام 53 ، وفي أثناء زيارته لمصر ألقى في جامعة القاهرة خطاباً حماسياً قوياً، دعا فيه إلى تعبئة القوى العامّة وتجنيد الشباب لإنقاذ فلسطين. وقد استاء عبد الناصر من السيد نوّاب صفوي بعد تأييد الإخوان المسلمين الكبير لأفكاره وتشجيعهم له ، فأمر بإخراجه من مصر، ثمّ عدل عن ذلك واستقبله في مكتبه الرسمي.

على الصعيد الفكري، كان لحركة فدائيي الإسلام نزعة محافظة، ممّا أكسبها تأييد ودعم الشريحة المتديّنة الفقيرة والمستضعفة، التي تمثّل أكثرية الشارع الإيراني، وكذلك أكسبها دعم الشريحة المتديّنة الغنيّة، التي دعمتها بالمال. وفي معظم الأحيان كان المال العقبة الرئيسة في عرقلة بناء الحركات الثورية ذات النزعة التغييرية.

وهكذا أصبح الشارع الإيراني تحت قيادة نواب صفوي، الذي أشرك حتى المراهقين في العمل الثوري المسلّح.

ولكن تأثير السيد نواب الصفوي في الأوساط المثقّفة كان معدوماً، أمّا في الحوزة الدينية، فقد كان تأثير صفوي نوعيّاً، وقد تركّز تأثيره؛ بحيث لم توجَد ضدّه معارضة. وهذا أمر مهّم جداً في انتشار أو عدم انتشار الحركات الإسلامية، (حركات الإسلام السياسي).

زعامة نواب صفوي للجماهير المستضعفة والفقيرة، كانت العامل الحاسم في نجاح ثورة الدكتور محمد مصدّق ضد شاه إيران عام 1951 م [36] .

اعتبرت حركة الإسلام السياسي التي قادها نواب صفوي، أن نضال شعوب المنطقة يجب أن يتوحّد ضدّ الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، والأهمّ من ذلك مقاومة هذه الحركة للأفكار القومية التي دعا لها البلاط المَلكي الإيراني، وأيدته بذلك كل شرائح المثقّفين، حتى الليبراليين منهم والذين كانوا معارضين للمَلكية. وقد أفرزت هذه الثقافة نظرية انعزال إيران عن الجذور العربية الإسلامية، وعدم الاهتمام فيما يدور في المنطقة العربية. وكان في اهتمام صفوي بالبحث عن الجذور العربية للتشيّع، أمراً حاسماً في ابتعاد حركته الثقافية عن تشيّع السُلطة. وبذلك يُعدّ ـ بحقّ ـ الداعي الأوّل الى مسألة التشيع العلوي، المناقضة للتشيّع الصفوي. وهي نفس الأفكار التي سينظر إليها الدكتور علي شريعتي لاحقاً.

وبعد عودته الى إيران، قُبض عليه بتهمة مشاركته في محاولة قتل حسين علاء، رئيس وزراء إيران، وحكمت عليه وعلى رفاقه محكمة عسكرية بالإعدام.

بالرغم من إعدام قادة الحركة، وعلى رأسهم مجتبى نوّاب صفوي 1957 م، إلاّ أن الحركة نهضت من جديد 1961 م، ودعمت نضال وثورة الإمام الخميني التي أعلنها في عام 1963 م، غير أن دورها لم يعُد كبيراً، بالرغم من بقاء رمزيّتها الى يومنا هذا.

هناك وجه آخر للإسلام السياسي الشيعي في إيران توضّح عام 1954 م ؛ وذلك بتأسيس حركة سياسية سِلمية، وهي على شكل تحالف إسلامي ليبرالي قومي. وقد أسّس هذه الحركة آية الله السيد محمود الطالقاني، والمهندس مهدي بازركان، الذي يعدّ أستاذ المثقّفين الإسلاميّين ـ وله تفسير للقرآن الكريم ـ. وقد دخل تحالف مع هذه الحركة الدكتور محمد مصدّق، الذي قاد تأميم النفط. وكان لآية الله السيد الكاشاني دوراً كبيراً في هذه الحركة.

 

وُلد الإسلام السياسي في العراق على يد مراجع الدين وعلماء الحوزة, ولكنّه ولد متأخّراًً, ومن خلال مخاض عسير وطويل، حيث إن مفهوم الأُمّة الإسلامية الواحدة، أو الأُمّة المسلمة ذات الأعراق والمذاهب المتعدّدة, والذي تبلور منذ القرن الهجري الثالث, بقي مخيّماً على المرجعية الدينية في العراق.

وكان لهذا الأمر أسبابه الخاصّة بالعراق، بالرغم من بقاء العراق، ولعدَّة قرون، تحت حُكم المذهب الواحد، وانقسامه إلى دويلات وإمارات, وضعف دولته المركزية (منذ أواخر الدولة العباسية).

وسيطرت الأقوام غير العربية (التركية والفارسية) [37] على مقدّرات العراق، حيث الأكثرية العربية فيه ـ وعلى مرّ تاريخه ـ هي للشيعة الاثنا عشرية. ولم تستطع النُخبة الحاكمة من تغيير هذا الواقع. وما حدث هو الانفصال والانفصام بين الدولة وبين الفئات الاجتماعية، في مختلف مناطق العراق, ما عدا حواجز المدن الكبيرة، وهي قليلة جداً.

لقد كانت الأكثرية العربية الشيعية في العراق وسط بحر متلاطم الأمواج، متصارع الإرادات، ليس بين الدول المتناحرة والمتنافسة على حُكمه فحسب، بل بين الإثنيات المتدافعة والمتناطحة.

وبالرغم من استقرار العراق في مرحلة الحُكم العباسي الأوّل، إلا أن الدول الإسلامية لم تستقرّ، حتى وهي في أوج قوّتها وعظمة سلطانها، فقد:

·       انفصلت إسبانيا المسلمة عن جسد الدولة العباسية.

·       ثمّ المغرب الأقصى, والمغرب كلّه لاحقاً.

·       ثمّ مصر وشمال إفريقيا وغربها المسلمَين.

·       ثمّ اضمحلَّت فكرة الوطن الإسلامي في بغداد نفسها وضواحيها.

·       جاء الصليبيّون في وقت مبكّر، ولم يستطع المغرب العربي ومصر وجنوبي بلاد الشام، المنفصلين تماماً عن الدولة المركزية، أن يحمي البلاد والعباد, ولم تستطع الدولة المركزية في بغداد أن تحمي بلاد المسلمين. مع العلم أن هذه الصراعات والانقسامات كانت تحدث داخل المذهب الواحد، وداخل الإثنيّة الواحدة، وبين المذاهب والإثنيّات المتعدّدة.

 

مع مجيء المغول إلى بلاد المسلمين, ولمدّة ثلاث قرون ـ على الأقل ـ, استمرّت الصراعات الدموية الإثنية والطائفية والإقليمية:

·       بين المغول (الذين أصبحوا مسلمين سُنّة)، وبين العثمانيين الأتراك؛ للسيادة على آسيا الوسطى وأجزاء من إيران والعراق. مع العلم أن (المغول والأتراك في أثنية واحدة)

·       بين المغول والمماليك، للسيادة على بلاد الشام ومصر.

·       بين العثمانيين الأتراك، (وقد أصبحوا سنّة حنفيّين), والصفويّين الأتراك، (وقد أصبحوا شيعة إثنا عشرية).

·       بين المماليك والصليبيّين، للسيطرة على بلاد الشام.

·       بين المماليك والعثمانيّين، للسيادة على مصر وبلاد الشام وديار بكر وجزيرة العرب واليمن.

·       بين البرتغاليين والصفويّين، للسيطرة على الخليج.

·       بين الصفويّين الشيعة والأزارقة العُمانيّين السُنّة، للسيطرة على ساحل الخليج الشرقي والغربي.

·       بين الصفويّين والأفغان، للسيطرة على خراسان وأفغانستان .

·       بين العثمانيّين والصفويّين، للسيطرة على جنوب العراق وجنوب غرب إيران الملاصق للعراق، وهو إقليم عربستان (خوزستان)، حيث كانت تحكمه دولة عربية شيعية (إمارة المُشَعشَعيّين).

·       انتصار السلطان العثماني "سليم"، المُتشدِّد مذهبياً، على الشاه الصفوي المتشدِّد مذهبياً عام 1515م، وبذلك حُسم أمر العراق تماماً، بأنْ أصبح تحت السلطة العثمانية, ثُمّ فَتحُ العثمانيّين لمصر عام 1517 م [38].

 

أمام كل هذه الصراعات والتدافع المسلّح، كان موقف المرجعية الدينية في العراق كالتالي:

ـ البقاء في حواضر المدن الشيعية العربية، بالرغم من ضعف الإمكانات، مثل: الحلّة ، النجف ، كربلاء ، الكوفة, بالرغم من أن عموم الشيعة العرب يعيشون في الأرياف والبوادي والمراعي، وليس في المُدن والحواضر.

وكان موقف علماء الشيعة في العراق، الثابت الذي لم يتغيَّر بالرغم من الظلم والتعسّف العثماني, وتجاوزات النُخبة الحاكمة باسم الباب العالي، كان موقفهم يتمثَّل بالبقاء ضمن الأُمّة الواحدة, وتحت ظلّ الحُكم القائم؛ لذا فإن شيعة العراق لم يشتركوا في أيّة محاولة جادّة للانفصال عن جسد البيت العثماني الإسلامي، بالرغم من محاولات عديدة جرت في نَجْد من جهة، والحجاز من جهة أخرى، واليمن والمغرب ومصر, وظهور حركات انفصالية في بلاد الشام، كحركة فخر الدين, في فترات لاحقة.

 

في العهد العثماني المتأخّر، تأسّس تيار القومية العربية من قِبل عدد من المفكّرين المسيحيين والمسلمين في بلاد الشام, ومنهم الشيخ إبراهيم اليازجي, وبطرس البستاني، ـ وهما رائدا النهضة القومية العربية ـ وعبد الرحمن الكواكبي.

وقد كان للإرساليات التبشيرية الأوربية والأمريكية, التي بدأت العمل في مصر وبلاد الشام (بالخصوص)، في الربع الثاني من القرن التاسع عشر؛ دوراً أساسياً في خروج هذا التيّار للوجود [39] .

مقابل التيّار القومي العربي، الذي دعا إلى الانفصال عن تركيا العثمانية الإسلامية, والذي تعزَّز بحركة عدَد من الضبّاط  العرب، ممَّن يعمل داخل الجيش العثماني، وتحالفهم مع شريف مكة والمدينة، كان هناك (تيّار الجامعة الإسلامية)، الذي نادى به جمال الدين الأفغاني.

تبلور هذا التيّار الإسلامي في مصر بظهور عدد من المفكّرين والمنظّرين، ومن العلماء والشعراء، منهم: (علي أبو النصر(1880م) / عبد الله فكري (1889م) / عبد الله النديم (1896م) / إبراهيم المويلحي (1906م) / مصطفى كامل (1908م)، ومن المتأخّرين: (أحمد شوقي / وحافظ إبراهيم / وإسماعيل صبري / وأحمد نسيم / ومصطفى الرافعي) [40].

بموازاة هذا التيّار الإسلامي السياسي المصري، الذي يدعو للجامعة الإسلامية، ظهر تيّار في العراق يدعو الى الإسلام السياسي غير الطائفي، وكان على رأسه: (المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء / والشيخ محمد رضا الشبيبي / ومحمد حبيب العبيدي / وعبد العزيز الجواهري / وخيري الهنداوي / ومعروف الرصافي) [41].

 

إن لتأخّر الإسلام السياسي العراقي سببٌ لم يُبحث من قِبل الباحثين ومؤرّخي الإسلام السياسي العراقي، وأتمنى أن ينبري مَن يكتب فيه بموضوعية وعلمية، مَن هو أجدر منّي على ذلك. وهو: أنّ المرجعية الدينية في النجف، كانت ولمدّة قرنين ـ على الأقلّ ـ مهتمّة بالحركة المطلبية تارة، والثورية تارة أخرى، في إيران؛ وذلك باعتبار الأكثرية الشيعية في إيران، وتركّز المرجعية التي تدعو لإصلاح الحكّام والثورة ضدّهم في النجف؛ كونها (في النجف مرجعية أُمميّة لعموم الشيعة في العالم). أمّا في الموضوع العراقي، فقد كان هاجس الوحدة والكيان الإسلامي الهجين، والتعامل برويّة واعتدال مع الكيان العثماني، خصوصاً بعد بروز الخطر الوهابي في جنوب العراق، قد كبَّل يد المرجعية الدينية في النجف، وجعلها أكثر من متردِّدة في التدخّل في الشأن السياسي العراقي. ولم يتغير ذلك إلاّ باحتلال العراق من قِبل الانكليز.

  الإرهاصات الأولى في تأسيس الإسلام السياسي، كانت بشكل تأسيس أحزاب وكيانات وجمعيات تهتم باستقلال العراق عن الانكليز، وتأسيس دستور ونظام حكم  مستقل. والعقل المفكّر لهذه الأحزاب، والهيئة التأسيسيّة لها جميعهم من علماء الدين، والنخبة المتديّنة القريبة منهم. ونجد أسماء مراجع كبار اشتركوا في هذه تأسيس الأحزاب مثل: الشيخ محمد تقي الشيرازي (قائد ثورة العشرين) / والشيخ محمد جواد الجزائري، مؤسّس جمعية النهضة والحزب الوطني ألنجفي [42] ، وهو أحد أهم المراجع العرب [43] الذين وقفوا موقفاً واضحاً في ثورة الدستور في إيران، وحارب الانكليز في احتلالهم للعراق عام 1914 م / والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء / والسيد هبة الدين الشهرستاني.

المحطة الرئيسيّة في تأسيس الإسلام السياسي الحديث في العراق ودفعه للأمام؛ تأسيس أوّل تنظيم إسلامي، على أُسس حديثة، وله أهداف واضحة المعالم، ودستور داخلي، وقيادة سياسية محدّدة، (غير متماهية مع الرمزية الدينية العامّة)، وتعتمد على كوادر مُنضبطة. وهذا لم يكن يحدث لولا كاريزما القيادة التي امتلكها مؤسّس هذا التنظيم، وهو الراحل الشيخ عزّ الدين الجزائري (توفي عام 2005 م)، الذي أسّس حركة الشباب المسلم ومنظمة المسلمين العقائديين (1953-1954م).

لقد تأسّست هذه الحركة بجهد من منظّر الإسلام السياسي العراقي بلا منازع، وتأثيره الكبير في البيت المرجعي في النجف، الذي لولاه لم تتحوّل العقلية المرجعية من تقليديّتها نحو النهضة والتغيير. فقد استطاع الأستاذ عزّ الدين الجزائري التأثير على الرعيل الأوّل في المرجعية المتنوّرة؛ بضرورة دعم هذين التنظيمين، وهم: (السيد محسن الحكيم / السيد محمد جواد الجزائري / السيد محمد الصدر / الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء / السيد للحبوبي)، واستطاع الشيخ عزّ الدين الجزائري التأثير على الخط الثاني في الحوزة في النجف، بالانتماء المباشر لهذين التنظيمين. فنجد أسماء لامعة اشتركت معه في العمل الحركي:

(الشيخ محمد مهدي شمس الدين / السيد محمد حسين فضل الله / الشيخ جواد السهلاني / السيد مصطفى جمال الدين / السيد حسين شبّر / الشيخ عبد الهادي الفضلي).

   اختلف الشيخ الجزائري مع القيادة المؤسّسة لحزب الدعوة الإسلامية، التي تعامل البعض منها بسلبية غير مبرّرة مع حركة الشباب المسلم ومنظمة المسلمين العقائديين، وأدّى هذا الصدام إلى عزل الشيخ الجزائري وأعضاء حركته الرئيسيّين، ثمّ اضمحلال الحركتين وذوبانها في حزب الدعوة وفي الحركة التي ستنقسم عن الدعوة عام 1967، وهي حركة جُند الإمام.

   بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية، وتبنّي كل من الشهيد الصدر الأوّل، والشهيد السيد مهدي الحكيم لها، ودخول عدد من العلماء المنتمين للشباب المسلم، والكوادر المنتمين للمسلمين العقائديّين، ودخول غيرهم من العلماء والكوادر للحزب، والذين كانوا في حزب التحرير الإسلامي؛ استطاع حزب الدعوة الإسلامية أن ينتشر في عموم العراق وبسرعة قصوى؛ ليصبح أكبر تنظيم إسلام سياسي في العراق.

 

إن الإسلام السياسي الشيعي قد أُلهم من مراجع دين بالدرجة الأُولى، منهم:

 

الإمام الخالصي الكبير

بعد عام 1920 م توفّي المرجع الشيعي الكبير فتح الله الأصفهاني، الملقّب بشيخ الشريعة، وأصبحت المرجعية بيد ثلاثة مراجع هُم: السيد أبو الحسن الأصفهاني،  والميرزا حسين النائيني في النجف، والشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية. فكانت الفتوى المؤثّرة في شيعة العراق كانت تأتي من الشيخ الإمام الخالصي

ينتمي الإمام الخالصي الكبير إلى سلسلة العلماء والمراجع التجديديّين العاملين، فهو محمد مهدي بن حسين بن عبد العزيز الخالصي الكاظمي الأسدي، وينتهي نسبه إلى حبيب بن مظاهر الأسدي، شهيد واقعة الطف الكبرى مع الإمام الحسين (ع). ينتمي إلى قبيلة بني أسد العربية الشهيرة.قائد حركة الجهاد عام (1914)، وقائد ثورة عام (1920) في العراق، ضدّ الاحتلال والاستعمار البريطاني، والذي كان مع عدد من القيادات الكبيرة السند القوي لزعيم الثورة والمرجع الأعلى آنذاك السيد الشيرازي.

كانت له مشاركة فعالة في الجهاد الإسلامي ضدّ هجوم الروس على إيران، وهجوم الايطاليين على طرابلس الغرب في ليبيا، وأفتى بجواز الجهاد إلى جانب العثمانيّين ضدّ الغزو البريطاني للعراق.

وبعد سقوط بغداد بيد الانكليز عام (1917 م)، قاد حركة جديدة مع الإمام الشيرازي الكبير، وبالتعاون مع العشائر العراقية؛ لإطلاق ثورة العشرين.

وبعد أن أخفقت الثورة في تحقيق أهدافها، عمد الانكليز إلى تنصيب الملك فيصل الأوّل ملكاً على العراق، فثابر الإمام على مخالفة ذلك، وجاهد حتى لا يتحقّق هذا الأمر، ممّا أثار حفيظة الحاكم السياسي الانكليزي للعراق (برسي كوكس)، فسارع إلى نفيه إلى الحجاز ومن ثمّ إيران. وأدّى ذلك إلى احتجاج المراجع الآخرين، ومن ثمّ نفيهم إلى خارج العراق أيضاً، كالسيد أبو الحسن الأصفهاني والشيخ النائيني وغيرهم.

والسبب الرئيسي وراء نفي الإمام الخالصي أنه إضافة إلى مواقفه الجهادية الكبرى، من حركة الجهاد والثورة؛ يعود إلى أن الانكليز قرّروا إجراء انتخابات عامّة، لانتخاب مجلس تأسيسي لإقرار المعاهدة البريطانية التي تفرض الانتداب على العراق، ما اعتبره الخالصي الكبير نكثاً بشروط البيعة، التي تقضي بأن يحافظ الملك على استقلال البلاد التامّ، وأن ينقطع عن سلطة الأجنبي، وأن يكون مقيّداً بمجلس نيابي يمثِّل الأمّة؛ ممّا حدا بالخالصي الكبير إلى إصدار فتوى تحرم الانتخابات، وأعلن بطلان بيعة الملك فيصل الأوّل. وتتلخّص معتقداته ودعاة حركته التي استمرّت من بعده بما يلي:

 

1.    إن واجب علماء الإسلام هو قيادة الأمّة ورعاية شؤونها السياسية والاجتماعية، و التخلّي عن ذلك تخلّ عن واجب أساسي من الواجبات الشرعية لعالم الدين، وفي سبيل ذلك تحمّل السجن والتشريد والنفي، حتى لا يوقّع تعهّداً خطياً للإنكليز والملك فيصل الأول بعدم التدخّل في السياسة، في الوقت الذي آثرت الأغلبية من العلماء الانزواء والابتعاد، وتوقيع تعهّد خطّي بعدم التدخّل في الشؤون السياسية.

2.    نظراً للتراجع الذي كان سائداً في أجواء الحوزات العلمية، فقد بذل جهوداً مكثّفة لإصلاح الحوزات العلمية، وإدخالها إلى أجواء العصر الحديث وتطوّراته؛ داعياً علماءها وطلبتها إلى تعلّم العلوم الحديثة واللغات الأجنبية. وعلى هذا الأساس، أسّس ولده من بعده حوزته العلمية في مدينة الكاظمية، باسم: (جامعة مدينة العلم للإمام الخالصي الكبير)؛ لتخريج علماء دين حضارييّن، يحملون الإسلام بلباسه الحضاري العظيم.

3.    الفتوى الصريحة والدعوة الى الجهاد للوقوف بوجه المستعمر الأجنبي.

4.    نبذ الطائفية، والدعوة الى توحيد المسلمين، ومحاربة ما يدعو الى تفريقهم.

وقف الشيخ ألخالصي موقفاً سلبياً من دخول الشيعة إلى مؤسّسات الدولة والحصول على وظيفة حكومية، حيث فُتح باب التوظيف عام 1921 م ، وقد أضرَّت هذه الفتوى كثيراً بالشيعة.

 

الإمام الخميني ( 1902 م ـ 1989 م )

هو الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني، كان والده مجتهد مدينة خُمين، جنوبي قم، وقد عُرف بوقوفه بوجه الإقطاع والحكومة القاجارية والدعوة لنصرة المزارعين الفقراء. وقد تتلمذ السيد روح الله على يد شقيقه الأكبر السيد مرتضى، وعلى يد آية الله الحائري، زعيم حوزة قم ومؤسّس التجديد فيها. وقد حصل الخميني على درجة الاجتهاد في سنّ السابعة والعشرين من عمره، وكان يدرِّس الفلسفة والأصول (البحث الخارج) وهو في الأربعين من العمر.

كان من المقرّبين لزعيم الحوزة ومرجع الشيعة السيد البروجردي، الذي كان معارضاً لرضا شاه، وعارض أيضاً الإصلاحات العلمانية من قِبل محمد رضا بهلوي. وبعد وفاة المرجع السيد البروجردي عام 1960 م، برز اسم الخميني كأحد المراجع المهمّين، بالاضافة الى أسماء أُخر.

في عام 1961 بدأ الإمام الخميني معارضته لحكومة الشاه الإيراني، وفي عام 63 قاد مع طلبته ومريديه انتفاضة جماهيرية في مدينة قم وطهران، وكانت انتفاضة طهران عنيفة وواسعة، أدّت الى قتل عدّة آلاف من أبناء الطبقة الفقيرة، والعمال والفلاحين، وقد سمّيت بانتفاضة (15 خرداد)، وقد اعتُقل السيد الخميني، وكاد النظام يحكم عليه بالإعدام، لولا تدخّل خمسة من كبار مراجع الدين وتهديدهم بإعلان الجهاد.

وقد نُفي الإمام الخميني الى تركيا، حيث أقام فيها حوالي السنة، ثم جاء الى العراق واستقرّ في النجف، ومن منفاه في النجف كان الخميني يقود المعارضة المتواجدة في داخل وخارج إيران حتى قيام الثورة الشعبية التي قادها في العصر الحديث، حيث أصبح الإمام الخميني قائد ومرشد الثورة والدولة، بناءً على الدستور الإيراني الجديد.

منذ بداية ثورته ضدّ نظام الشاه عام 1960 م ، وحتى بداية ثورته الثانية عام 1978، وانتصارها بعد عام من التظاهرات والصدامات بين الشعب الإيراني والجيش والساواك، (جهاز الأمن الشاهنشاهي)؛ كان الإمام الخميني يمثّل (الإسلام السياسي) ويقود (حركة إسلامية أصولية)، ذات هدف واضح ومحدود. والغريب أنه لم يَحِد أو يبدّل من هذا الهدف طيلة السنين، وكان على يقين بأن مريديه لم ولن يخذلوه! والهدف هو إسقاط النظام الشاهنشاهي بكلّ تحالفاته مع النظام الإنكو/أمريكي وإسرائيل، وبناء دولة مؤسَّسة على النظام الإسلامي، ولكن بأُسس حديثة.

وهذا ما لا نجده، وبهذا الوضوح، في إستراتيجية أيّ قيادي من قيادات التيارات الإسلامية في مختلف البلدان.

منذ العام 1965 م ، ومن مكان درسه في مدينة النجف، بدأ الخميني ينظِّر للحكومة الإسلامية المُقادة من قِبل الفقهاء العدول، والتي تشترك فيها كل الطبقات والشرائح. ومنذ وقت مبكّر، وبالرغم من اعتراضات المؤسّسة المرجعية التقليدية، انفتح الإمام الخميني على كلّ التيارات السياسية، ما عدا مجاهدي خلق، حيث اعتبر تيّارهم غير أصيل، (ليس إسلامياً بوضوح، وليس ماركسياً بوضوح)، بالرغم من أنه انفتح على التيّارات اليسارية والقومية، وحتى السنيّة منها.

وبتوجيه منه، قاد ولده حركة التحرّر الإيرانية، حيث تحالف مع منظّمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً حركة فتح وحركة أمل وقائدها الإمام موسى الصدر، وكان لأتباعه اللذين يعملون مع نجله السيد مصطفى علاقات مع البعث السوري منذ عام 1972 م، وكانت المؤتمرات السنوية للمعارضة الإيرانية تقام من قِبل تلاميذ الإمام الخميني في موسم الحج كل عام في مدينة مكة المكرمة، ويحضر فيها ممثلو كل أطياف المعارضة، من أوربا وإيران والباكستان ودول الخليج، وقد ساعد هذا التشكل بين معارضة الخارج والداخل حركة الإمام الخميني على قيادة وتنسيق العمل بين الداخل والخارج، ممّا أعطى للثورة الشعبية بُعداً تنظيمياً، ساعدها على عدم ممارسة الخطأ وكسب تعاطف القوى الدولية والمحلية المتردّدة، وهذا ما ساعد على إسقاط أقوى نظام في دول العالم الثالث بثورة شعبية، لم تستطع أيّ من القوى الدولية أن تنفذ إليها وتسيّرها كما تريد.

يعتبر الإمام الخميني المدرسة الوحيدة من نوعها في الإسلام السياسي القديم؛ بسبب أنه الفقيه الوحيد الذي ينظر لتأسيس دولة، ويقود المعارضة في حركة ليست مطلبية متدرّجة ومرحلية، وفي ذات الوقت يدعو لتجديد الفكر والثقافة، من دون أن يخسر الاتّجاهات المحافظة، ولا ينجرف ويندفع مع الاتّجاهات التجديدية. ثمّ يؤسّس دولة، ويقود هذه الدولة الى جرف الاستقرار، وسط تحدّيات داخلية وخارجية عظيمة، كادت أن تطيح بكل النظام أكثر من مرّة.

ويعتبر الإمام الخميني المدرسة الوحيدة في الإسلام السياسي الحديث أيضاً؛ فهو الفقيه الوحيد، والقائد السياسي الإسلامي الوحيد، الذي دعا منذ بداية ظهوره العلني ولحدِّ وفاته، الى: توحيد المسلمين / نبذ الطائفية / إعطاء الأقليات القومية والمذهبية حقوقها / كسر حاجز الطبقية الاقتصادية / بناء دولة حديثة على أُسس الإسلام المحمدي غير الطائفي / محاربة النفوذ الغربي والشرقي الاستعماري في بلاد المسلمين / وضع قضية فلسطين في موقع الصدارة ؛ باعتبارها أكبر تحدّي للأمة الإسلامية.

لقد جاء الخميني الى المشهد السياسي الإسلامي وهو في موقع المرجعية، وكان الخط المحافظ، غير المُسيّس، والذي يدعو الى نبذ السياسة في المؤسّسة المرجعية الشيعية والسنية على حدٍّ سواء؛ هو الأقوى والمهيمن، وقد استطاع بجهد جهيد أن يحتوي هذا الخطّ ويحيّده (على الأقلّ)، لكي لا يُذبح بالسيف المقدّس (مثلما ذُبح مراجع آخرون من قَبله). واستطاع الخميني أن يتجاوز مثاليّات وتنظيرات المفكّرين الإسلاميين النهضويّين، الذي أسّسوا أحزاباً وكيانات لم يستطيعوا تنظيفها من أمراض الاختلاف والتخلّف والتردّد والشخصانية، وقد تعامل مع أيّ طرف أو جهة أو شخص بمقدار قربه من القضايا المصيرية.

وبذلك يكون الخميني بحقّ رائد حركة التحرّر الإسلامي في العصر الحديث.

 

السيد الشهيد محمد باقر الصدر

إذا كان الإسلام السياسي قد نشأ ونما بناءً على الأُسس الفقهية والفكرية للإسلام الأصولي والتجديد فيه، والبناء المعرفي في العقلية الأصولية، ولولا ذلك لأصبح الإسلام السياسي مجرّد عارض طارئ وردّة فعل مؤقّتة، ثم يخبو ويخفت. إذ أن الإسلام السياسي، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، أصبح الرقم الأصعب في معادلة التغيير الاجتماعي والسياسي في البلدان الإسلامية، لأنه تأسّس بناءً على تجديد من الأُسس المعرفية للفقه الإسلامي.

ومن هنا برز دور الإمام محمد باقر الصدر، وهو الدور الذي تبنّاه سيّد قطب في الاتّجاه الإسلامي السني، ولكن بفوارق مهمّة.

اعتمد الشهيد الصدر الأوّل على تأسيس كيان فكري معرفي للأصولية الإسلامية الحديثة، وامتاز هذا الكيان بتأصيل المفاهيم الإسلامية، من دون الانغلاق على المدارس غير الإسلامية، لذا فإن فكر الصدر الذي أثّر كثيراً في البناء الفكري والثقافي لجمهورية إيران الإسلامية، والحركة الإسلامية العربية، (العراق ولبنان ودول الخليج)؛ لم يدخل في نفق التكفير والصراع الطائفي. على الرغم من التشبّث بجذوره الشيعية الاثناعشرية. إلاّ أن الصدر لم ينتج كياناً فكرياً طائفياً، وما قدمه من الفكر كان صالحاً الى درجة مذهلة في المعارضة وفي الدولة.

امتاز الصدر بأنه أوّل عالم مسلم في العصر الحديث ـ على الإطلاق ـ ينتج منهجاً للتفكير والاستدلال والاستنباط والاستقراء، وهذا لم يحدث إلاّ بالتوفيق بين علوم الفقه والأصول والفلسفة. وفي تصورنا فإن الإمام الصدر كان محاولة (ثانية) في التراث والواقع الإسلامي ـ المحاولة الأُولى للإمام الشافعي ـ لتأسيس مبادئ علم الأصول، وإخراج الفقه الإسلامي من دائرة التقليد الأعمى والاستنساخ المكرّر. وسيبقى تأثير الصدر في الأُصولية الإسلامية كبيراً، حتى يأتي مًن يحاول التجديد، خصوصاً في الظروف الراهنة، حيث الاحتكاك والتدافع بين حركات الإسلام السياسي والحركات الأخرى التي احتمت بالعلمانية (فصل الدين عن السياسة)، بعد أن فشلت الحركات الإيديولوجية (الماركسية، والقومية السياسية) في مجارات الايدولوجيا الإسلامية.

كان للإمام الصدر تأثير هائل في خلق التوازن الكبير بين المدارس المعرفية الشيعية الاثنا عشرية الثلاث: (الأصولية ـ الإخبارية ـ العرفانية/الصوفية) [44] ممّا أوجد قوة جاذبة ممتازة لإرجاع المذاهب الشيعية غير الاثنا عشرية الى الحظيرة الأُم.

أمّا تأسيسه لحزب الدعوة الإسلامية، فيُثبت أن هذا الصرح الكبير في الإسلام، قد أكمل مشروعاً بوضع الإسلام في مكانه الصحيح في القرن العشرين، وهو قرن إنهاء الإلحاد، وقرن تأسيس المجتمع الإسلامي في أكثر من مكان.

 

السيد محمد الشيرازي

   نشأ المرجع السيد محمد الشيرازي في بيت امتلك خزيناً علمياً وجهادياً متوارثاً، ممّا أعطاه اندفاعاً بالتوجّه نحو العمل التغييري الاجتماعي والسياسي منذ بواكير عمره. والشيرازي هو العالم الوحيد الذي انتبه الى أن المرجعية العليا في العراق، وفي النجف بالذات، هي التي قادت الإسلام السياسي المعارض، بشقّيه المطلبي والجهادي في إيران، وأنها كانت العقل المنظِّر، والمؤسّسة الإدارية الملهِمة لمعظم الانتفاضات والثورات التي حدثت في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وأنه لابد لهذه المرجعية من تغيير توجّهها التي اعتادت عليه بالنسبة للعراق، والذي يقضي بالاكتفاء بالجانب الدعوي، والابتعاد عن الشأن السياسي، بل والوقوف أمام أي توجّه بهذا الشأن .

مع وجود تجارب فاشلة وغير مكتملة سابقة، كتجربة الشيخ كاشف الغطاء، والسيد حسن الأمين، وتجارب الجزائريّيِن الثلاث، (وهي أعمق التجارب وأكثرها جرأة)، وتجربة الخالصي من قَبل؛ حاول الشيرازي تحقيق أمرين اعتبرهما هو في حينه قطار وسكّة حركته السياسية الكبيرة، وهما:

1. إعلان مرجعيته بوقت مبكر جداً.

2. محاولاته المبكّرة لتأسيس حوزة علمية في كربلاء ليست على غرار حوزة النجف.

 وفي الحقيقة فإن هاتين المحاولتين لهما جذور في اختلاف الشيرازي مع المدرسة المرجعية وحركتها الوليدة، وهي حزب الدعوة الإسلامية، الذي شهد الشيرازي إرهاصات ولادته الأولى؛ حيث اشترك في الجلسات التأسيسية لحزب الدعوة الإسلامية[45]

كانت نظرية السيد الشيرازي مبنيّة على:

·       تسييس المرجعية

·       مأسَسة الحوزة لتكون الكيان الحركي للمرجعية.

·       المرجعية الشيعية يجب أن تقود العمل السياسي  والأحزاب هي أداة لهذه المرجعية

اعتمد الشيرازي بشكل كبير على مقبولية والده المرجع السيد ميرزا مهدي، وعلى عدد من علماء وأساتذة الحوزة في كربلاء، الذين كانوا يطمحون لإعادة القوّة والمتانة لحوزة كربلاء، والتي ضعفت كثيراً. كم اعتمد على عدد من أتباع والده الميرزا مهدي المخلصين، وهم من أعيان مدينة كربلاء وتجارها. وكانت كاريزما الشيرازي القوية الجاذبة للشباب المتديّن كبيرة ومؤثّرة في تأسيس حركته منذ أواسط الستينات، حتى أن الهيئة المؤسّسة للحركة المرجعية ـ وهو اسم حركة الإمام الشيرازي ـ كان جميعهم من الشباب الذي لم يتجاوز سن 22 سنة.

   لقد أسّس الشيرازي الكيان الحركي باسم (الحركة المرجعية)، وكان ذلك إحراجاً للمرجعية التي لم ترد آنذاك التدخّل بالشأن السياسي. ومنذ بداية التأسيس أعلن أن حركته شيعية أُمميّة، وطبَّق ذلك عملياً من خلال تبنّيه لثورة الإمام الخميني عام 63م  حتى أصبح الشيرازي لسان الخميني في العراق وفي الصحافة العربية اللبنانية، والشيرازي هو عالم الدِّين العراقي الوحيد الذي استقبل الإمام الخميني في كربلاء استقبالاً جماهيرياً مهيباً، وكان أولاد مدارس حفّاظ القران الكريم (التي يديرها) يردّدون نشيد:

الخميني العظيم            قائد الشعب الكريم

 

منذ وفاة الإمام السيد محسن الحكيم، الذي احتضن الشيرازي وحركته، بدا الاحتكاك بين حوزة النجف ومرجعيّتها، وبين حوزة كربلاء ومرجعيّتها الجديدة، وبموازاة ذلك بدا النظام بضرب الحركة المرجعية باعتقال عدد من مؤسّسيها وكوادرها، وكانت ضربة كبيرة وموجعة، ولم تفد إستراتيجية الشيرازي المبنيّة على الاختفاء ثمّ الظهور للعَلنِ بعد حين. وكان اعتقال ساعده الأيمن المجتهد السيد حسن الشيرازي ضربةً كبيرة للحركة المرجعية في العراق، وبذلك خرج السيد الشيرازي من العراق، ليبدأ من الصفر من جديد، ولكن في الكويت.

خرجت الحركة المرجعية ضعيفة ومتّهمة بأكثر من تُهمة داخل الكيان الشيعي العراقي، ولكنّها نمت وترعرعت في الكويت ، السعودية ، البحرين ، عمان ، إيران. وقد رفدت هذه الفروع الوجود العراقي بالإمكانات اللوجستية والدعم المعنوي، ممّا أنعش الحركة من جديد في العراق. والأمر المهم أن هذه الحركة تحالفت تحالفاً لا ينفكّ مع الثورة الإسلامية الإيرانية بمختلف أطيافها وتوجّهاتها، وبقيادة الإمام الخميني. وسوف ينفكّ هذا التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسيؤدّي ذلك الى انقسامات كثيرة ومؤلمة في الحركة المرجعية؛ بين خطّ الإمام الخميني داخل الحركة، وخطّ السيد الشيرازي، وسينقسم الخطّ الشيرازي من جديد بإعلان بعض تلاميذه المرجعيّة بدلاً من دعم المرجعية المركزية.

   لقد تأسّست الحركة المرجعية في العراق بقيادة الشيرازي باعتباره مرجعاً حركياً ثورياً يؤمن بالتغيير الثوري. واعتبر الإمام الشيرازي حركته كونها (حركة تحرّر إسلامي)، وضمّت هذه الحركة حركاتاً فجَّرت الجهاد المسلّح ضدّ الأنظمة الحاكمة وهي:

·       منظمة العمل الإسلامي في العراق.

·       الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين.

·       منظمة الثورة الإسلامية في جزيرة العرب.

بالاضافة الى فروع أخرى في بلدان أخرى. وساهمت هذه الحركة برفد التأسيس الأوّل للحرس الثوري الإيراني بكوادر وقادة عسكريّين، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأشدّ الحاجة لها.

باختلاف السيد الشيرازي مع سياسة الإمام الخميني عام 82-83 ، يبدأ فصل جديد من سيرة المرجع الشيرازي، حيث تحوّل الى الحالة الإصلاحية وترك الدعوة للتغيير الثوري، وبدأ بكتابة موسوعة فقهية لهذا التوجّه الجديد: في السياسة، والاجتماع، والثقافة، وغير ذلك..

والملاحظ أن تيار الشيرازي انقسم الى فروع متناقضة وغير متجانسة بتاتاً، حيث الخطّ المحافظ اليميني، والخطّ الإصلاحي المبتعد عن السياسة، والخط الثوري الذي ذاب في مرجعية الإمام الخميني.

إلاّ أن مرجعية الشيرازي تحوّلت الى مرجعية محافظة هي اقرب للحالة الإخبارية وتشيّع الكرامات والمعاجز. وبالرغم من أُممية حركته، بقيت القاعدة الجماهيرية العراقية للإمام الشيرازي متركّزة بأهل كربلاء!

لا يمكن لأحد أن ينكر أن أحد مؤسّسي الإسلام السياسي في العراق والمنطقة، وهو السيد محمد الشيرازي، هو صاحب إنتاج تأليفي غزير جداً وهائل. ليس في مجال الفكر والثقافة فحسب، بل في مجال الفقه والأصول وعلم الكلام. وأغلب الذين قرءوا علم الكلام قرءوا شرحه (القول السديد في شرح التجريد)[46] ، وهو شرح موفّق. أما كتابه (الوصائل الى كتاب الرسائل)، فهو شرح كتاب الشيخ الأنصاري ويمكن تصنيفه بعد محاولة الشيخ المظفر في كتابه أصول الفقه، والسيد الشهيد الصدر الأول في علم أصول الفقه بحلقاته الثلاث. حيث إن كتاب الشيرازي (الرسائل في أصول الفقه) بقي يحظى بمكانة مرموقة في حلقات الدرس الأصولي، فهو شرح مزجي ممتاز. أمّا الكتاب الأهمّ الذي لا تكاد مكتبة لطلبة العلوم الدينية تخلو منه مهما صغرت، فهو: (هدى الطالب الى أسرار المكاسب) وهو شرح لكتاب الشيخ الأنصاري[47].

تضمّ الموسوعة الفقهية للشيرازي (110) مجلّد في السياسة والديمقراطية والحرّيات المدنية والشورى. وبالرغم من الخلاف في مدى عُمقها، إلاّ أنها بقيت أوسع وأكبر موسوعة كُتبت في الفقه الإمامي على الإطلاق. ولا نغفل عن محاولاته في تفسير القران (تبيين القرآن) في ثلاثين مجلّد، وشرح نهج البلاغة أربع مجلدات.

 

العلماء والإسلام السياسي السُنّي

إن الإسلام السياسي في  المرجعية الإسلامية السُنّية، كان يتمثّل بدار الإسلام, والدولة الإسلامية المركزية، وعندما بدأت دار الإسلام بالتفتُّت, والدولة الإسلامية الواحدة بالتمزّق, استمرّت نظرية الإسلام السياسي الرسمي، حتى لو كان هذا الإسلام متناحراً مع مثيله في الدّين والمذهب.

إن الإسلام السُنّي مرَّ بأزمات طاحنة، يأخذ بعضها برقاب البعض الآخر, إذ سقطت الخلافة الإسلامية السُنّية ببغداد عام 1258م، وظهرت الدولة المغولية في إيران و(ما جاورها)، وفي العراق، وخلال 30 عاماً، استُبعد الإسلام السُنّي من الصدارة السياسية التي اعتادها في ظلّ خلافة بغداد، ثُمّ أُعيد إلى الواجهة في الدولة الإيلخانية المغوليّة عام 1295م، وفي ذات الوقت، كان الإسلام السُنّي يحكم دولة المماليك التي تحكم بلاد الشام ومصر.

ومنذ القرن الخامس عشر، أصبح العالم العربي بالكامل ـ تقريباً ـ بيَد العثمانيّين من المذهب الحَنفي، الممزوج بالتصوّف والعرفان، إلاّ أن المذاهب السنّية الأخرى، وبضمنها المذاهب الصوفية، ثارت على الدولة العثمانية المركزية، وأهمّها: المذهب الوهابي، والسنوسي، والمهديّة في السودان، بالإضافة إلى انفصال بلاد المغرب العربي, والأزارقة في عُمان, والزيديّة والشافعية في اليمن.

ويرى بعض المفكرين، ومنهم الدكتور محمد عمارة، أن الوهابية والسنوسية والمهدية هي (مظاهر للردِّ الإسلامي العربي على الانحلال العثماني)[48].

أُسّست السنوسيّة من قِبل الشريف الشيخ محمد بن علي السنوسي (1787-1859م) في كلٍّ من ليبيا والجزائر ومصرـ وهذه الحركة خاضت نضالاً طويلاً ضدّ الوجود الاستعماري في وسط أفريقيا, ومؤسّس هذه الحركة دعا إلى الإصلاح الديني والنهضة الدينية على أُسس سَلفيّة - صوفية, ودعا الى الانفصال عن جَسد الجامعة الإسلامية العثمانية.

أمّا المهدية في السودان، والتي أسَّّسها محمد أحمد المهدي (1844-1885م)، فقد كانت أكثر تطرّفاً ضدّ العثمانيّين, حيث دعا مؤسّسها إلى النهضة العربية الإسلامية, وكان يقول ما نصّه: (إنّ النبي (ص) قد حرّضني على قتال التُرك وجهادهم، فالترك لا تطهِّرهم المواعظ, بل لا يطهّرهم إلاّ السيف). وكان يدعو إلى مخالفة الأتراك حتى في العادات والتقاليد والسلوك والأزياء.

لم يُكتَب لهاتين الحركتَين وحركات التجديد الديني الأُخرى النجاح، مثلما كُتب للحركة الوهابية في جزيرة العرب، فبلاد الجزيرة كانت تُحكَم من قِبل خمس أُسر عربية, لكنَّ أسرة واحدة هي التي انتصرت بفضل المذهب الوهابي، وهذه الأُسر هي: (آل الرشيد في حائل / آل سعود في نجد / آل يحيى حميد الدين في اليمن (زيديَّة) / الأدارسة في عسير (زيديّة) / الهاشميّون في الحجاز (زيديّة) ). في حين يسيطر البريطانيّون على السواحل الشمالية والشرقية والجنوبية، من الكويت إلى عدن, حيث انتشرت المحميّات والمهادنات ومستعمرات التاج؛ كان للعثمانيّين وجود رمزي في جزيرة العرب, وهم يديرون هذه الأُسر الخمسة بصورة غير مباشرة.

إن الحركة الوهابية، بشقّيها: (المرجعي الديني, والدولة الدينية)، مثّلت أهمّ تأسيس عربي إسلامي في العصر الحديث، وهذا التأسيس بدأ على شكل إسلام سياسي رسمي, وهذا يفسِّر بَذرة انفصال حركة القاعدة عن الإسلام الوهابي الذي تقوده الأسرة السعودية.

إن أيدلوجيا الإسلام السياسي السلفي الوهابي، لم تُحارِب نمط الفكر العثماني السُنّي ذي النزعة القَدريَّة الصوفية، الذي عَشعَشَت فيه العادات والخرافات التي وصلت إلى حدِّ الشعوذة، فقط، وإنّما تعدَّت ذلك إلى الدعوة لبناء الدولة القومية العربيّة؛ ذلك بتبنّي فقهاء الوهابية شرط (قَرَشِيّة) الخليفة, والتي تعني عروبة الإمامة السياسية، والدعوة لتجديد دولة الخلافة الراشدية.

جَهَرَ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته عام (1730 م), واعتبر دعوته بأنّها ردٌّ شرعي على ما أسماه البِِدع عند بدوِ جزيرة العرب, وكذلك عند الأتراك؛ لذلك (كافح الوهابيّون الصوفيةَ والدَروَشة، وتلك الأشكال من العبادات الدينية التي كان يمارسها الأتراك, والتي نشأت عبر القرون. دَعَو إلى الكفاح بلا هوادة ضدّ الفرس (الشيعة)، الذين كانوا يعتبرونهم كمرتدّين, والسلطان العثماني الخليفة الكاذب، و(الباشوات الأتراك).

ومن الواضح أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تقتصر على الجانب التعليمي والمدرسي, بل كانت حركة تريد تصدير الفكر الوهابي عِبر التوسّع المسلَّح، ونشر الدُعاة والمُبلّغين, وإحكام السيطرة عبر دولة مركزية قويّة وصارمة. وهذا يفسِّر محاولاتها التوسّع نحو بلاد الشام والعراق، بعد أن سيطرت على شبه الجزيرة العربية.

ولم يكبح جِماح هذه الدولة المذهبية سوى الشيعة العرب في جنوب العراق، (قبائل المُنتفِق وغيرهم), ومن جهة أُخرى الوجود الاستعماري البريطاني، الذي حاولت الدولة السعودية الحديثة الاستعاضة عنه، منذ بواكير أيّامها، بالوجود الأمريكي، وهذا ما يعطي علاقة الدولة السعودية الوهابيّة مع أمريكا المسيحية المحافِظة بُعداً تاريخيّاً عميقاً، لا يمكن الانفكاك عنه.

منذ نشأتها, تأثّر بالدعوة الوهابية علماء دين تقليديّين، ورجال إصلاح قوميّين, ورجال الإصلاح الديني في الهند ومصر والجزائر وبلاد الشام[49]. وبفضل أموال الطفرة النفطية، انتشر الإسلام الوهابي، من خلال بناء المساجد وتأسيس البنوك الإسلامية اللاربوية، ودعم الحركات الإسلامية السنيّة وجذبها للوهابية، وكذلك إنشاء إمبراطورية إعلامية هائلة، جذبَت خيرة الكوادر التقنية في مختلف التخصّصات

لقد تصدَّعت الايدولوجيا الإسلامية السنّية بانحلال وتفكّك الأمّة الإسلامية دولاً وشعوباً وثقافات، وكان لهذا التصدّع أثره البالغ في المرجعية الإسلامية السُنّية في مصر، والتي لم تستطع المرجعية الإسلامية الرسمية في الأستانة العثمانية احتوائها. فضلاً عن أن الأزهر لم يستطع مواجهة المدّ العلماني الأوربي، الذي جاء محمولاً مع السفن الحربية الفرنسية، بقيادة نابليون بونابرت عام (1799 م)[50]، والذي كانت له جذور عميقة في مصر نتيجة البعثات المصرية لمحمد علي باشا إلى البلاد الأوربية.

لقد وقفت المرجعية الدينية في الأزهر بوجه أيّة حركة للإصلاح الديني, وضدّ أي رمز من رموز الإصلاح والتغيير، حتى لو كان من أبنائها, وهذا يفسّر جنوح الإصلاحيين ودُعاة التغيير المصريين نحو السعودية، وتيّارها الوهابي السَلَفي منذ بداية نشأتها.

وهنا برز دور الإمام محمد عبده، المجدِّد الكبير، الذي أثّر على عموم النهضة الإسلامية وحركات الإسلام السياسي، السُنّي منها والشيعي, إلاّ أن تأثيره كان مرحلياً، حيث لم تستطع حركات الإسلام الخروج من مستنقع الطائفية والتعصّب والتَنَطّع والغُلو.

حاول محمد عبده أن يؤسّس ثقافة إسلامية مبنيّة على السلفية الإصلاحية التجديديّة، ويمزجها مع المنابع الأُولى للتصوّف والعرفان الإسلامي, ولكنّه لم يخرج من خطِّ فقهاء المسلمين الأوائل، الذين عارضو السلطان الظالم، ودَعَو للجهاد ضدّ المستعمر والمحتَل، وبذلك أعطى محمد عبده للإسلام السُنّي روحاً جديدة، لا تعتمد على مركزية الدولة الإسلامية، ومركزية الإمامة السياسية، وتزكيتها حتى لو كانت بشَكل حاكم ظالم.

وبهذا خرج الشيخ محمد عبده من الوهابية المتحالفة مع عائلة واحدة لإمامة المسلمين, والمتحالفة مع الدول الغربية, وخرج من الصوفية التي تريد الابتعاد عن الشأن السياسي العام، والاكتفاء بالعبادة الفرديّة, أو الشعارات الباطنية, وخرج الإمام محمد  عبده من دائرة الجمود الديني، ودعا إلى تنظيف الثقافة والسلوك الإسلامي من البِدع والخرافات, ودعا إلى محاربة الجمود والتخلّف، وبذلك أسّس للإسلام السياسي المعتدل اللاطائفي، الذي يدعو إلى إصلاح البلاد والعباد، والى الاستقلال ومحاربة التبعيّة، وبذلك يكون قد دعا للمجتمع الإسلامي العادل، الذي يتساوى فيه المواطنون، ضمن إطار قوانين تضمن حقوق الجميع، من  أجل الرخاء والتقدّم والرُقي, قوانين تضمن التعليم الراقي والاهتمام بالمستضعفين والمحرومين.

وفي الحقيقة، فإن أفكار محمد عبده قد أثّرت على الإسلام السياسي الشيعي أكثر من الإسلام السياسي السُنّي, حيث سرعان ما رجع الإسلام السني نحو الاهتمام بالتحالف مع الدول الإسلامية المُتمذهِبة والحركة الإسلامية المُتمذهبة،  وهكذا أصبحت ـ خلال عقود من الزمن ـ جميع الحركات الإسلامية السُنية بيَد المَدّ الوهابي والسَلَفية الحركية, وانتصرت الدعوات لتوحيد المذاهب الإسلامية السنية تحت راية (أهل السُنّة والجماعة), حيث أُعطيت هذه الراية لدولة الإسلام السياسي الرسمي، وهي الدولة السعودية، واستمرَّت هذه المعادَلة حتى عام 1979 م ، وهو عام انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

إن الاسلام السياسي السني قد أُلهم من علماء دين مثل:

 

سيد أحمد خان (حركة ديوباندي في الهند) (1817 م ـ 1898 م).

شهد المفكر الإسلامي الحداثوي أحمد خان السقوط النهائي للسلطة الإسلامية المغولية (السنّية المذهب) عام 1857 م والتي استمرّت سبعة قرون، تحت وطأة ضربات الاحتلال البريطاني بعد أن دخلت بريطانيا البلاد منذ العام 1526 م ، وترافق ذلك مع حركة تبشير مسيحي واسع النطاق متعدّد الآليات والأساليب، حيث ظهرت أصوات تريد (تمسيح) الهند بالكامل. وقد كان هجوم المبشّرين المحتمين بمظلّة الاحتلال البريطاني، على النبي الأكرم (ص)، وخصوصاً ما كتبه السير "وليام موير" ((sr. w. muir [51] ، ما ساعد في تأجيج الجوِّ (المتأزّم أساساً) دينياً وسياسياً.

تأثّر السيد أحمد خان بتفسير الزمخشري وتفسير فخر الدين الرازي للقرآن الكريم، وبذلك حاول الخروج من التقليد الأعمى ـ كما اسماه بنفسه ـ الى العقلانية.

لقد واجه الإسلام السنّي في الهند ـ قبل الاحتلال البريطاني وبعده ـ تحدّيات داخلية وخارجية كبيرة، وهي تحدّيات قومية وطائفية وسياسية ودينية أيضاً.

أسّس أحمد خان تنظيماً وحركة دينية / سياسية كردّة فعل على الهيمنة البريطانية في الهند، التي أضعفت المسلمين الهنود أكثر من القوميّات الأخرى؛ في محاولة لإنهاض المسلمين؛ حيث معظمهم ينتمون للحركات والطرق الصوفية، وغارقين في التفسيرات القَدرية للحياة، ولأن السيد أحمد خان، والعديد من الهنود المسلمين، ينتمون للمذهب الحنفي، فإن السلفية القديمة والحديثة لم تكن قد تأسّست في الهند.

نشأت حركة ديوباندي في قرية ديابوند، الواقعة على بعد  150 كم من العاصمة نيودلهي، على يد سيد أحمد خان (1817 - 1898)، وهي حركة أسلامية انتشرت في جنوب آسيا، وكانت الحركة تتّخذ من الفقه الإسلامي، حسب المذهب الحنفي، محوراً مركزياً لها.

وتمّ بناء مدرسة دار علوم ديوباند في القرية عام 1866، وقامت المدرسة بتدريس ما يعتبره العالم الغربي بالمفهوم الحديث (الإسلام السياسي)!

ويمكن تلخيص مبادئ هذه الحركة بالتالي:

·  توحيد الله باعتباره أساساً عقائدياً وأيدلوجيّاً. وممارسة التوحيد سلوكاً ومنهجاً.

·  اتّباع السُنّة في كلّ صغيرة وكبيرة.

·  حُبّ الصحابة.

·  تقليد واتّباع المدارس الفقهية القديمة.

·  الجهاد في سبيل الله.

·  الدعوة إلى الابتعاد عن التصوّف الذي كان منتشراً في القارّة الهندية.

وفي مواجهته للمدِّ البريطاني، نصح أتباعه بتقبُّل الثقافة الغربية بصورة محدودة، مع عدم الانفتاح الكامل على الغرب، وكان يخطّط لإنشاء مؤسّسة تعليمية ضخمة، توازي في ضخامتها جامعة كامبردج، وقام بإصدار صحيفة باسم (تهذيب الأخلاق).

وتدريجياً نشأت خلافات بينه وبين الهندوس من جهة، والسلطات البريطانية من جهة أخرى، وعندما بدأت بوادر الأزمة في 1876؛ نتيجة إصرار الهندوس على اعتبار اللغة الهندية لغة رسمية بدلاً من لغة الأُوردو، عندها صرَّح احمد خان أنه كان ولفترة طويلة يعتقد: أن المسلمين والهندوس هم أُمّة واحدة، ولكنّه اقتنع أخيراً أن هناك خلافات جذرية، تمنعهما من أن يكونا أمّة واحدة.

وبالرغم من أن حركة سيد أحمد خان لم تكن مسلَّحة ولم تتّسم بطابع العُنف إلاّ أن آثار وأفكار هذه المدرسة كانت لها دور كبير في نشوء دولة باكستان، وحركة طالبان.

 

السيد محمد رشيد رضا ( 1865 م ـ 1935 م )

ولد السيد محمد رشيد رضا القلموني ونشأ في قرية القلمون، من أعمال طرابلس الشام، وهو بغدادي الأصل حسيني النسَب. تعلَّم في طرابلس ورحل الى مصر عام 1315 هـ، حيث لازمَ الإمام محمد عبده وتتلمذ عنده. وأصدر مجلّة المنار لنشر أفكاره في الإصلاح الديني والاجتماعي. وقد زار محمد رشيد رضا سوريا في أيّام الملك فيصل بن الحسين، وأنتخب رئيساً للمؤتمر السوري. وقد رحل الى الهند والحجاز وأوربا، لكّنه استقرّ في مصر وتوفي في القاهرة ودُفن فيها. له تفسير القرآن الكريم (12 مجلد) ولم يكمله[52] .

لرشيد رضا تأثير كبير في تأسيس وتأصيل الحركة الإسلامية المصرية، حيث أرسى مكوّنات (الإسلام السياسي الحديث)، الذي يجعل الإسلام أساساً للعمل السياسي والمواقف السياسية، وقد شجّع على تأسيس الحركات والتجمّعات الإسلامية، وقد تتلمذ على يده حسن البنّا، مؤسّس حركة الإخوان المسلمين، وهو صغير السن.

وبالرغم من أنّ معلم محمد رشيد رضا كل من (جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده)، إلاّ انه نهج منهجاً خاصاً للإصلاح الديني، حيث كان سلفياً على خطى الغزالي وابن تَيمية ومحمد بن عبد الوهاب، ولكنّه أوجد (سلفية أئمّة السلفية: تجديدية)، أثَّرت كثيراً على أتباع المذاهب الأربع، وعلى مريدي الطرق الصوفية في مصر. إلا أن أفكاره لم تؤثّر بتاتاً على الخطّ الوهابي السلفي في جزيرة العرب (المملكة السعودية).

إن قضية الإصلاح عند رشيد رضا من أبرز القضايا التي تصدّى لها، وسار فيها على هدى الأفغاني وعبده. وهي تبدأ بمحاربة الحكومات الاستبدادية والاقتداء بالأوربيّين في إقامة الحكومة الجمهورية والملَكية المقيدّة بالدستور[53].

دعا رضا المجتمع المسلم للعودة الى ينابيع الثقافة الإسلامية وفي مقدّمتها القرآن، واعتبر أن ذلك هو أفضل ردّة فعل على الثقافة الواردة من الغرب، بتأثير الغزوات العسكرية أولاً وعناصر الاتّصال مع الغرب، وبفعل التكنولوجيا الكاسحة ثانياً، والتي أبهرت عقول المسلمين.

لم يهتم محمد رشيد رضا بالمشكلة الطائفية وأثرها في تكريس الانقسام في الأمّة، وبالرغم أنه انفتح على المذهب السلفي والوهابي، إلاّ أنه لم يشعر بضرورة فصل الإسلام السياسي الرسمي، الذي يستفيد منه الحكام، عن الإسلام السياسي المعارض والناصح، والفاقد للأخطاء والخطايا التي يرتكبها الحكام. وقد حاول محاولات خجولة لتوحيد جهود الحكام والحدّ من النفوذ الأجنبي في بلاد المسلمين، مثل دعوة مؤسّس الدولة السعودية الملك عبد العزيز الى أن يتولّى مؤتمر إسلامي عام، تُدعى إليه إيران، بأن يكون هدف المؤتمر إبعاد الانكليز وفرنسا عن الحجاز ووضع نظام لحكومة الحجاز، من قواعده أن لا يكون لغير المسلمين أدنى نفوذ فيه، ولا وجود بأي اسم من الأسماء)[54]. وقد اعتبر رشيد رضا أن الوهابيين هم الذين يؤازرون الإسلام (اليوم) في جزيرة العرب، حيث يُبعث دين محمد (ص) من جديد.

 

أبو الأعلى المودودي ( 1903 م ـ 1979 م )

ولد المودودي في مقاطعة حيدر آباد في الهند، ومنذ صغره توجّه لدراسة اللغة العربية والفارسية وتراث الإسلام، بالاضافة الى العلوم الحديثة، وكذلك درس الفقه والحديث، واشتغل بالصحافة.

وقد جمع بين الثقافة الإسلامية والغربية، وقد تركّزت جهوده في الثلاث عقود الأوّل من القرن العشرين في رسم مستقبل مسلمي الهند، وقد أصبح أمير الجماعة الإسلامية عام 1941، وهو من أهم العلماء الذين دَعَو لتأسيس دولة إسلامية، إلاّ أنه بعد ظهور دولة بنكلادش، وعدم وحدتها مع باكستان، استقال من إمارة الجماعة، وتفرّغ للعمل الفكري حتى وفاته.

من مؤلفاته: (تفسير تفهيم القران 6 أجزاء / المكانة القانونية للسنّة / سيرة النبي 2 جزء "وهو آخر مؤلّفاته" / الإسلام والجاهلية / الجهاد في سبيل الله / نظرية الإسلام السياسية / الدين القيم) [55] .

يعتبر أبو الأعلى المودودي الشاقول المؤثّر في تأسيس وتحشيد وبلورة واستمرار الصحوة الإسلامية. ويتميز المودودي بتأثيره الكبير على الحركيّين الإسلاميين السنة والشيعة، بل إن أفكاره وكتبه وأبحاثه كانت ـ ولفترة طويلة ـ تدرس في الخلايا التنظيمية السرّية للحركات الإسلامية في مختلف البلاد واللغات.

لقد امتازت أفكار المودودي بكاريزما التأثير المستمر ـ وليس المؤقت ـ على الكوادر الحركية المؤسسة للحركة الإسلامية.

منذ أربعينيّات القرن الماضي، حيث بدأت أفكاره بالانتشار، باللغة العربية والفارسية والانكليزية، بالاضافة الى الأوردوية، وهو العالم الوحيد الذي امتلك معيناً لا ينضب في الفكر الحركي، وقد كانت أهمّية هذا النوع من الفكر الحركي على ضوء العلوم الإنسانية الحديثة، كـ(علم الاجتماع والنفس وعلوم الأنسَنَة)، بالاضافة الى اطلاعه الكبير في نظريّات حركية التأريخ؛ لذا فإن فكر المودودي، أثّر في القادة المؤسّسين للحركات الإسلامية، كسيد قطب وغيره، بل إن حركيّته في الفكر أثّرت منذ عام 1956 م ، وهو العام الذي بدأ به الارتحال الى مختلف بلاد المسلمين، واستمرّ في ترحاله حتى عام 1974 م ، أثّرت في تأسيس ما نسمِّيه (الحركات الأُمميّة الإسلامية).

إن ثنائية سيد قطب ـ المودودي، أسّست الصحوة الإسلامية في معظم البلاد العربية والعالم الإسلامي، حيث اكتملت أفكار المودودي ذات السمة الحركية بفكر سيد قطب، الذي امتاز بالغزارة والعمق والبلاغة والولوج بمختلف قضايا ومناحي الحياة.

إن شدّة وصرامة فكر سيد قطب، قد غطّت على توافقية المرشد العام الشيخ حسن البنا، وكان لهذه الصرامة تداعياتها داخل المؤسّسة الحركية الهائلة للإخوان المسلمين، في بذر بذرة العُنف الخارجي والتشظّي الداخلي. ولم تكن هناك مفاجئة بأن يتم استخدام أرشيف السيد قطب الفكري الهائل والمتنوع وقوي الحجة والاستدلال من قبل المؤسّسة الدينية الوهابية باسم (السلفيّين الحركيين).

يقول الدكتور حسين سعد، في كتابه الأصولية الإسلامية العربية المعاصرة.. بين النص الثابت والواقع المتغير:

" بعد معالجة إشكالية العقل الأصولي عند كلا الإمامين الإسلامييّن البنّا وقطب، نرى أنه صار بالإمكان إجمال النتيجة العامة التي توصلنا إليها:

1.     مع أن البنا وقطبا ينتميان الى حقل معرفي متشابه، يكون الوحي دلالاته وتعاليمه. والى إطار سياسي واحد، هو تنظيم "الإخوان المسلمين"، ويتطلعان كذلك الى غاية واحدة، هي إعادة إحياء الإسلام، فإنهما يفترقان في أمور كثيرة على مستوى النظرية والممارسة على حدٍّ سواء.

2.     البنّا بقي داعية ومرشداً، سعى الى إحياء الإسلام في الحياة المصرية، وإنما نادى بأممية إسلامية، فالتفت الى المشابهة بين الإسلام والنُظم القائمة. فنظام الحكم في الإسلام لا يختلف في الأساس عن النظام الديمقراطي الدستوري البرلماني . لقد هادن البنا الملكية المصرية أول الأمر. وخاطب الملك ورجال الحكومة داعياً للأخذ بالإسلام ديناً ونظام حياة . أما قطب، فقد تقلّب بعلاقات مع غالبية القوى السياسية في مصر عشية ثورة الضباط الأحرار عام 1952، وكان على صلة طيّبة بها أول الأمر، ثم ما لبث أن خرج عليها بعدما لَمس أنه غير قادر على التأثير على مجرى سياستها وإيديولوجيتها، لجهة حملها على الامتثال لمبادئ الإسلام وقواعده في الحكم. وشكّل هذا الخروج منعطف التحوّلات في فكر الرجل وسلوكه السياسي، وتحوّل من (الإسلام الثوري الاجتماعي) الى (الإسلام المستقبلي النظري) في هذا الدين، والمستقبل لهذا الدين[56] . وصار مع الوقت منظِّر الحركات الإسلامية الأصولية، ليبلغ الذروة مع معالم في الطريق. وذلك على قاعدة التنظير للانقلاب الثوري على النظم القائمة في مصر وديار الإسلام.

3.     إن ثمّة فرقاً هائلاً بين الداعية والمنظّر. البنّا كان داعية، لذا طغى على منطقه طابع الخطابة الموجّهة الى العاطفة والوجدان، فلم تصمد مقولاته أمام الفحص المستند الى الأدلة القياسية المنطقية، فظهرت إشكالياتها جليّة واضحة. وقطب على خلافه، اتصف بأنه منظّر وإيديولوجي، فطغى على منطقه أسلوب القياس الجدلي، واتّجه الى العقول ، يحلّل ويقارن ويفاضل، ولم تخل محاولاته من ضعف في البناء النظري للأفكار.

4.     يعتبر البنّا أقرب الى السلفية التوفيقية، إذ تأثّر بمحمد رشيد رضا، آخر حلقات الإسلام الإصلاحي النهضوي، وافتقد العمق النظري في التبحّر في الآيات. ومع أن قطبا يعدّ امتداداً لفكر البنّا، فإنه تأثر أكثر بمفكرين إسلاميين معاصرين، هما: الندوي والمودودي؛ فبرزّ سلفه البنّا على غير مستوى، وفاقت كتاباته كتابات "المرشد". وتبحّر في الآيات مخرجاً عملاً رائعاً (في ظلال القران) يمتدّ الى ثلاثين جزءً، في تفسير الكتاب الكريم بقراءة عصرية ، تطلّ على مفاهيم الاجتماع والاقتصاد والسياسة. وترك كتابه معالم في الطريق تأثيره على التيارات الرئيسية في حركة الإسلاميين، وأصبح في النهاية البرنامج العام أو (المانيفيستو) لمعظم الإسلاميين، مؤذنا بأفول نجم المؤسّس المرشد.

هكذا انتهى البنّا وقطب ، كمفكرين أصوليين سنّيّين، الى تأصيل نظرة الإسلام السنّي، واثبتا قدرة العقل الإسلامي على استنباط ما اعتبراه حلولاً شرعية لقضايا العدالة الاجتماعية ونظام الحكم والدولة العادلة. فكيف نظرت الأصولية الشيعية الإمامية الى هذه القضايا عينها؟ وأين التقت مع نظيرتها الأصولية السنّية، وأين اختلفت؟

هذا ما سنبيّنه في القسم الثالث مع محمد باقر الصدر في فصلين متتاليين[57].

 

يعتبر المودودي (1903 - 1979) من الشخصيات الدينية البارزة في تأريخ باكستان، فقد كان متأثراً بتعاليم حركة ديوباندي. وكان المودودي ينادي لإقامة دولة أسلامية يتمّ فيها تطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي عام 1941 أنشأ المودودي مجموعة (جماعتِ اسلامي) أي: الجماعة الإسلامية. وكانت عبارة عن: حركة أسلامية سياسية. وتسيطر هذه الحركة في الوقت الحاضر على 53 مقعداً من المقاعد البرلمانية البالغة عددها 272 في البرلمان الباكستاني. ويعتبر المودودي الأب الروحي، ومن أوائل منظّري الصحوة الإسلامية الحديثة؛ حيث تأثّرت به مدرسة الإخوان المسلمين المصرية، ومن بعدها التيار الحركي السلفي في السعودية. ويعتقد بعض المؤرّخين أن سيد قطب من حركة الإخوان المسلمين قد تأثّر بأفكار المودودي، ويعتبر قطب والمودودي من مؤسّسي تيّار ما يسمّيه البعض (الصحوة الإسلامية).

تعرّض المودودي إلى الاعتقال بسبب انتقاداته الشديدة والمتكرّرة للسياسيّين في باكستان، لعدم اعتمادهم على تعاليم الدين في رسم سياسة الدولة. ومنذ عام 1956 إلى عام 1974 قام المودودي بمجموعة من الرحلات لنشر أفكاره على شكل محاضرات في مدن عربية وأوربية مختلفة.

 

 


 

العوامل الذاتية وتدافع القوى والأيديولوجيات الحاكمة في المجتمعات الإسلامية.

 

منذ بداية السبعينات، أصبح الإسلام السياسي ذو أبعاد متعدّدة وتوجّهات مختلفة، ولم تكن النهضة الإسلامية حافزاً يدفع بُناتها وقادتها ومفكّريها باستشراف المستقبل على أساس تغيير الذات قبل تغيير الواقع، بل إن هذه النهضة حملت منذ بواكير بدايتها ذات الأمراض ـ بنسب مختلفة ـ التي حملها أسلافها، وأدّت إلى الهزيمة والتشتّت والضياع والتخلّف، بل إن هذه النهضة الإسلامية الأصولية التي أصبحت في الصدارة، وأخذت مكان القومية واليسارية والشيوعية، استعارت من هذه أو تلك استعارات ستُكرِّس التشظّي وعم الواقعية فيها, وتضيف إلى سلبيّاتها (الماضية) أمراضاً جديدة, لكن هذا لن يظهر إلا في عقد التسعينات.

إذن، عاشت الحركات الدينية الإسلامية أوج اندفاعها وأقصى محاولاتها للقفز على سدّة الحكم في بلدانها في عقدي السبعينات والثمانينات, حين ألحقت هزيمة شاملة بالخطّين المنافسين الماركسي والقومي.

كانت انعطافات السبعينات من القرن الماضي في بلادنا بالشكل التالي:

1. التحوّل الكبير في الخطاب الديني، الذي بدأ على شكل خطاب دفاعي, يحاول التلاؤم مع العصر الحديث والعلوم التجريبية، التي كانت مندفعة بشكل كبير في مسيرة التشكيك بالدين، وهذا الخطاب الدفاعي بدأ في بلادنا مع دخول موجة العلمَنَة التي شجّعتها الحكومات من جهة, والدول الغربية من جهة أخرى, والماركسية من زاوية ثالثة.

أمّا في السبعينات، فقد تحوّل الخطاب الإسلامي والإسلاموي ـ بعد أن تشجّع؛ بنجاحاته وانتشاره مقابل فشل الأطراف الأخرى ـ إلى البحث في تفاصيل (أسلَمَة المجتمع), والصراحة في مواجهة الواقع، بالإشارة إلى تغلْغُل الجاهلية في كلّ مرافق الحياة، ولا مناص من الرجوع إلى قِيم الإسلام الأصيلة, وذلك من خلال هَدم قِيم الجاهلية وبناء المناقبية الإسلامية.

2. اكتساب الحركات الإسلامية تجارب مُتعدّدة، بعد انفتاحها الثقافي على العالم الخارجي، بحيث استطاعت أن تقوّي أساليبها التنظيمية، وتكتيكاتها في الدعوة والإرشاد وكسب الأفراد، مُستخدِمة الأساليب العلمية الحديثة.

3. الهجرة الكبيرة والواسعة لأفراد وكوادر الحركات الإسلامية. وهي هجرة على الصعيد الإقليمي والدولي، ممّا أتاح لهذه الحركات إمكانات متنوّعة، وأعطاها اختيارات ستُعينها في احتواء الضربات السياسية والأمنيّة ضدّها.

4. استرجاع الإسلام الرسمي وإسلام الحكومات لمكانته, وتَمَظهُر الحُكّام بمظاهر التديّن، بعد أن كانت المحافظة والعسكرتارية هي سِمة هذه الحكومات، وقد عزَّز ذلك من مكانة الإسلام الرسمي الكلاسيكي، وهو إسلام الملوك والأمراء، وقد جاء هذا التحوّل نتيجة عدَّة عوامل، منها:

 

* بروز الملك فيصل بن عبد العزيز كإمام للخطِّ السلفي الوهابي، ونجاحه الكبير كمَلك، بحيث استطاع أن يكوِّن قيادة جديدة للعالم العربي والإسلامي.

إن تديّن الملك فيصل، وحياته النزيهة، جعلته في مقام القيادة الذي تصدَّع في الفترة الماضية؛ نتيجة الهوَّة بين الدين والسياسية في السعودية.. بين واقعيات الدولة الحديثة والملكية، وبين مثاليّات التديّن السَلَفي وتصوّرات أئمّة الوهابية للسلطة والحكومة والأمر بالمعروف والجهاد. وقد استطاع الملك فيصل أن يطبع تغييرات جوهرية في بُنية مؤسّسات الدولة السعودية، على أُسسٍ حديثة ومُنفتحة على العالم الخارجي, وفي ذات الوقت تقنين العلاقة بين المؤسّسات الدينية والدولة، و(سيكون الملك فيصل ضحية هذه العلاقة المتناقضة؛ حين تمّ اغتياله).

أمّا إمامته للخطِّ السلفي الوهابي، فقد أُتيحت له فرصه لم يستطع أسلافه من العائلة السعودية ـ في دولتهم الأولى والثانية ـ  أن يتجرؤوا على الاستفادة منها, وهي المُمازجة الكبيرة التامّة بين الوهابية والمذاهب الأربعة, ممّا أتاح لمُمازجة حركيّة ـ لم تحدث في تأريخ الحركات الدينيّة والاجتماعية الإسلامية ـ منذ القرن الخامس الهجري ـ بين أتباع هذه المذاهب جميعاً، بحيث دخلت الحركة الإسلامية, وخصوصاً حركة إخوان المسلمين, بمختلف فروعها، في المؤسّسات المرجعية الفقهية والفكرية الوهابية، وبالتالي السياسيّة منها، وفي مرافق الدولة السعودية. بل إن المذاهب الصوفية في العالم الإسلامي بدأت بالاضمحلال والتحوّل نحو السَلَفية، وبالذات نحو المذهبية الواحدة والوحيدة (في العالم الإسلامي السُنّي)، وهو مذهب (أهل السُنّة والجماعة)، الذي تقوده مرجعية سَلفيّة وهابيَّة؛ وبذلك برزت مرجعية إسلامية جديدة، وملك/إمام، وضعَ نصبَ عينيه تحرير فلسطين.

والملاحظة المهمّة أنّ توجّهات الملك فيصل لم تكن طائفية، ولم يَرِد مُطلقاً أن يستعمل ورقة الطائفية لتكريس الانقسام[58], وهكذا وُلدت الحركيّة السَلَفية في المذهب الوهابي، والحركية الجهادية في المذاهب الأربعة, واتّحدت في ظلّ أموال النفط؛ لتكوّن جيشاً ـ غير رسمي ـ للإسلام السياسي الرسمي.

ولأوّل مرّة في تاريخ المنطقة الحديث، يبرز زعيم عربي يمتلك كل مقوّمات القيادة، ويمتلك شرعية ومصداقية الزعامة، حسب مقاييس الشارع العربي، وكانت معارضة اليَسار الشديدة لهذا الزعيم عامل تَقويَة له.

لقد استطاع الملك فيصل بن عبد العزيز أن يشهر أقوى سلاح (في حينه)، ويُفاجئ العالم باستعمال سلاح النفط؛ لتحقيق مطالب إستراتيجية محدَّدة وهي قضية فلسطين.

* الموت المعنوي، وعلى أَثره المادِّي، للاشتراكية القومية في العالم العربي، وذلك نتيجة عوامل داخلية ذاتية. وبموازاة ذلك، موت اليسار والماركسية في العالم العربي والإسلامي، نتيجة عوامل ذاتية وعوامل خارجية؛ (محاربة الغرب لهذا التيّار).

انتكست القومية الاشتراكية انتكاستين، أدَّت كل منهما إلى تعزيز النهاية المحتومة لها:

الأُولى: نكسة حزيران وانتكاسة العرب فيها.

والثانية: وفاة زعيم القومية الاشتراكية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، التي ستؤدِّي إلى انتهاء عهده.

لقد كانت هزيمة العرب في عام 1967م كارثة أصابت الخطّ القومي بالصميم. لقد فتح هول هذه الهزيمة الباب أمام المعارضة الجماهيرية الجذرية لكلّ أنظمه ما بعد الاستقلال, حيث تلى هزيمة هذه الأنظمة إفلاسها تماماً, فالإسلام الكلاسيكي قبل عام 1970م ، والذي تمسّك به رؤساء وملوك عرب، يقمع الحركات الاجتماعية بحُجَّة أنها دعوات مُلحدة، بعُنفٍ وقسوة، وهو يحمل سيف القُدسية والشرعية، ولكنّه لا يستطيع الدفاع ـ حتى مجرَّد الدفاع ـ عن حَرم الأُمّة وحدودها (على الأقل).

يقابل ذلك موجه شوفينية تقودها طوباوية يسارية، هما قمع الدين والتديّن، بحُجّة أنه رجعي، والتَفنُّن في تعذيب الإسلاميين، لا يقلّ عن فنون تعذيب اليساريين والثوريين في سجون الدول المحافظة (المُتديّنة).

إن قطيعة الشعوب ـ العربية بالخصوص ـ مع حكوماتها، سواء التقدّمية أو المحافظة، بعد نكسة حزيران، فجَّرت تحوّلاً كبيراً يشكّك في بُنية الدولة العربية الحديثة, ممّا أعطى شرعية متماهية لكلّ أنواع المعارضة (أيّاً كانت)، وبالذات للحركات الثورية الانقلابية المقاتلة[59]، حتى أن المقاومة الفلسطينية التي أصبحت الرمز الجديد للعالم العربي، بدأت تدعو وبـ(صراحة) إلى تغيير الأنظمة العربية (الفاسدة).

أمّا في مصر، فقد كانت الاحتجاجات الطُلابيّة والعمّالية عوامل أساسية في تكوين عقلية الحاكم المصري، في تَبنِّي سياسات إسلامية/يمينية، ضدّ القوى اليسارية التي كانت تعيش أساساً أيّامها الأخيرة.

لقد تغيرّت القطيعة عند المنعطف الكبير باندلاع الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 م ، (حرب رمضان ـ أكتوبر)، إذ برز الإسلام السياسي مُتحالفاً مع الأنظمة ـ النظام المصري والسعودي ـ ، ومعه جميع حركات إعادة التأكيد على (الهوية الإسلامية) الثورية والاجتماعية والدَعوية, إلاّ أننا نجد ـ في ذات الوقت ـ بروز حركات الإسلام السياسي المعارضة للأنظمة، في أماكن مُتعدِّدة من العالم الإسلامي، مثل: باكستان / العراق / إيران / البحرين / الجزائر..

* الثراء الفاحش المُفاجئ للإسلام السياسي الرسمي، جعله في موقع الصدارة من العالم الإسلامي، وقد كان هذا المال الدَم المتدفِّق الذي أحيا شرايين المؤسسات الدينية، التي بدأت تدعو لكلّ أقسام الجهاد: الجهاد السلمي الدعوي ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ الجهاد الدفاعي ـ الجهاد الاستباقي الهجومي، وهو بمعنى أخر: الجهاد ضدّ الجاهلية, ومن أجل إعادة أسلمة المجتمع.

إن الارتفاع التأريخي في أسعار النفط، جاء في وقته تماماً, حيث انتصر للتوِّ سلاح النفط في حرب عام 1973 م ، التي نصرت الإسلام والعروبة المتأسلمة وليس (العروبة العلمانية) على إسرائيل، والتحوّل الكبير في المملكة العربية السعودية، (عاصمة البترول)، من المُحافَظة إلى الإسلام السياسي، ومن السَلفيّة الوهابية إلى السَلفية الجهادية الحركية، ومن الوهابيّة إلى مذهب أهل السُنّة والجماعة.

وهكذا أصبح للإسلام السياسي الرسمي من التمكين والموارد، بحيث تمّ افتتاح المساجد والجمعيات الخيرية والمراكز الدينية, ورَفْد التجمُّعات الثقافية الإسلامية بالمال والفكر والدُعاة, وقد تمّ ذلك في كل بلدان العالم الإسلامي, وبلدان المَهجر الأوربية, حتى أن المَدّ الإسلامي طال الطلبة والمهاجرين المسلمين في بلدان أوربا الشرقية أيضاً، ورافق ذلك رَصد إمكانات مادِّية وبشرية، للدعوة إلى الإسلام في صفوف نُخبة العلماء والمستشرقين الأوربيّين. وربّما يكون أقوى انتصار للإسلام السياسي الثري هو في باكستان، حيث استطاع المال الإسلامي، والتَمَذهب الرسمي، بناء أكبر مجتمع إسلامي سَلَفي؛ ليقضي على الحركات الصوفية التي كانت تقود باكستان. وسوف ينفذ هذا الإسلام السياسي في صفوف الجيش والقبائل، وهما عُمدة المجتمع الباكستاني، وينتهي ذلك بالانقضاض على مَوْجَة اليسار الليبرالي غير الطائفي، أي:( إعدام ذو الفقار علي بوتو من قِبل الإسلام السياسي).

إن ثراء الإسلام السياسي الرسمي جعله في موقع المنتصر على كل صعيد، ممّا أنهى بقايا الماركسية واليسارية في العالم الإسلامي، وفي دول المنطقة بالذات، حتى الأنظمة ذات الشعارات اليسارية ـ مثل بعث العراق وسورية ـ أصبحت في منتصف السبعينات يَمينيّة بحقّ، ولم يَدُر بخُلد الإسلام السياسي أنه يحمل في رحمه مولوداً لا يرتضيه، وسوف ينقلب عليه في أيّام فِطامه الأُولى، وسوف ينقلب على نظام الإمامة التي دَعا لها، ليكوِّن لنفسه إمامة وإمارة إسلامية جديدة.

* تقارب الحكومات مع الغرب، وتأثّر النُخب الحاكمة بمَوجَة اليمين الغربي المُتديِّن والعلماني في ذات الوقت[60]، نتيجة التحوّلات الاجتماعية والسياسية في بُنية العالم الغربي، والتي بدأت فيها مَوجَة الرجوع للدِّين تُسيطر على الساحة الثقافية والاجتماعية، حتى في الأحزاب الليبرالية، وذلك كردَّة فعل على الانحلال الخُلقي في المجتمع الغربي. وقد برز رئيس متديّن في أمريكيا، كردّة فعل على مفاسد السلطة، وهو الرئيس "جيمي كارتر"، مع أنه من الحزب الديمقراطي, وبدأ هذا الرئيس استعمال المصطلحات الدينية واللاهوتية في خطاباته، مع دعوته لمبادئ حقوق الإنسان والحرية للشعوب، إلاّ أن تحالف الحكومات العربية والإسلامية مع الغرب كان مع اليمين الأمريكي بالذات.


اليمين الأمريكي

 

إن موضوعة تأثير اليمين الأمريكي في تأسيس (الإسلام السياسي الحديث) يتعدّى مجرّد التشجيع على دعم الحركات المضادَّة للماركسية، ونعتقد أن هذا البحث الحسّاس يحتاج إلى الدقَّة والإنصاف والموضوعية، التي من النادر أن يتحلَّى بها الباحثون المُحدَثون. ونحن نعتقد أن اليمين الأمريكي الذي (اكتشف) أهمّية الإسلام في وقت مبكِّر، ومثلما صاغ آليّات ضرورية لوضع المسيحية ـ بشِقَّيها البروتستانتي والكاثوليكي ـ في حربه الضروس ضدّ (أعداء الرأسمالية)، فإنه قد وضع أُسساً للتعامل مع الإسلاميّين. والملاحَظ أن اليمين الأمريكي أخفق مع الإسلام السياسي إخفاقاًَ كارثياً، ليس بسبب عداء الإسلاميّين الأيدلوجي مع الغرب المسيحي (كما يتصوّر البعض)، بل بسبب مَصلحيّة اليمين الأمريكي، وعدم استعداده لتفهُّم الوضع الخاص للعلاقة الإسلامية والعربية مع الغرب، وعدم إنصافه لمتطلَّبات هذه العلاقة.

أمّا خطأ الإسلاميّين، فقد كان بالاكتفاء بالتحالف ـ من وراء الكواليس ـ مع رموز المال والأمن في أمريكا، من دون الاهتمام بالجامعات والنُخب المثقَّفة والرموز الدينية، ومن هنا يمكن فهم ردَّة الفعل الأمريكية المفاجئة والكبيرة والقاسية إلى حدِّ الشراسة، في التعامل مع الإسلام السياسي الجماهيري، الذي يسعى إلى التغيير الجذري في المجتمعات الإسلامية. وهذا التعامل يذكّرنا كيف تعاملت أمريكا مع الحركات اليسارية الجماهيرية مثل فيتنام، في الوقت الذي كانت تشجّع الإسلام السياسي الذي يُقاد من قِبل حكَّام وأنظمة دكتاتورية متحالفة معها.

ويبدو ـ من خلال شواهد عديدة ـ أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تُفضّل التعامل مع رموز الإسلام السياسي كأفراد وليس كحركات ومؤسّسات، سواء الرموز التي تعمل بصورة فرديّة أم الرموز التي تنتمي إلى حركات وتجمّعات.

ولا يشذّ من هذه القاعدة سوى حركة القاعدة، التي دُعمت بالكامل كمؤسّسة حركية جهادية ضدّ الاتحاد السوفيتي واحتلاله لأفغانستان.

لم يستطع اليمين المتديّن الأمريكي لوحده من قيادة العالم ضدّ الاتحاد السوفيتي أوّلاً، ثم ضدّ الإسلام السياسي والحركات الدينية الإسلامية (حتى غير السياسية) ثانياً، وكان لابد له أن يضع لكلِّ القوى الحليفة شعاراً واضحاً وهدفاً محدّداً، وهذا ما اقنع الجميع بالدخول في نادي الحلفاء الجديد، لتحرير العالم من قوى (الشرِّ والظلام)، وكم كان سهلاً أن يتمّ تشديد اللائحة السوداء، كلّما انتهى هدف يستبدل بهدف آخر.

أمّا المرحلة، فقد كانت الاستبدال الكامل بقوى الشرّ والظلام الحقيقية، وهي بالمجاعات والفقر والإحباط لدى الشعوب المغلوبة، والتصحّر والتخلّف بقوى الشرّ والظلام غير الحقيقية، ولكن الظاهرة للعيان وبغباء وسذاجة وهي حركات استعملت جميع شعاراتها وتحشيداتها الحاقدة لتكون مادّة لتدميرها من الداخل والخارج.

السؤال الأساسي: كيف استطاعت شريحة صغيرة داخل اليمين الأمريكي والأوربي أن تقود المجتمعات الدينية والثقافية والسياسية المتديّنة في أمريكا وأوربا، والتي هي بعيدة ومتباعدة عن الوصول إلى سدّة الحكم؟

وهذا السؤال يجرُّ إلى سؤال آخر، لا يقلّ أهمّية عن سابقه، وهو: كيف استطاع اليمين المتدين أن يُمأسِس وضعه الداخلي وعقليته الثقافية المُأطَّرة، ليقود المجتمعات الأوربية التي تصارعت مع الدين والتديّن في أعنف وأطول حرب ثقافية عرفتها البشرية، أي منذ بداية عصر التنوير وحتى القرن العشرين؟

وكيف انقلب سحر الإلحاد في قرن الإلحاد (القرن التاسع عشر)، ليتحوَّل القرن العشرين ويُصبح قرن دفن العلمانية المُلحدة؟

ثم يجرّنا هذا السؤال إلى تساؤل لا يمكن الإجابة عليه، ونحن في بداية عصر ردَّة الفعل الليبرالية المتديّنة، التي تدعو إلى مجتمع الأخلاق في ظلّ الدين، (وكأنها دعوة صوفية عرفانية)[61]، ويدعو إلى التشدّد المُفضي إلى إحياء الضغائن المدفونة، والتساؤل هو: هل انتهى العالم من الحروب الدينية والمذهبية الجديدة ـ القديمة؟ أم أن كل طرف رجع إلى خطِّه الدفاعي الأوّل، ليلتقط أنفاسه ويبدأ من جديد ولكن بعد حين؟

لم يُبدِ الإسلاميون انتباهاً لدراسة الغرب وأمريكا (من الداخل)، ولم يُعيروا أهمّية لإقامة توازن في العلاقة مع التيّار الليبرالي الأوربي والأمريكي، بالرغم من إمكانية ذلك، على الأقل بسبب وجود الجاليات المسلمة والكوادر الإسلامية المثقّفة في أوربا.

وكان لعدم اهتمام الإسلاميين بإقامة علاقة مع الليبراليين وأحزابهم عدّة أسباب:

·       ميل الإسلاميين للمحافظين الأوربيّين باعتبارهم أقرب للتديّن والمحافظة.

·       تركّز وجود الرأسماليين المحافظين في المؤسسات العسكرية والأمنية جعل ارتباطهم بالجماعات والأفراد ارتباطاً يسيراً وسهلاً.

·       المحافظون أكثر جدّية في محاربة اليسار والشيوعية في العالم الإسلامي.

·       اهتمام اليمين المحافظ في السيطرة على منابع رأس المال الأجنبي المتوفر في بلدان النفط والمعادن، ممّا يعزِّز سيطرته على مقدّرات السلطة محلياً. حتى أن اليمين المحافظ استطاع ـ بعد مخاض طويل ـ أن يحكم سيطرته على موارد السلطة الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، وعلى مراكز توجيه التعليم والتربية في أمريكا أو بريطانيا، وبدأت هذه السيطرة جدّياً منذ أواخر السبعينات.

إن ايديولوجيا اليمين الجديد في أوربا وأمريكا الشمالية، والتي تبلوَرت في مراكز الدراسات الإستراتيجية، وفي أروقة مراكز القرار، المسيطرة على زمام الاقتصاد والأمن وتجارة السلاح، كانت هذه الايدولوجيا قد نشأت استجابة لأزمات داخلية، بين العلمانية والتديّن، وبين الرأسمالية ودعوات المساواة والعدالة، وبين العنصرية و(اللاسامية)، مع بروز ثورات اجتماعية يقودها الطلاب ذَوو الميول اليسارية، يقابلها دعوات متشدِّدة يقودها المتدينون.

ولا ننسى الطفرة الصناعية الهائلة التي غيّرت شكل وهيكليّة المجتمعات الغربية والأمريكية، منذ أواسط الستينات. إن هذه الأزمات تجمَّعت خلال أكثر من عقد من الزمن، لينتصر فيها اليمين ـ وفي الوقت المناسب جداً ـ في بداية عقد الثمانينات، في أهمِّ دولتين غربيتين ( أمريكا وبريطانيا ).[62]

كانت هذه الأزمات من الخطورة والتعقيد والأهمية بحيث كادت تغيِّر شكل النظام الرأسمالي تغييراً جذرياً.

       ومن هنا، كان الصراع والتدافع الداخلي، الثقافي والاجتماعي والسياسي، من الحدّة بحيث استعملت فيه لأوّل مرّة في تاريخ الحرب ـ منذ القرن السابع عشر ـ سلاح الدين، مقروناً بالعلم الحديث (:العلوم التجريبية).[63]

إن العوامل الداخلية لهذه الأزمات ترافقت مع عوامل خارجية، لتزيدها خطورة وتعقيداً، حيث كانت القارّات الفقيرة الثلاث ( آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ) تشتعل بنار الثورات القومية ذات الطابع الراديكالي، الداعي إلى التخلّص من نَير الاستغلال السياسي والاقتصادي، والمتمثّل بالاستعمار الجديد، وتدعو إلى التحرّر من بقايا الاستعمار القديم. وكان هذا نذير شؤم للواقع الرأسمالي الغربي، بأن الموارد الطبيعية الرخيصة، والأسواق المستهلكة للصناعات الأوربية، والقواعد العسكرية والأمنية ذات الأهمّية الإستراتيجية في صراع الغرب مع الكتلة الاشتراكية السوفيتية، من الممكن فقدانها إلى الأبد، وهذا يعني انتهاء ستّة قرون من السيطرة الغربية على هذه القارات.

أما في أوروبا الغربية (ما عدا بريطانيا)، فقد كانت التحوّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تتسارع، في صالح استعادة القوى اليسارية لقوّتها، ليس في الشارع فحسب، بل في السلطة والحكم؛ حيث فوجئت القوى الدينية والمحافِظة الرأسمالية بتأسيس الأحزاب الاشتراكية الأوربية ( في أواسط الستينات)، وهذه الأحزاب لم تتوحّد وتدعو إلى وحدة أوربا على أُسس ليبرالية جديدة فقط، بل إنها وصلت، وبوقت قياسي، إلى قمّة الهرم السياسي في أكثر من دولة أوربية. لكنّ اليمين الجديد في أمريكا وبريطانيا استطاع تغيير مسار هذه الأحزاب، وتوجيهها ضمن استراتيجية اليمين المحافظ الكونية، مقابل الشيوعية والإسلام.

لم تكن المفاجأة أقل حين بروز حركات ثورية مسلّحة وسرّية، تدعو لتدمير النظام الرأسمالي الإمبريالي ـ حسب وجهة نظر هذه الحركات ـ، وذلك في قلب أوربا الغربية (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا بالإضافة إلى إسبانيا). وكان تحدّي الجيش الجمهوري الأيرلندي للمملكة المتّحدة يهدّد عظمة بريطانيا في الخارج، أكثر ممّا يُهدِّد وحدتها الداخلية.

وفي الحقيقة، فإن التحدّي الليبرالي في بريطانيا لا يقلّ خطورة عن تحدّي الأحزاب الاشتراكية في بقية الدول الأوربية، فمنذ عام 1986م ظهرت حركات اليسار الجديد في بريطانيا وأمريكا، وبدأت تتحدّى (الحتمية الطبقية)، المتبنّاة من قِبل الطبقة الحاكمة ونُخبة المجتمع، وكانت هذه الحركات تدافع عن (البروليتارية) التي تعيش في مجتمعات النفايات. وهذه الطبقة التي كانت قد استُجلبت بعد الحرب العالمية الثانية، وبكثرة، من بلاد الكومنولث الجديدة ـ خصوصاً من آسيا وإفريقيا ـ لتعويض العجز البالغ في قوّة العمل، وفي أمريكا ضمَّت هذه الطبقة أعداداً كبيرة من السود والنساء التي أُلحقت في قوّة العمل الصناعية، وفي القوات المسلّحة الأمريكية.

ولأن الازدهار الاقتصادي في الغرب، والذي بدأ بعد الحرب، كان قصير الأجل، حيث واجهت أمريكا وبريطانيا ـ أكثر من غيرهما ـ في أواخر الخمسينات وأوائل الستّينات مصاعب اقتصادية.. في هذا الوقت العصيب، نهض الذين كانوا مجرّد أجانب، وقد أضحوا مهاجرين (رسميّين)، وبدؤوا يطالبون بالعمل والخدمات الاجتماعية من اقتصاد منكمش أساساً، بالإضافة إلى مواطنين من الدرجات الواطئة في هذين البلدين، حتى أضحى الشعور العام بأن الأغلبية تعيش حصار مستمر من الأقلية، وأصبح كفاح الطبقات الضعيفة اقتصاديا،ً والمهمّشة اجتماعياً (كالسود في أمريكا)، كفاحاً يحمل سمات راديكالية متطرّفة، حتى أن السجون بدأت تُخرّج مناضلين من أجل الحقوق العامّة، وهؤلاء بدؤوا بتفسير لاهوتي للجريمة.[64]

أمّا النقابات في كل من بريطانيا وأمريكا، وهي تمثّل حركات سياسية واسعة وذات تأثير كبير، فقد صعّدت من مواقفها وتوقّعاتها من الرأسماليّين ومن الحكومة، أما الطلبة، فد بدؤوا في ثورة ليبرالية، وهم يتحدّون شرعية جامعاتهم ومدارسهم. وأنكرت جموع الشباب الأمريكي حقّ الدولة وسُلطتها في تجنيدهم، وكان خروج القوات الأمريكية من جنوب شرق آسيا (فيتنام وكمبوديا) في أواسط السبعينات، فقد اعتُبرت هزيمة للرأسمالية الأمريكية أكثر من كونها هزيمة عسكرية للجيش الأمريكي، بدليل أنها كانت قد أثّرت في عُمق الضمير الأمريكي، ودقّت ناقوس الخطر عند المتديّنين المسيحيين، بأن الاتحاد السوفيتي الشيوعي انتصر في جولة وعليهم أن يعدّوا العدّة للانتصار في جولة قائمة، وساهم ذلك في تمزيق النسيج الاجتماعي الأمريكي إلى جبهتين، ما بينهما هوّة سحيقة.

تأسيساً على ذلك، لم يكن رأس المال الخاص، والدولة التي تعكس إلى حدٍّ كبير مصالح رأس المال، لم يكن لأيّ منهما القدرة على التنازل عن سلطات جوهرية، دون المساس بوجوده الذاتي والموضوعي الذي لا ينفكّ عن وجود الآخر. وكان على الدولة أن تزيد من تحكّمها وقبضتها، ليس على رأس المال، بل على مؤسّساتها العسكرية والأمنية داخلياً وخارجياً. حيث إن الطبقة التي تمتلك تحت يدها وسائل الإنتاج المادّي، تستطيع أن تتحكّم في وسائل الإنتاج الثقافي والتوجيه الفكري، وتصبح إيديولوجيتها هي المهيمنة بفعل القوى المادّية التي تمتلكها، وكان ذلك في بداية عقد الثمانينات، عقد المفاجأة الكبيرة (:انتصار الإسلام السياسي في أكبر دولة شرق أوسطية)، وفي العرين الشرقي للرأسمالية الغربية، القريب من الصين الشيوعية، وسدّها الجنوبي أمام الزحف الأحمر السوفيتي، وهي (إيران)، ومن هنا بدأ فصل جديد في صدام الإسلام السياسي مع العالم الغربي.

لم تدخل أمريكا في مجازفات تغييريَّة في المنطقة العربية وما يحيطها، بل إنها كانت ـ بوصفها الدولة الأولى التي لها مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية في المنطقة ـ مشدِّدة على الاستقرار ودوام الحال، وتركَّزت سياستها على استقرار الحكومات، لكنّها شجّعت على إقامة تحالفات إقليمية ترعاها، (قبل خطة أمن الخليج عام 1975 م ، ثمّ إقامة مجلس التعاون الخليجي).

وفي ذاك الوقت أقامت الإدارة الأمريكية علاقات مع الحركات السياسية والاجتماعية، حتى المُعادية لها كـ(الإسلاميين واليساريين)، وساهمت أيضاً في بناء شريحة تكنوقراط ورموز اجتماعية وتجارية خلف الكواليس، وقد فُوجئت أمريكا كثيراً بالتغيير الجذري الذي حدث في إيران عام 1979 م ، وصُدمت بما سيجرّ هذا التغيير في المنطقة، وعند ذلك غيَّر اليمين الأمريكي ـ الذي بدأ يحكم أمريكا منذ بداية الثمانيّنيّات ـ إستراتيجيته، بدعم القوى العلمانية والتأكيد على المبادئ الأساسية للحريّات العامّة (ولو ظاهرياً)، مثل: حقوق الإنسان ، التمثيل السياسي ، الضوابط الدستورية ، تقبُّل الآخر ، حكم القانون ، حقوق النساء ، شفافية صنع القرارات...

أمّا تأكيد واشنطن على الديمقراطية، فهو حديث العهد، وفي الحقيقة فإن أجواء الحرية النسبية، والاستقرار في بلدان عديدة، ساعد على نموِّ حركات الإسلام السياسي، وبناء مؤسّسات خيرية داعمة للعمل الإسلامي والسياسي في بلدان أُخرى، مثلما شجّع الخطّ العلماني على النهوض، إلاّ أنّ عوامل النجاح لم تُحالف العلمانيّين بقَدر ما حالفت الإسلاميين .

أما المجازفات الكبيرة باستخدام الأساليب العنيفة واللّينة في تغيير الأنظمة، فكانت حصّة الإسلام فيها لليمين الأمريكي، الذي حاول مراراً وتكراراً تغيير أنظمة ثورية مثل: نظام الجمهورية الإسلامية، أو أنظمة ليست حليفة لها مثل: نظام ذو الفقار علي بوتو، والمجازفة الكبرى لتغيير الشرق الأوسط، بعد أحداث أيلول عام 2001 م.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل:

الإسلام السياسي في الرؤية الأمريكية

 

مكانة الدين في الحياة السياسية الأمريكية  

الإسلام في دائرة الاهتمام الأمريكية

نقطة التحوّل

أمريكا وخلق العدو

تعريف الإسلام السياسي

جدل سياسي

الإسلام السياسي عامل تهديد

قراءة في مستقبل الإسلام السياسي

الموقف الدولي

أمريكا والفلسفة الجديدة

رؤية في مناهج مراكز الفكر الأمريكية:

ـ الإسلام السياسي – الشريك الستراتيجي

ـ المصالح والمتغيّرات

ـ دعوى الإصلاح الأمريكية

ـ صفات الشريك الإسلامي

ـ علاقات ودّية وأُخرى عدائية

 

 

 

 

 

 

مكانة الدين في الحياة السياسيّة الأمريكية

لا يزال الدين يمثّل عنصراً أساسياً من عناصر خصوصية المجتمع الأمريكي، حيث يعدّ ذلك المفصل واحداً من أهمّ القضايا في المجتمع، عبر مختلف مراحل تطوّره المختلفة، ورغم أن الدستور الأمريكي والتعديلات المختلفة التي طرأت عليه تؤكِّد على العلمانية وفصل الدين عن الدولة، إلاّ أن حياة المجتمع لا زالت تخضع لنظامٍ من القيم، تتفاعل بينها مسافات اجتماعية واتّجاهات مذهبية وفكرية غريبة، فبالرغم من 99 بالمائة من السكّان يزعمون أنهم يؤمنون بالله، إلاّ أن المجتمع الأمريكي يعاني بعمومه من انتشار الأصولية والفئوية، وأشكال عابرة غير مطمئنّة، مع ارتفاع تصاعدي في معدّلات الجريمة وتعاطي المخدرات، وإحياء لعقوبة الإعدام؛ كلّها بوادر لمجتمع مُعتَل روحياً[65].

عموماً، بدأ وجود البُعد الديني العام في الولايات المتحدة الأمريكية مع الوثائق التأسيسية الأولى، وتمّ تعزيزه من خلال الخطب والتصريحات الرئاسية، وما شابه ذلك من أقوال أكّدت على النظرة الرسمية.

وقد انعكس وجود البُعد الديني في حياة عامّة الأمريكيين في إعلان واشنطن يوم السادس والعشرين من نوفمبر عيداً قوميا "عيد الشُكر" ، وكذلك إعلان جورج بوش الأب يوم الثالث من فبراير سنة 1991 عيداً قومياً للصلاة، وكان ذلك خلال حرب الخليج، وابتهل الرئيس كلينتون إلى الربِّ مراراً في خطبه؛ ليُسبغ نعمه على الولايات المتحدة الأمريكية. وقد استخدم الرئيس كلينتون في خطابه الافتتاحي سنة 1997 استعارة من التوراة، حينما قال:

"استرشاداً بالرؤية القديمة لأرض الميعاد، فلنوجِّه أبصارنا اليوم إلى أرض ميعاد جديدة "[66].

 

إن المحورية الكبيرة لدور الدين في المجتمع الأمريكي، ليست وليدة الأحداث المعاصرة، ولكنّها ترجع إلى البدايات الأولى لتكوين المجتمع الأمريكي؛ فأصل المجتمع الأمريكي يعود إلى تلك المستعمَرات التي أسّسها "البيوريتان"  (الطهوريّون)، الرافضون للاضطهاد الديني في أوربا الغربية، وهم أتباع مدرسة "كالفن"، وكان هدفهم من الهجرة هو البحث عن أرض الميعاد التي يستطيعوا عبادة الله بطريقتهم الخاصة فيها، في الدنيا الجديدة التي طالما حلموا بها.

ومن هنا، فقد كان الدين فاعلاً قوياً في ترسيخ القيم الأساسية التي قام عليها النظام السياسي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي.

والدور الذي يلعبه الدين في الحياة الأمريكية تحكمه عدّة اعتبارات، من أهمّها:

·   قوّة التنظيم والإمكانات الضخمة التي تتمتَّع بها المؤسسات الدينية، حيث بإمكانها توفير التسهيلات المادّية المتقدّمة لتحقيق أهدافها.

·   إن الدوافع الدينية تلعب دوراً رئيسياً في تحريك الأمريكيين في الكثير من مواقفهم، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الإنسان؛ ذلك أن 84 % من الشعب يعتقدون أن الوصايا العشر لا تزال صالحة وضرورية في الحياة.

·   ظهور وانتشار حركة الإحياء الديني، التي لها العديد من السمات الأساسية، من بينها انتشارها بين الشباب، وقيامها على الدعوة إلى فرض قواعد أخلاقية صارمة، تضبط نطاق الحياة الخاصّة، ورفض كلّ ما من شأنه تدمير الهوية الفردية والعائلية، ودعوتها إلى الفصل بين التَقَنيَّات المتقدِّمة من ناحية، والقواعد الثقافية المسيطرة التي انبثقت عنها هذه التقنيات، من ناحية أخرى.

·   إن البُعد الديني يعدّ حقيقة لإدراك البُعد المقدَّس للحياة القومية في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد انتقد البعض وجود عبارة "نحن نثق في الربِّ" "in god we trust" على العملات الأمريكية، وعبارة "إننا أُمّة واحدة في ظلِّ الربِّ" "one nation under god"  في قَسم الولاء للولايات المتحدة الأمريكية الرسمي؛ باعتبارهما انتهاكاً للفصل الدستوري بين الكنيسة والدولة.وبقاء مثل هذه العبارات يعني أن الدين المدني، يُعدّ نوعاً من الكنيسة الرسمية المرخَّصة في الولايات المتحدة[67].

إن استخدام الإدارات الأمريكية المتعاقبة على السلطة في البيت الأبيض الحسّ الديني لتحقيق أهدافها، ومن ذلك الشعارات والكلمات والعبارات الدينية المستخدمة (حديثاً) في الحرب على الإرهاب، مثل: (مِحور الشرِّ، والحرب المقدَّسة، والعدالة المُطلقة) ، مثلما استخدمها الآباء المؤسّسون في شرعَنة الحرب ضدّ الوثنيّين  (الهنود الحمر)، واستخدمتها لاحقاً المؤسّسة السياسية والعسكرية والثقافية في حربها ضدّ النازية، أمّا معارضة الاتحاد السوفيتي والدعم الكبير لاحتواء الماركسية ولحل~ الاتجاهات اليسارية، لم يكن يُنجز بالصورة المتكاملة التي أدت إلى تسريع انهيار المنظومة الشيوعية واليسار العالمي إلاّ بواسطة استخدام الدين والشعارات الدينية، بل والتحالف مع الاتجاهات المتدينة الذي توّج بالتحالف مع الفاتيكان لتدمير (الستار الحديدي) الماركسي.

ولم يتوقف تحالف الولايات المتحدة مع الدين على الصعيد الداخلي في الديانة المسيحية، بل حاولت المنظومة الأمريكية بكل ثقلها تشجيع انبعاث الديانة البوذية في البلاد الغربية لتصبح هذه الديانة وبقيمها الإنسانية بذور معارضة للاستبداد الشيوعي.

إن الفصل القانوني بين مؤسّسات الحكومة والمؤسّسات الدينية أدّى إلى أن علاقة الحكومة بالدين لم ولن تحسم بشكل نهائي، بل ستبقى دائما محل تفاوض، خصوصا أن التجربة الأمريكية الفريدة والتي تمزج بين المبادئ الليبرالية، والمبادئ الدينية لم تؤدي إلى صراعات وحروب دينية داخلية، ولم تؤدّي إلى سيطرة وطغيان هذا الجانب على الجانب الآخر. بل إن الدستور الأمريكي الذي يتربع على سنام الليبرالية الغربية أصبح من القداسة والتجذّر ديناً يتوازى مع الديانة التي يؤمن بها عامة الناس، لكنه لا يتقاطع معه. وكثيراً ما استخدم المنظّرون المدنيون مبادئ الدين في خدمة الديمقراطية والدعوة للتسامح.

إذن للدين المدني الأمريكي توراته الخاصة وهي الدستور الذي وضعه الآباء الأوائل، والذي يعد عند الأمريكيين كتابهم المقدّس، والتي تحاول الإدارات الأمريكية المختلفة دائماً تصدير مبادئ الكتاب المقدس الجديد إلى الديانات الأخرى.

إن المنظور الأمريكي لقضايا السياسة الخارجية وللعلاقات الدولية يرتكز على المصلحة القومية العليا بالأساس والمتكونة من ثلاثية (الثروة والدين والقوة)، فتحالف الساسة ورجال المال ورجال الدين في أمريكا قد رسم الخلفية الفكرية الحاسمة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة الأمريكية، التي تقوم ملامحها على ثلاثة محاور، هي:

1.    المحور الثقافي- الحضاري- الديني.

2.    المحور الجغرافي السياسي بالسيطرة على الموارد والثروات.

3.    محور القوة المتعددة الاستخدامات بأنواعها المختلفة النووية والكيماوية والبيولوجية.

 

إن ما يؤكّد حضور البُعد الديني وبقوة في أجندة السياسة الخارجية الأمريكية ما ذكره الرئيس بوش في حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من انه يبدأ نهاره كل يوم بقراءة الكتاب المقدس الذي يشمل الإنجيل، وان من كتبه المفضلة، كتاب القسيس شامبرز المتوفى سنة 1917 بمصر[68] ، وهو يعظ الجنود الاستراليين والبريطانيين هناك بالزحف على بيت المقدّس وانتزاعها من أيدي المسلمين.

إذن، منذ بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى على المسرح الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية امتد اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط  والإسلام. وبدأ الجدل حول هذا الموضوع من الناحية الإستراتيجية وعلى عدّة مستويات أخرى مختلفة: معيارية وفلسفية وحضارية وسياسية واقتصادية، وجغرافية سياسية. وفي دوائر اهتمام مختلفة: الصحافة ومراكز البحث وقاعات التدريس الجامعي.

ويبدو أن السياسة الأمريكية الخارجية، وبخاصة تجاه هذا الموضوع، تتميز بالأهمية العملية من حيث أثرها، وبالتعقيد من ناحية طبيعتها والعناصر التي تدخل في صياغتها، ووجهات النظر التي تلتزم لفهمها.

وفي الحقيقة، بخصوص الإسلام تحديداً، لم يكن من المعهود أن يعبِّر الرؤساء الأمريكان عن آرائهم وسياساتهم نحو الإسلام في أحاديث علنية وتصريحات عامة حتى جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وبدأ العامّة في الولايات المتحدة يتساءلون عن ماهية القادم الجديد! وبدؤوا يهتمّون بفهم الإسلام؛ وبالتالي كان لا بد من تحديد سياسة عامّة معلَنة نحو كل ما يتعلق بالإسلام.

وتطوّر الأمر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وصار المسلمون في أكثر من موقف ومناسبة طرفاً في قضايا عنف واضطراب، ووجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام ضرورة صياغة سياسة معلنة تجاه الشؤون الإسلامية. ففي أواسط السبعينات من القرن الماضي لم يقتصر الاهتمام الأمريكي في الإسلام المرئي الذي يدعو إلى الابتعاد عن الشؤون السياسية، بل تعدّى ذلك إلى بناء تحالف إسلامي رسمي بين مصر والسعودية وإيران والأردن مع الولايات المتحدة الأمريكية، لمحاربة الشيوعية في إفريقيا واليسار في بلاد الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط عموماً. أما في بداية الثمانينات، وعلى أثر انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، بدأت مراكز الدراسات الأمريكية تهتم بتفاصيل الفروقات بين المذاهب الإسلامية التي تدعو إلى التطرف والإرهاب، ودعت المذاهب الإسلامية الأخرى لمحاربة واحتواء ذلك، وسرعان ما انتبهت الحكومات الأمريكية، (الجمهورية منها بالخصوص)، إلى ضرورة التحالف مع الإسلام السياسي ( من نمط معيّن)؛ لمحاربة ما سمّي آنذاك (الإلحاد الشيوعي والتطرف الشيعي).

أمّا في بداية التسعينات فقد بدأت مراكز الدراسات تتحدّث عن الإسلام السياسي المتطرّف والإسلام السياسي المعتدل، وكل منهما موجود في المذهب الإسلامي الواحد، ويشمل ذلك كل المذاهب. ودعت هذه المراكز الإدارة الأمريكية إلى دعم الإسلام المتطرّف، ليدخل في ميدان السلطة والدولة؛ وفي ذلك دعوة صريحة إلى تغيير أنظمة الحكم حتى الحليفة لأمريكا.

وفي مرحلة أخرى (متأخرة)، خصوصاً بعد مأساة أحداث أيلول، دعت المراكز هذه إلى نفخ لروح العلمانية والليبرالية في الثقافة العامة، مقابل الإسلام المعتدل منه والمتطرّف، (وهذا التقسيم حسب المقاييس الأمريكية الآنية)، خصوصاً في عهدي جورج بوش الأب وكلينتون. كانت السياسة  تقوم على أن الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام إيديولوجيا موجّهة ضدّ الغرب، بل تحترمه وتعتبره من الأديان العظيمة، ولكنها ترفض العنف والاضطهاد واللا تسامح وخرق حقوق الإنسان، التي يتولى مسؤولية القيام بها الإرهاب، بغض النظر عن المظلّة التي تتمّ تحتها. وهذا الموقف كان واضحاً مثلاً في خطاب الرئيس كلينتون أمام البرلمان الأردني عام 1994، حيث قال: بأن قوى الإرهاب والتطرّف تخالف دينها باعتماد العنف، مضيفاً بأن هذا الحال ضارّ بالأمّة نفسها إذا سارت فيه.

ولكن يبقى أن المسألة ليست بهذه البساطة، فالوقائع والتصريحات والتطوّرات السريعة التي تشهدها المنطقة أعقد من أن تبسط  نظرة الولايات المتحدة للإسلام السياسي، ونظرة الإسلاميين للولايات المتحدة بالتالي إلى مستوى التصريحات العامة التي تتكرّر في المواقف الرسمية وعند الضرورة.

 

الإسلام في دائرة الاهتمام الأمريكي

  بُعيد الحرب الكونية الثانية، استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية كل إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والأمنية والمعرفية، وبتسارع مطرد، من اجل ملء الفراغ الذي نتج عن تنازل بريطانيا العظمى على عرش (الإمبراطورية العالمية التي استعمرت أكثر من 60% من مساحة الكرة الأرضية).ولأن معظم العالم الإسلامي كان مكبلا بالاستعمار البريطاني بخيوط من حرير أو سلاسل من حديد، فقد كان دخول أمريكا في هذه البلاد وفقاً للعقلية الأمريكية المركبة من ( المبادئ الليبرالية التي تدعو إلى احترام حتى تقرير المصير واحترام إرادتها، وأيضاً ما تضفيه المصالح الاقتصادية والبحث عن الموارد الطبيعية الرخيصة، والأسواق المستهلكة وهذه هي دعامة الاقتصاد الأمريكي). إلاّ أن استمكان الماركسية في الجزء الأوربي الشرقي المتاخم لأوربا الغربية، وزحفها الإيديولوجي باتجاه الشرق (المسلم)، ومركسة أجزاء ممّا يسمى آنذاك (البلاد السوفيتية المسلمة)، قد جعل البلاد الإسلامية بالعموم والشرق الأدنى والشرق الأوسط جزءً من (الأمن القومي الأمريكي)، لا يقل بأهميته عن أمريكا اللاتينية. وزاد في تعقيد وتجذير صراع الغرب (الرأسمالي – المسيحي) مع الشرق (الماركسي – اليساري) ارتداء المارد الصيني قبعة لينين، الذي أدى إلى صدمة أيدلوجية ورعب في المنظومة الاجتماعية في الغرب.

ولم يكن مستغربا أبدا أن العالم الغربي وأمريكا (بالخصوص) ـ منذ النصف الأول من القرن العشرين ـ بدأ ( يستنكر) نظرة الاستخفاف والاستهجان للأديان، وأصبح علماء الاجتماع يتحدثون عن (الفراغ الروحي) في المجتمع الغربي، وفعّالية الدين والتديّن في حلّ مشاكل البشر، بل إن المنظّرين الأيدلوجيين وشريحة السياسيين بدؤوا بالبحث في كيفية (تجميع) آليات وفقا للعلوم الطبيعية والإنسانية الحديثة، يمكنهم بواسطتها بعث روح المبادئ الدينية (حتى الأديان الوضعية)، والتي من شأنها إنقاذ الغرب من محنته الداخلية، وأعداءه الخارجيين (المنظومة الماركسية).

 وبهذا الصدد، كان من الطبيعي أن تنتبه أمريكا للإسلام ومبادئه، خصوصاً أنها متحررة (عموماً) من عقد الماضي، التي بقيت مترسخة في العقلية الأوربية، والمتمثلة في الصراع الإسلامي المسيحي على مرّ قرون. 

لقد كان اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالإسلام بناء على تنظير مراكز الدراسات الأمريكية التي هي العقل الذي يمسك بالمقود، وهذا التنظير كان مبنيا على ثلاث أسس:

1.    لا يتعارض الإسلام مع الرأسمالية، وربما يميل للسوق الحرة حسب قراءة هذه المراكز للإسلام.

2.    الإسلام يحمي ويقي الأمم التي تؤمن به من الشيوعية والإلحاد.

3.  بعكس المسيحية يستطيع الإسلام محاربة الشيوعية والإلحاد، من حيث انه أكثر جرأة من المسيحية في إظهار (العداوة) للإلحاد الشيوعي. لذا فأن تأثير فتوى بابا الفاتيكان (مثلا) في اعتبار أن الشيوعية كفر وهرطقة[69] كان اقل بكثير من فتوى علماء الإسلام باعتبار أن الشيوعية كفر والحاد بالرغم من ان فتاوى علماء المسلمين جاءت بعد فتوى البابا.

 

إذن في المراحل المتقدمة من الصراع  الرأسمالي / الماركسي، بدأت أمريكا بالاهتمام في الإسلام، مع وجود معارضين لهذا الاهتمام. ففي ندوة عن (الشريعة الإسلامية ) عقدتها جامعة (Princeton) الأمريكية عام 1953م ألقى البروفسور كنث كراجKenth Cragg  محاضرة بعنوان (الأثر الفكري للشيوعية على الإسلام المعاصر ) وتحدث قد تقع فيه الشعوب الإسلامية والعربية بالخصوص. ولام هذا المنظّر الغرب كثيراً على عدم مساعدة الحركة الوطنية الصينية التي لم تكن ماركسية في بدايتها والتي كانت تريد التغيير، ومدت يد المساعدة للغرب المسيحي ولم يسعفها ويساعدها، وثبّت في معرض حديثه أن الكونفوشية ( الديانة الصينية ) لم تستطع حماية الصين من الشيوعية، بل إن المبادئ الكونفوشية استخدمت ( في أول الأمر)تسريب الأفكار الشيوعية، إلا أن الشيوعية بدأت بتحطيم الكونفوشية في مرحلة لاحقة. واعتبر البروفسور كراج أن ما أسماه (النظام الإسلامي) هو على عكس الكونفوشية- يحمل في طياته أسسا كافية ليس في منع الشيوعية من الانتشار، بل إن فيه من العدالة الاجتماعية التي تمنع شرور الرأسمالية أيضاً !. وفي الندوة ذاتها في العام  1953 أيضاً وفي جامعة (Princeton)، كان الدكتور هارولد سميث (Harold Smith) أكثر وضوحاً، في محاضرته وهي بعنوان (الفكر الإسلامي ومعطياته في السياسة الاجتماعية والنظرة السياسية) فكريا كاملاً، يمكن المسلمين من أن يكون لهم في الميدان السياسي العام مركز دولي متميّز عن الشيوعية، وعن النظرية السياسية الغربية، وان يكون لهم في الميدان الاجتماعي والسياسي الداخلي، نظام يحقق العدالة ويكفل الحرية والديمقراطية). وهناك من رجال الفكر والقانون والسياسة في أمريكا من دعا بوقت مبكر إلى تحالف (غربي مسيحي) مع (الشرق الإسلامي) ضد الإلحاد الشيوعي فقد قال احد قضاة المحكمة العليا الأمريكية وهو(Juctice Robert Jackson) ما نصه:

( إن دول الغرب القلقة اليوم تجد في العالم الإسلامي بعض حلفائهم الطبيعيين الذين يقاومون طغيان أولئك الذين اتخذوا ماركس نبيا لهم، وقد أصبحنا الآن أكثر موضوعية في نظراتنا للتاريخ والفوارق الدينية وتجارتنا مع الشرق الأوسط تضيف عنصرا دافعا آخر إلى جانب البواعث الأخرى لدراسة أنظمته وقوانينه).

 

نقطة تحوّل

شهدت حركات الإسلام السياسي نقطة تحول بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ونشاطا كبيرا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي ويعتقد معظم المحللين السياسيين أن هناك عوامل عديدة ساهمت في هذا النشاط منها:

1.  فشل الحركات الشيوعية والقومية من تحقيق أي تقدم ملموس في الواقع الاقتصادي المتردي في كثير من الدول العربية.              

2.    قيام الجمهورية الإسلامية في إيران.

3.    التدخل العسكري السوفيتي الشيوعي في أفغانستان المسلمة.

4.    صعود محمد ضياء الحق إلى السلطة في الباكستان.

5.    حرب الخليج الثانية.

6.    نزول القوات الأمريكية والمتحالفة معها أرض الجزيرة العربية بعد أحداث غزو العراق للكويت.

7.  التوتر في علاقة السعودية مع إيران، وهما قطبي الأمة الإسلامية وخاصة بعد فشل مساعي السعودية في الحد من انتشار أفكار الثورة الإيرانية بعد اعتمادها الكلي على العراق. ذلك أدى إلى اعتماد السعودية إستراتيجية بديلة في منافستها مع إيران، وهي الدعم المالي للمدارس الإسلامية القريبة من تفكير وسياسة السعودية إضافة إلى الدعم المالي للمجاميع الإسلامية في البوسنة والهرسك وأفغانستان. وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي اتخذت حركات الإسلام السياسي طابعا عنيفا في كل من الجزائر، فلسطين، السودان ونيجيريا. وكان الحدث الأكبر والاهم في هذه الفترة من جهة هو صعود حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، مما أدى بصورة عملية إلى تشكيل كيان جغرافي وسياسي وجد الكثير ممن يوصفون باتباع منهج الإسلام السياسي الموصوف حاليا بالإرهاب إسلاميا وأمريكيا ملاذا ونقطة انطلاق فيها، ومن أبرزهم تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. وفي الجهة المقابلة كان الإسلام السياسي يستوعب دروس المشاركة الديمقراطية والنضال ضد الديكتاتورية ويحقق نجاحات في مقارعة الأنظمة الشمولية كما في العراق، وقفزات انتخابية كما في تركيا حينما فاز حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي المحافظ بزعامة رجب طيب اردوغان بأغلبية مقاعد البرلمان في عام 2002، ومن ثم استلام السلطة بعد انتخابات عام 2007.

 

أمريكا وخلق العدو

مع نهايات القرن العشرين فقدت أمريكا عدوها التاريخي المتمثل في الاتحاد السوفييتي , وقد سبب هذا الفقدان أزمةً في الهوية الأمريكية المحتاجة دائما إلى عدو. وملأت هجمات أيلول هذا الفراغ عبر عدو جديد أصاب أمريكا في عقر دارها ووضع حدا لمفهوم ساد طويلا حول استمكان أمريكا على أعدائها وبعد أراضيها عن دوائر الحرب والدمار التي تخلفها الحروب والصراعات. وعليه أصبح الإرهاب هو العدو المركزي، ووجبت محاربته على أرضه كيلا  ترغَم أمريكا على تحمل وزره على أرضها. ومنذ اليوم الأول بعد الهجمات، جرى استحضار نظرية هنتنغتون في "صِدام الحضارات"، ونصبت عنوانا للمعركة التي تواجه أمريكا، بما هي معركة بين حضارتين يمثل فيها  المسلمون الإسلام، فيما تمثل الولايات المتحدة قيم الغرب الرأسمالي المسيحي وتم استدعاء فرسان الحرب الباردة وصقور الإدارة في حينها لاستحضارات الحرب المباشرة السريعة والخاطفة هذه المرة بعيدا عن الحروب بالوكالة أو تطبيق سياسة الاحتواء التي كانت في مجال العمل منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي. والتي تبنتها القيادة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومع بدايات الحرب الباردة بتعديلاتها الجديدة فيما بعد حينما أخذت تقوم بدعم الأنظمة الرأسمالية والمعادية للاشتراكية عن طريق المساعدات الاقتصادية والدعم السياسي وحتى ألاستخباري، ومن ثم تحقق النصر بانهيار جدار برلين وتفكك الكتلة الاشتراكية والضربة القاضية التي تمثلت في تفكك الاتحاد السوفيتي السابق ذاته، وعلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: التحول إلى مجموعة الدول المستقلة.

المرحلة الثانية: تفكك مجموعة الدول إلى جمهوريات مستقلة ومتناحرة.

 

بهذا زال الخطر (السوفيتي) وانتهت الحرب الباردة، وتحول ميدان العلاقات الدولية من ثنائية القطبية إلى أحادية القطبية الذي تربعت على عرشه القوة الوحيدة  في العالم وبلا منازع الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى هذا الأساس خاضت الولايات المتحدة آخر حروب القرن العشرين في الخليج ضد العراق. لكنها، أوقفت العمليات العسكرية في مراحلها النهائية بعد أن اعتقد الرئيس بوش الأب، انه حقق أهدافه الإستراتيجية والتي كانت:

 

1.    إخراج القوات العراقية من الكويت، وإعادة الحكومة الشرعية الكويتية.

2.    ضرب النظام العراقي إلى درجة لا يعود فيها قادرا على تهديد جيرانه.

3.    تأمين تدفق النفط إلى العالم الغربي دون عوائق.

 

بعد أن أمنت الولايات المتحدة أهدافها في منطقة الخليج، أدارت ظهرها إلى مشاكل الشرق الأوسط لتهتم برسم إستراتيجية جديدة تركز على منطقة شرقي آسيا وكأنها مسرح الصراع المقبل. لكنها اعتمدت في نفس الوقت إستراتيجية خاصة تجاه العراق وإيران هندسها الدبلوماسي الأمريكي مارتن انديك[70] وتقوم على فرضية (الاحتواء المزدوج). وهدفت هذه الإستراتيجية إلى إبقاء خطر صدام داخل حدود العراق، وتجريده من أسلحة الدمار الشامل بعد تفعيل لجان التفتيش التابعة لمجلس الأمن، وذلك على أمل أن يثور الشعب العراقي على النظام فيقلبه. أما فيما خص إيران فقد هدف إلى حصر الثورة الإسلامية داخل حدود إيران، ومنعها من التأثير على المحيط الحيوي الاستراتيجي للولايات المتحدة. هذا عدا عن تأثير إيران في الصراع العربي الإسرائيلي، وخوف إسرائيل على المدى البعيد من إيران النووية. لقد اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية مفهوم (الاحتواء المزدوج) بشكله غير المعلن ضد العراق وإيران وخصوصا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران وإطاحتها بنظام الشاه، حيث أصبح الحصار على إيران وهو احد أهم السياسات التي اتبعها المعسكر الغربي ضد الاتحاد السوفياتي ونجح فيها، أصبح احد التدابير والعوامل الأساسية في هذه الصيغة، لكنه تراجع من الأولويات الأمريكية آنذاك لان الحرب بين العراق وإيران التي استثمرتها الولايات المتحدة، بدت اقصر وانجح الطرق لتحقيق صورة مثلى لذلك الاحتواء. وقد أشار تقرير لأحد معاهد البحث الاستراتيجي الأمريكية الرسمية عام 1984 إلى كون الحرب قد وفرت على السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة عشرات من سنوات العمل المضني والدبلوماسية الصعبة التكاليف في دفع خطي مشروعها السياسي في منطقة الخليج بإنهاك القوتين الأبرز على شواطئه. وتوجس التقرير من احتمالات المستقبل التي قد تفرز انتصار احد المتحاربين ليصبح بمرور الوقت عامل تهديد أو خطر من نوع خاص على تصورات الولايات المتحدة لشكل المنطقة ومكانتها السياسية وحساباتها الإستراتيجية. وبالفعل أنتجت الحرب وضعا جديدا تمثل بظهور العراق قوة عسكرية ضخمة أصبحت تهدد المصالح الحيوية الغربية ومصادر إمدادات الطاقة من منطقة الخليج العربي، ووقع النظام العراقي في عام 1990 بخطأ استراتيجي قاتل بمحاولة ضمه  للكويت باستخدام القوة مخالفا بذلك كل التعهدات والمواثيق الدولية، وكان يأمل من مشروعه الحصول على مكسبين مهمين:

1.  الاستخدام الأمثل لنظرية تفريغ القوة: وهي مشكلة كبيرة واجهت النظام بعد ان وضعت الحرب مع إيران أوزارها، تمثلت في انكفاء القطعات العسكرية الضخمة إلى داخل البلد وتشكيلها تهديدا حقيقيا للنظام ووجوده عن طريق المحاولات المتكررة للانقلاب عليه، وآخرها محاولة الانقلاب عام 1990 أثناء العرض العسكري بمناسبة تأسيس الجيش العراقي.

2.    محاولة السيطرة على نفط الكويت والخروج إلى موانئ أوسع على الخليج العربي.

 

لقد هيأ النظام العراقي السابق الفرصة في حينها للولايات المتحدة للدخول إلى منطقة الخليج بكامل عدتها العسكرية وأساطيلها البحرية وإنشاء القواعد الدائمة للبقاء والاستمرار والسيطرة الفعلية فيما بعد. وبدأت فكرة الحصار السياسي والاقتصادي تزيد من بريقها في العقل الاستراتيجي الأمريكي في مواجهة الخصوم على الرغم من أنها لم تكن ابتكارا أمريكيا جديدا إذ تعود في محتواها إلى فترة الحرب الباردة، وقد حاول صناع القرار الأمريكي جعلها أداة كسر عظم طويلة الأمد وعززوها بجملة من التدابير على صعيد الجغرافية السياسية في محيط البلدان المستهدفة (العراق وإيران) وعلى المستوى الدولي  وحلفاء واشنطن التقليدين، في ذات الوقت كانت الساحة العربية والإسلامية تشهد الكثير من التطورات على الصعيد الشعبي وشبه الرسمي في بعض الدول تمثلت بتنامي روح التعصب الديني لدى الكثير من الجماعات والحركات الإسلامية رافقها التصريح المباشر بالعداء للولايات المتحدة الأمريكية، وبدعم وإسناد من بعض الأنظمة وبطريقة غير مباشرة خدمة لأغراض وسياسات آنية داخلية كانت أم خارجية منها، على سبيل المثال، دعم باكستان اللا محدود لنظام حركة طالبان في أفغانستان قبل أحداث 11 أيلول، والدعم العربي لحركة حماس في فلسطين قبل دخولها المعترك الانتخابي. وعلى اثر ذلك وما سبقه من أحداث في المنطقة، بدأت الجماعات والحركات الإسلامية تشكل تهديدا خطيرا وحقيقيا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وذلك من خلال التعرض المباشر لهذه المصالح وخصوصا من قبل تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن، فقد قام هذا التنظيم بمحاولة لتفجير مبنى مركز التجارة العالمي عام 1993 وتفجير قاعدة الخضر في السعودية عام 1996 وتفجير مباني السفارتين الأمريكية في نيروبي ودار السلام عام 1998 وتفجير المدمرة كول قرب السواحل اليمنية عام 2000، وغيرها الكثير من العمليات ذات التأثير والمدى الأقل. في المقابل قامت الولايات المتحدة الأمريكية بشن حرب مخابراتية على أفراد وقيادات تلك التنظيمات وبشكل مكثف، وفي بعض الأحيان قامت باستهداف مباشر لمراكز تدريب وقيادات تلك المجاميع كما حدث عام 1998 حينما تم توجيه ضربات صاروخية مكثفة إلى أفغانستان والسودان.

إن عملية الفعل وردة الفعل بين الطرفين كانت تنذر باشتداد المواجهة مستقبلا، بل كانت بحاجة إلى حدث أو حادث كبير ليعلن انطلاق شرارة حرب لا هوادة فيها تؤسس لمرحلة مهمة من التأريخ البشري. وقد حدث ذلك في 11 أيلول عام 2001 عندما تم تدمير برجي التجارة العالميين وسط نيويورك وفي عقر دار الولايات المتحدة ليكون إيذانا بانطلاق الحرب، وقد شكلت تلك الحادثة نقطة تحول في تأريخ العلاقات الدولية حينما انبرى المجتمع الدولي بأكمله خلف الولايات المتحدة في الموقف من الجماعات الإسلامية المتطرفة والتي كانت لها اليد الطولى في هذا الحدث.

 

بعد أحداث 11 أيلول مباشرة أعلن الرئيس بوش (الحرب على الإرهاب) بكل أشكاله، وأطلق عقيدته المتمثلة بضرب الإرهاب، وكل من يؤويه، يموله ويرعاه. ونتيجة لهذه الإستراتيجية بدأت تظهر مؤشرات وملامح جديدة للإستراتيجية الأمريكية القادمة، وهي:

1.    المحافظة على التحالف السياسي العالمي ضد الإرهاب.

2.    مساعدة الحلفاء الذين يتكل عليهم في تنفيذ المهمات.

3.  تشريع وتأطير الطلبات الأميركية الخاصة قانونيا من خلال المنظمات الدولية وبما  يخلق نظاما عالميا يجبر كل الدول على السير به، وإلا اعتبرت خارجة عن القانون.

4.    تكثيف الروابط الاقتصادية مع الدول الحليفة، وتشجيع الدول المترددة في محاربة الإرهاب اقتصاديا ً.

إذا كانت هذه المؤشرات على الإستراتيجية الأميركية، فما هي الصورة المحتملة بخصوص الحركات الإسلامية خصوصا والعالم الإسلامي عموما ؟ تبدو الصورة على الشكل التالي، وذلك انطلاقا من الشرق إلى الغرب:

· تساعد أميركا الفيليبين الآن في حربها ضد الجماعات الإسلامية المتشددة وعلى رأسها جماعة أبو سياف بالرغم من أن هذه الجماعات هي حركات (مطلبية) تهدف للحصول على الحدّ الأقل من الحقوق القومية والمدنية والدينية. . كما تساعد ماليزيا، واندونيسيا إلا أنها (أمريكا) شجعت حركات انفصالية مثل حركة تيمور الشرقية. واعدت العدة لتؤمن موطئ قدم لها في سنغافورة بهدف السيطرة على الممرات البحرية الإستراتيجية وعلى رأسها ممر مالاكا.

· بالرغم من (تناغم) المؤسسة الإعلامية ومراكز البحث، مع حركة طالبان المدعومة أمريكيا ( في بادئ الأمر) ومحاولات هذه المؤسسات الإشارة إلى تأثير طالبان الأفغانية في (تصدير) الإسلام السلفي الثوري الحركي للأقاليم الإسلامية الصينية المتاخمة لأفغانستان، إلا أن الصين توافقت إلى حد كبير مع حرب أمريكا على الإرهاب، في أروقة الأمم المتحدة، وفي تهدئة أجواء الصراع الصيني الأمريكي حول تايوان.  

· تساعد الولايات المتحدة الأميركية مملكة نيبال في حربها ضد الشيوعيين الماويّين، فهي من جهة تؤمن موطئ قدم لها هناك، الأمر الذي يقربها من الصين من جهة. ومن جهة ثانية، تساعد الهند بطريقة غير مباشرة بتقوية نفوذها هناك وذلك دون إزعاج عدوتها اللدودة باكستان.

· أصبحت أميركا مع روسيا في حربها على الإرهاب الشيشاني بعد أن أصبحت طالبان والقاعدة في مقدمة أعداء أمريكا، ولا ننسى أن روسيا اتهمت أمريكا والسعودية بتمويل الحركات الإسلامية الانفصالية في الشيشان في فترة قصيرة. بل إن الخطاب الأمريكي المتعلق بحقوق الإنسان وما شابه قد تراجع بشكل ملحوظ  حتى أن الولايات المتحدة، راحت ابعد من ذلك إلى إقناع روسيا بالانضمام إلى حلف الناتو مع كامل حقوق العضو المنضم،  مع ضمان حصولها على حق الفيتو. في نفس الوقت تتواجد في أفغانستان وبفعالية عالية  وتنشئ قواعد في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق خصوصا الإسلامية منها فتحقق بذلك هدفين:

1.    إحكام الطوق على روسيا.

2.  محاصرة التطرف والإرهاب الشيشاني والأفغاني ومنعه من الانتشار إلى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية  وشرق آسيا.

  

· في الخليج العربي، لا تزال في وضع احتواء لإيران. كذلك الأمر هي موجودة عسكريا في العراق والخليج وفي دييغو غارسيا لتضمن السيطرة على الشاطئ الجنوبي لليمن، ولتتحكم بممر البحر الأحمر.

·  تبقى إسرائيل في أعلى الشمال حليف إستراتيجي مهم للولايات المتحدة الأمريكية وداعم رئيسي للخطط والإستراتيجيات الخاصة بها.

·   القرن الإفريقي، عمدت الولايات المتحدة إلى عقد اتفاقات أمنية مع كل من: كينيا، جيبوتي وإثيوبيا. حتى أنها شجعت الحكومة الإثيوبية على إرسال قوات عسكرية إلى شمال الصومال إقليم بونتلاند في البداية بهدف دعم حركة الانفصال عن الحكم الرئيسي في مقديشو والذي كانت تسيطر عليه (المحاكم الإسلامية) آنذاك  ومن ثم دخلت في حلف إستراتيجي معها حينما ساعدتها في دخول مقديشو وإسقاط سلطة المحاكم ذات الطبيعة الإسلامية المتشددة والمرتبطة بعلاقات وثيقة بتنظيم القاعدة . 

·  السودان، أوجدت من قضية دارفور موضوعاً لاحتواء هذا البلد الإسلامي المهم من خلال تدويل الصراع  في هذا الإقليم عن طريق قرارات مجلس الأمن، بل إن الأمر تعدى إلى إيجاد محاولات جادة لتقسيم السودان مستفيدا من أخطاء قادة البلاد ومعارضيهم، ومستفيدة من غياب مصر تماما. وضعف التكتلات الإقليمية الإفريقية المحيطة بالسودان.

·   أخيرا في البلقان، يبدوان الأمر سوف يكون في عهدة الأوروبيين كلهم بالاضافة إلى الأميركيين.

 

إن هذا الطوق من التحالفات، والمصالح المتشابكة والمتقاطعة بين الولايات المتحدة والدول المذكورة . وفي ظل وجود دول أخرى تدور كليا في فلك السياسة الأمريكية، كالفيليبين، ماليزيا، اندونيسيا، الهند، باكستان، دول الخليج العربي، إسرائيل، الأردن، مصر وتركيا. وفي ظل تقاطع المصالح مع كل من أوروبا الموحدة وروسيا الساعية لبناء إمبراطورية جديدة، وفي ظل تخصيص وزارة الدفاع الأميركية المزيد من المال والرجال للقضاء على الإرهاب ليس فقط بالحرب المباشرة بل تمكين استمرار كونها القوة الوحيدة فوق العظمى، وعدم السماح لأي نوع من أنواع التكتلات الوحدوية القومية أو الدينية أو الإقليمية التي من شأنها خلق نواة وجود اقتصادي وسياسي وعسكري قوي يحل الفراغ.. هذا الفراغ أوجدته أمريكا وعملت على ديمومته.وتبدو الصورة بعد تظهيرها جيدا وكأن الهدف هو(السيطرة على العالم الإسلامي)، من الشرق إلى الغرب وليس القضاء على الإرهاب. وبما ينذر بوقوع الأديان مادة للصراع والتحريض من قبل المتصارعين للاستفادة من كسب اكبر عدد من المناصرين والمؤيدين. وقبل أحداث 11 أيلول سبتمبر التي وقعت في الولايات المتحدة كانت عملية تبلور آليات الصراع  واحتدامه تجري على قدم وساق خاصة في أروقة ودوائر صنع القرار الأمريكي، والهدف الإسلام في شقه السياسي المتطرف ! فما هو تعريفه من وجهة نظر خصومه ؟ وكيف الوصول إلى أفضل الطرق لمواجهته ؟

 

تعريف الإسلام السياسي

أن حركات الإسلام السياسي شهدت تطورا وفقاً لرؤية السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بتشخيص العنصر المتطرف داخلها، وقد قدم جرجيان تعريفا مبكرا للحركات الإسلامية، حيث قال: " نرى جماعات أو حركات تبحث لإصلاح مجتمعاتها في بقاء المثل الإسلامية، وهناك تنوع معتبر في كيفية التعبير عن هذه المثل، ما نراه هم مؤمنون في دول مختلفة يجددون قناعاتهم بالمبادئ الإسلامية ".  وقد عرف جرجيان فيما بعد التطرف داخل الحركات الإسلامية بناء على الأعمال وليس على الأهداف والقيم. أما انتوني  ليك فقد عرف الحركات الإسلامية المتطرفة من خلال تفريقها عن غيرها بقوله: " إن ما يميزها ليس الإرهاب وإنما سعيها للقوة السياسية "، ويرى ساتلوف أن تعريف ليك مهم لأنه يربط الأصولية بالهدف وليس بالعمل. أما بليترو فقد قدم خطابا عام 1994، عرف فيه المتطرفين الإسلاميين بـ " أنهم جماعات تعمل خارج القانون "، والسند القانوني هنا ضعيف لأنه بعد 3 سنوات من خطاب بليترو وضِع حزب الله ( وهو منظمة قانونية تعمل في لبنان ) على قائمة المنظمات الإرهابية الغربية، مما يجعل تعريف  بليترو المستند على البعد القانوني غير واف بالغرض، وفي عام 1996 قدم بليترو مقاربة جديدة ميز فيها بين الإسلاميين المسالمين والمتطرفين ـ فالإسلاميون المسالمون هم من يحاولون تطبيق قيمهم الدينية في المشاكل الداخلية والسياسة الخارجية، في حين أن الولايات المتحدة لا تعارض الإسلاميين المعتدلين، وإنما الإسلاميين الذين يستخدمون الوعظ العنيف ويتبنون العنف في المناطق الداخلية والخارجية، ورأى بليترو أن المتطرفين في الشرق الأوسط  (كما في غيره من المناطق) يمكن أن يكونوا علمانيين أو دينيين. وقدم بليترو بعد ذلك نقطة مهمة في تعريف المتطرفين الإسلاميين عندما قال إنهم يستخدمون كل الوسائل للوصول إلى أهدافهم، ومن هذه الوسائل الفتاوى التي تحث على العنف وتدعو له. ويعلق ساتلوف الذي يعد واحدا من ابرز الباحثين والمتخصصين اليهود في الإسلام السياسي والشرق الأوسط على تعريف بليترو للمتطرفين الإسلاميين وتمييزه بينهم وبين المسالمين، بأن القول إن المتطرفين يستخدمون كل المصادر والوسائل للوصول إلى أهدافهم بما يجعل عملية التمييز بين المسالمين والمتطرفين صعبة، بحيث يبرز السؤال الرئيس: فيما إذا كان الإسلاميون المسالمون يملكون أهدافا مشابهة لأهداف المتطرفين ؟ على سبيل المثال: السعي إلى امتلاك القوة السياسية وإقامة الشريعة الإسلامية، ولكن بغير وسائل العنف. ويصل ساتلوف إلى القول: إنه على الرغم من التطور الإيجابي في دليل السياسة الأمريكية في خطاب بليترو، فإن معرفة أن المسالمين والمتطرفين من الإسلاميين الذين يملكون نفس الأهداف الإستراتيجية يجعل التمييز بينهما لا معنى له. ثم تأتي مقاربة نيومان ( المدير التنفيذي للمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي ) لتعريف الإسلام السياسي والتي ناقشت وتعرضت لمعضلة السياسة الأمريكية وهي الإسلام الانتخابي، والذي يعلن قبوله بالعملية الديمقراطية، لكن هناك مخاوف أمريكية أكبر من أن تكون الديمقراطية هي فقط وسيلة لوصول هذه الحركات إلى السلطة واحتفاظها بها، وذلك بناء على فكرة: رجل واحد، صوت واحد، مرة واحدة. أي: إلغاء العملية الديمقراطية بعد الوصول إلى الحكم. ويبدوان جوهر معضلة أو مشكلة الإسلام المعتدل، فيما إذا كان على الولايات المتحدة أن تدافع عن الانفتاح الديمقراطي والحريات العامة وحقوق الإنسان، وتتخلى عن دعم النظم التسلطية في الشرق الأوسط، وبالتالي تنسجم مع مبادئها المعلنة، ويبرز الخطر في هذه الحالة من استغلال الحركات الإسلامية السلمية لهذا الانفتاح، ووصولها إلى السلطة السياسية وإمكانية إلغاء العملية الديمقراطية وإقامة نظام أصولي معاد للغرب وللقيم الغربية ذاتها، أو أنها تدعم النظم الموجودة، وهي نظم غير ديمقراطية ولكنها تحفظ المصالح الغربية. أن قضية الإسلام المعتدل هي من القضايا المحورية في التعامل مع الإسلاميين ويرتبط بها العديد من القضايا الأخرى ذات المردود العملي على موضوعات متعددة مثل السؤال: فيما إذا كان على الموظفين الأمريكان أن يقيموا حوارا مع الجماعات الإسلامية المتطرفة أم لا ؟ وأي نظام انتخابي يمكن أن توصي به الولايات المتحدة للأصدقاء من المسلمين الحلفاء للتعامل مع مشاكلهم المحلية والإسلاميين ؟. ومن جوهر المعضلة إلى المعضلة الحقيقية التي تواجه سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع حركات الإسلام غير العنيفة، فالتعامل واقعيا مع الإسلاميين العنيفين صعب لكنه فكريا ونظريا سهل، أما التعامل مع الحركات غير العنيفة فهو صعب من الناحية النظرية والعملية. وعلى الرغم من أهمية بحث التعامل مع الإسلام السياسي المسالم، وضرورة تركيز الجهد في البحث فيه، إلا أن الرسميين الأمريكان قليلا ما يتطرقون إلى هذا الموضوع  ونصل إلى القول إن المتغير المستقل في دراسة كل حالة في التعامل مع الإسلام السياسي ليس قوة الحركة الإسلامية ذاتها ولكن قوة الدولة التي توجد فيها هذه الحركة، فالحركات الإسلامية نادرا ما تكسب والأنظمة نادرا ما تخسر، فدفاع الأنظمة عن نفسها كان هو عامل الحسم في الصراعات وليس تصميم الحركات، كما هو الحال في سوريا عندما واجهت الإخوان المسلمين في حماة بالقوة والبطش. فالحركات الإسلامية يمكن أن تملأ الفراغ الذي ينشأ عن ضعف أو تفكك الدولة، لكن تجد صعوبة بالغة بأن تتغلب هي على الدول القائمة كما هو الحال بالنسبة للمعارضة الشيعية لنظام البعث السابق في العراق. وبالتالي أن التأكيد على دور الدول التي تحتوي على هذه الحركات لا بد أن يكون محددا في تعامل أمريكا مع حركات الإسلام السياسي، هذا التأكيد كان غائباً عن السياسة الأمريكية المعلنة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وإن كانت عمليا تضمنت مساعدات اقتصادية وعسكرية، ودعماً سياسيا وتنسيقا محدودا بمكافحة الإرهاب في حينها.

 

جدل سياسي

إن موضوع الإسلام السياسي من الموضوعات التي لا يوجد حولها إجماع أو اتفاق استراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية، وقد شكل هذا الموضوع أبرز القضايا الجدلية حول الشرق الأوسط في إدارتي كل من بوش الأب وكلنتون، ومازال من الموضوعات الحية القليلة التي تستهوي عدداً كبيراً من المتخصصين. وفي استعراض لعدد من الخطابات الرئيسة لساسة ومسؤولين أمريكان حول الإسلام السياسي، نصل إلى نتيجة أنه لا توجد سياسة أمريكية رسمية تجاه الإسلام السياسي بشكل محدد (ظلت هذه الآلية مستمرة إلى منتصف التسعينات من القرن الماضي)، وإنما هناك مصالح أمريكية رئيسية تنظر إلى العلاقة مع حركات الإسلام السياسي في ضوئها، ويسلط الضوء على خطابات ادوارد جرجيان (وتعتبر مقاربته في عام 1992، أول خطاب رسمي أمريكي مخصص لحركات الإسلام السياسي) وبليترو ورونالد نيومان في تعريفهم للسياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي. ولقد رأى جرجيان (في خطابة 5/1992) وكان يشغل آنذاك منصب مساعد سكرتير الدولة لشؤون الشرق الأدنى، أن الولايات المتحدة ليست لها رؤية بأن الإسلام يشكل الخطر القادم للغرب أو عاملا في تحقيق السلام العالمي، كما بين أن الإسلام لا يشكل عاملاً إيجابيا أو سلبيا في طبيعة علاقة الولايات المتحدة مع الدول الأخرى، وقال: إن صراع الولايات المتحدة هو مع التطرف والعنف والنكران والتعصب والتهديد والإرهاب. وهذا يؤيد عدم وجود سياسة خارجية أمريكية مبنية على العامل الديني حتى عام 1992، وإنما سياسة فعالة تجاه حماية المصالح الأمريكية، إلا انه عاد وألقى خطابا عام 1995 أكد فيه على ضرورة وجود حاجة ماسة لورشة عمل حول السياسة الأمريكية تجاه الإسلام، وهذا يؤكد حدوث التغير بين عامي 1992- 1995 في النظرة الأمريكية إلى الخطر الإسلامي. وقد جاء خطاب بليترو (خليفة جرجيان في المنصب ) ليؤكد على عدم وجود سياسة أمريكية ابتداء تجاه الإسلام أو الحركات الإسلامية، وإنما تجاه مصالح الولايات المتحدة، إذ قال: " يجب أن نتعامل مع الأصولية الإسلامية في سياقات مختلفة، وكيف تؤثر في قضايا ذات أهمية للولايات المتحدة، مثل: عملية السلام، محاربة الإرهاب، أو تشجيع الأسواق المفتوحة، أو احترام حقوق الإنسان، والنقطة الأساسية في أهدافنا ليست الإسلام السياسي ". وقدم بليترو نفسه فيما بعد خطابا عام 1995 مؤكدا ومحدداً بشكل أدق ما ذكره سابقا، بحيث قال: " الفعالية السياسية الإسلامية تصبح عاملا بالنسبة لنا فقط عندما ترتطم بأهداف أو مصالح أمريكية محددة ". وفي حين لم يقدم مارتن انديك خليفة جرجيان وبليترو(في منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ) خطابا محددا ومخصصا للإسلام السياسي، فإن أحد مساعديه وهو رونالد نيومان قدم خطابا مهما في هذا المجال، حيث قال في عام  1998: " دعوني أكون واضحا ومؤكدا , الولايات المتحدة الأمريكية ليست لديها ولا يفترض أن تكون لديها سياسة معادية تجاه الإسلام "، هذه الرؤية أعاد نيومان تأكيدها عام 1999، من خلال حديثه عن مبادئ رئيسة في السياسة الأمريكية، وهي:

أولا: سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأدنى وفي أي مكان من العالم مبنية على المصالح القومية وليست على الأديان.

ثانيا: الولايات المتحدة ليست لها سياسة تجاه الإسلام، ولا يجب أن يكون لها، في عملية صنع القرار لدينا الدين ليس عاملا،

 

بالأحرى إن حساباتنا تؤخذ من خلال ما يمكن أن نعمله للسلام (الاستقرار والرخاء) لكل من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة[71] .

ونخلص من الاستعراض السابق للخطابات الرسمية وتحليلها ومناقشتها أنها ترى عدم وجود سياسة أمريكية معادية تجاه الإسلام السياسي، ولكن هناك مراحل تطور في النظرة الصراعية مع الإسلام السياسي بكل أشكاله فالمسالم والمعتدل تعمل على احتواءه في بوتقة الديمقراطية والمتطرف تضربه بقوة حتى تقضي عليه. وعمليا تطورت السياسة الأمريكية تجاه الإسلام السياسي  بشكل تدريجي، ويمكن تحديد أسس السياسة الأمريكية في التطبيق، كما يلي:

·   إن الولايات المتحدة قد حددت أن تنامي الحركات الإسلامية (بشقيها المعتدل والمتطرف. السياسي والاجتماعي. الأصولي والصوفي) عامل تهديد مباشر وغير مباشر للمصالح الأمريكية وحلفائها.

·   إن الولايات المتحدة قد عرفت هذا الخطر من خلال مصدرين: دول مستقلة ذات سيادة ( إيران والسودان مثلا)، حركات سياسية ( حزب الله، حماس ).

·   إن الولايات المتحدة قد وضعت آليات عملية ضد النوع الأول ( الدول المستقلة) من خلال سياسة الاحتواء. أما بالنسبة للحركات الإسلامية المتشددة ذات الارتباطات الأفغانية، فأن سياسة الولايات المتحدة تؤكد على المقولات التالية:

1.    محاربة الإرهاب مع عمل أمني وعسكري قوي وجذري داخل وخارج العالم الإسلامي

2.  إصلاحات سياسية تدريجية في عدد كبير من الدول تتمحور في السماح بالحريات الفردية ثم الانتخابات، وعادة ما تترك واشنطن القرارات العملية بهذا الخصوص في يد شركائها من الحكومات الصديقة وظروفهم، حيث أن السياسة الأمريكية في تغيير الأنظمة الحليفة لها سلميا ( مثلما حدث في الفلبين). وبعض دول أمريكا اللاتينية وتحويلها إلى أنظمة ديمقراطية، قد تغيّرت واستبدلت شعارات المطالبة بالديمقراطية إلى شعارات حقوق الإنسان، والحريات الفردية، واحترام حقوق الأقليات الدينية والمذهبية والاثنية.

3.  تقديم مساعدات اقتصادية لعدد من دول الحلفاء، مثل الأردن ومصر والسلطة  الفلسطينية في مواجهة الأصولية الإسلامية.

4.  إفساح المجال لعملية السلام العربي - الإسرائيلي، كأحد العناصر الرئيسة في مواجهة حركات الإسلام السياسي ورفع الغطاء عن حججها في البقاء والاستمرار.

 

وفي هذا المجال، يشدد ليك في إحدى تعليقاته عن ضرورات العملية التفاوضية والآثار المتوقعة لعملية السلام على مواجهة الحركات الأصولية، إذ يقول: "خلال عملية السلام سوف توجد بيئة إقليمية جديدة، فيها دول معتدلة من تركيا إلى السعودية ومن المغرب إلى باكستان، سوف تقيد دول الشر والمنظمات، وتمنع من مد نفوذها "، أن الرؤية الأمريكية لعملية السلام سوف تعطي الدول العربية والمسلمة من غير العربية فرصة من الحرية لمحاصرة التطرف في مواقعه  بشكل فعال، في نفس الوقت الذي ستؤدي عملية السلام إلى تحرير المصادر الاقتصادية، والتي ستعيد إدارتها الدولة بما يخدم التنمية الاقتصادية، وتستثمر استثمارا فعالا مما يقلل من عوامل السخط الاجتماعي التي تغذي التطرف الإسلامي. وعندما تتمكن الحكومات من تلبية الحاجات الاقتصادية لشعوبها، فإنها ستشعر بأمن أكبر لتلبية حاجاتهم السياسية، وأن الاستقرار السياسي سيتأثر لعدد من الأنظمة بفعل عملية السلام على المدى القصير. وفي السنوات الأخيرة التي سبقت 2001 أصاب السياسة الخارجية الأمريكية التي ترافقها أعمال استخبارية وعسكرية تغييرين رئيسين:

 

التغيير الأول: أن هناك جهودا أمريكية مؤكدة أكثر في ملاحقة الجماعات الإسلامية المسلحة والجماعات الإسلامية المنظّمة جيدا حتى لو كانت لا تؤمن بالصراع المسلح.

التغيير الثاني: عدم تنشيط سياسة الشدة تجاه إيران مرضاة لشركائها الأوروبيين، مع محاولات غير جادة لدعم الرئيس خاتمي وجناحه الإصلاحي أثناء فترة توليه الرئاسة وما بعدها.         

 

الإسلام السياسي عامل تهديد 

على امتداد العقود الثلاث الماضية منذ عام 1979، كان الإسلام هو شغل أمريكا الشاغل وحلفاءها الغربيين على اختلاف توجهات حكوماتهم، حيث تشارك اليمين المسيحي مع اليسار الديمقراطي وكذلك الاشتراكية الدولية، تشاركوا هذا التوجسّ الكبير من الإسلام السياسي. ولم يكن الدعم الأوربي الشامل والمتعدد ومعه الأمريكي. لنظام صدام في العراق يعبّر عن قناعة غربية بنظام حزب البعث في العراق وإنما محاولة لاحتواء الإسلام السياسي المعارض للهيمنة الغربية، والدليل على ذلك أن الغرب الانكلو/امريكي حاول تشجيع تسييس الإسلام السلفي الرسمي ليكون حليفا له في محاربة الإسلام السياسي الثوري. وسرعان ما انتهى هذا التحالف إلى تعارض ثم الى صدام مسلح اعنف بكثير من صراع أمريكا مع الإسلام الثوري. ولم يحدث من قبل أن ظل موضوعاً واحداً مهيمنا على صناع السياسة الخارجية الأمريكية وعلى امتداد فترة طويلة كهذه مثل موضوع الإسلام  والإسلام السياسي. ونتيجة لذلك كان الإسلام عاملاً محفزاً لاستنفار الإدارة الأمريكية وجعلها دائمة الاستعداد لردود الأفعال السريعة. ومن ضمن ردود الأفعال التي تبنتها الإدارة الأمريكية مؤخرا ما يسمى بالسياسة غير الرسمية، التي تستهدف احتواء الإسلام بطريقة أكثر مرونة من ذي قبل، بمعنى أن الموقف الرسمي لواشنطن صار لا يعلن العداء ضد الإسلام ككل، وإنما يعلن عدائيته فقط  للإسلام السياسي  والأسلمة. ولقد صار من الأهمية بل من الواجب إعادة النظر في سياسة أمريكا الخارجية تجاه الإسلام، وذلك يرجع إلى سببين:

الأول: إن الإسلام أصبح يحتل أهمية كبيرة في الشؤون الدولية والعالمية.

الثاني: إن جموعا غفيرة من المسلمين أصبحت تعيش في مناطق تؤثر تأثيرا واضحا على المصالح الغربية والأمريكية.

 

إن النظرة المتحيزة ضد الإسلام التي تتشكل في أذهان الأمريكيين، الذين يعتقدون دائما أنه لا يخرج عن إطار الحركة المعادية للغرب، وعن كونه على استعداد دائم لاستخدام أساليب العنف والإرهاب من أجل الوصول إلى غاياته. ولكن على العكس من تلك النظرة السطحية، فأن في العالم الإسلامي توجد جماعات منظمة إسلامية  كثيرة تتسم بالشرعية والمسؤولية الاجتماعية، ولكن في الوقت نفسه توجد جماعات من الإسلاميين تعمل خارج الأطر القانونية، وتلك الجماعات تستخدم العنف لبلوغ أهدافها ولذا فهي تندرج تحت مسمى الإرهابيين أو المتطرفين. وهؤلاء موجودون في كل مكان، سواء في الشرق الأوسط  أوفي غيره من المناطق، وهم لا يقتصرون على المتدينين بل يشملهم أيضا العلمانيون. ومن هنا، فأن جماعات الإسلام السياسي تنقسم إلى مجموعتين:

 

المجموعة الأولى: تشارك بطرق سلمية في نظام الدولة والحكم.

المجموعة الثانية: تستخدم العنف ضد حكومتها وضد المواطنين.

 

الأمريكيون إذن متوجسون من هؤلاء الذين يستخدمون الآلية الديمقراطية للوصول إلى الحكم بهدف ضرب العملية الديمقراطية أكثر من توجسهم من الإرهابيين الذين يجد الأمريكيون أن ما يمتلكوه من قوة استخبارية وأمنية وإمكانات مالية وبشرية وتكنولوجيا عسكرية متقدمة كفيل بالقضاء عليهم. بالرغم من كل تلك المقولات، فقد ثبت أن ما ألقاه كل من دجيريجيان وبيليترو عن تغير السياسة الأمريكية تجاه الإسلام بتفريقها بين المتطرفين والمعتدلين، وكذلك بين الإسلام والإسلام السياسي، ثبت أن كل ذلك لم يتحقق عمليا على أرض الواقع، فالسياسة الأمريكية وردود أفعالها على قضايا معينة، قلما أظهرت ذلك التفريق الذي ادعته في قراراتها السياسية.

على سبيل المثال، منذ العام 1992 لم يحدث أن اعترفت الإدارة الأمريكية بأي قوة إسلامية معتدلة، وكذلك لم يحدث أنها دافعت عن حقوق الأحزاب الإسلامية المعتدلة في المشاركة بالانتخابات مثل جماعة الإخوان المسلمين أو حزب الوسط  بمصر. لقد سيطر على إدراك الولايات المتحدة حتى في تعاملها مع المقبولين إسلامياً من وجهة نظرها هاجس الثورة الإيرانية. فمنذ اندلاع الثورة الإيرانية في 1979، والتطرف الإسلامي يمثل مشكلة مؤرقة للخارجية الأمريكية. من ذاك التأريخ، والنشطاء الإسلاميون المسلحون يضربون بيد من حديد على السياسة الأمريكية، ويروجون للأيديولوجيات القمعية ضد الغرب: من آية الله الخميني، وصولا إلى ابن لادن التي رافقت أفكاره تلك توجهات ذات طبيعة إرهابية استهدفت المسلمين أكثر مما أثرت في الغربيين، إلى حزب الله، وحماس والجهاد الإسلامي. كلهم أظهروا سياسة إسلامية واحدة تستهدف ضرب المصالح الأمريكية، وكرد فعل لهؤلاء الناشطين، جاء صاموئيل هانتجتون[72] ليقدم رؤيته العلمية التي أحدثت ضجة فكرية بالغة التأثير في الغرب: وهي أطروحته المشهورة عن "صدام الحضارات"، وأن الإسلام لديه "حدود دموية" مع الغرب. فاسحاً المجال للتنظير في مجالات الدين وتقديمه مبدأ وأولوية في كيفية تفسير الصراع في وقته، والحرب القادمة في المستقبل.

لقد شكل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان رد فعل آخر ضد هؤلاء النشطاء الإسلاميين، خاصة بعد الحملات الهجومية المتوالية ضد الأمريكيين، مثل العمليات الانتحارية التي أقيمت ضد جنود البحرية الأمريكية في لبنان على اثر التدخل العسكري هناك في ثمانينيات القرن الماضي. بمعنى آخر، لقد وصلت ردود الفعل الأمريكية المعادية ضد الإسلام إلى أوجها في خلال الفترة الأولية من رئاسة ريجان، وصارت الأسلمة عدوا لا يقل خطرا عن الاتحاد السوفييتي والشيوعية، وسمي الإسلام "بإمبراطورية الشر".

وفي عهد جورج بوش الأب، قام نائبه دانيل كويل بتشبيه مخاطر الأسلمة بمخاطر النازية والشيوعية. وادعت الإدارة الأمريكية أن التطرف والتشدد هما المتحدث الرسمي والوحيد للإسلام، وليس أدل على ذلك ما نشرته جريدة النيويورك تايمز في صفحاتها الأولى في فترة قضية سلمان رشدي  عن كون الإسلام مربوطا بالخميني، أو أن الإسلام منقاد من قبل الخميني، ومن ثم بدأ الجميع يتخوف من ذلك الإسلام ذا الصبغة الإيرانية.

في الدول السنية مثل مصر والجزائر، صارت المعارضة الإسلامية ينظر إليها على أنها شغوفة بالنمط الإيراني في قيادة الثورات وقلب الحكومات، وفي الجزائر أبدت الحكومة تخوفها من تحول عباس مدني إلى خميني آخر.

وفي السودان، أطلق على حسن الترابي آية الله في أفريقيا. وهكذا، استطاع صناع السياسة متضافرين مع مسؤولي الإعلام أن يساهموا مباشرة في إعطاء صورة واحدة ومطلقة عن الإسلام، ألا وهي أن الإسلام لا يعني إلا التطرف والتشدد، وبالتالي فالقلة المتطرفة صارت تتحدث بلسان الأكثرية المسلمة. ومن الجدير بالذكر أن الحكومات السلطوية في العالم الإسلامي قد استفادت مباشرة من تعميم تلك الصورة عن الإسلام، إذ إنها فطنت سريعا إلى أن مخاطر الإسلاميين  سواء كانت حقيقية أم مصطنعة وستترجم إلى معونات أمريكية سريعة، هذا بالإضافة إلى التأييد الأمريكي الذي سيساند تلك الحكومات، سواء من خلال تخفيف الضغط عليها في مسألة (الدمقرطة) أومن خلال فتح مساحة أوسع في اختراق حقوق الإنسان، وكما تعلمت تلك الحكومات كيفية ابتزاز الإدارة الأمريكية في ضخ المساعدات والمعونات من أجل ضرب التيار الشيوعي في خلال السبعينيات من القرن الماضي، وتمكنت أيضا أن تسلك المسلك نفسه في استغلال واشنطن ماديا ومعنويا لضرب الإسلاميين.

لقد تمكنت الحكومات في الدول المسلمة  من الجزائر إلى مصر ومن تركيا إلى أوزبكستان , أن تتخذ من الخطر الإسلامي ذريعة وحجة لتبرر بها انتهاكها لحقوق الإنسان، وقمعها للحريات المدنية، وأخيرا مواصلتها في مد كل أساليب الديكتاتورية ووضعها في ملبس شرعي. وقد وجدنا مثلا، في نظام صدام والبعث في العراق والسياسة الشوفينية التي اتبعها ضد المعارضة الإسلامية التي لم تظهر (آنذاك) بمظهرها المذهبي الشيعي. ونرى ضرب الإسلاميين متجليا في دولة مثل الجزائر حيث نزلت كل من الولايات المتحدة وفرنسا بكل ثقلهما لتأييد الحكم العسكري ضد الحركات الإسلامية. وكما يرى بعض الحكام العرب، مثل الملك حسين عاهل الأردن الراحل، والملك الحسن عاهل المغرب السابق،

لقد أدى نبذ الإسلاميين في الجزائر إلى خسائر فادحة، بل أكثر من فادحة، لدرجة أن الرئيس بوتفليقة نفسه أكد تلك الحقيقة. وبالرغم من أن بوتفليقة قام بعدها بإفساح بعض المجال لمشاركة القوى الإسلامية، فإن شبح (الجبهة الإسلامية) لا يزال يحوم ويهيمن على الشعب الجزائري. ومن الواضح أن تركيا تنتهج الطريق نفسها، ولكنها تنتهجه بصورة أكثر احتراسا وتريثا وديمقراطية. ولكن، هل تساند الولايات المتحدة الديمقراطية حقا ؟ بالتأكيد لم يتحقق في الجزائر ما تحقق في إيران، إذ لم يفلح الإسلاميون في قلب نظام الحكم العلماني إلى نظام إسلامي، وكما قال راشد الغنوشي: إن ما استخلصه الإسلاميون الجزائريون  بأن الأنظمة العلمانية مثل نظام الشاه ستئول حتما إلى نظم إسلامية أثبت عدم صحته. وكان نتيجة ذلك أن انتهج الكثير من الإسلاميين في الدول الإسلامية مثل تركيا، الأردن، مصر، المغرب، الكويت، وحتى الجزائر، مسلكا جديدا في الممارسة، يعكس سعيهم إلى المشاركة في النظام.

هنا لا بد أن نلتفت إلى حقيقة مهمة وهي أنه بينما توجد حركات إسلامية تسعى وراء القضاء على العملية السياسية وإفسادها، توجد على الصعيد الآخر حركات ومنظمات إسلامية تنتهج السياسة السلمية والمدنية على غرار الشيوعية الأوروبية (EUROCOMMUNISM). ويمكن أن يحدث ذلك بشرط أن تزول الظروف الاجتماعية السياسية التي ساندت السياسات الأيديولوجية، وأطلقت يد القوى الراديكالية، وأن تتم تقوية المؤسسات كما حدث في أوربا. أما في حالة وجود مؤسسات أضعف من أن تحتوي التحديات غير المشروعة للسلطة والأمن، فإن دمج الاتجاهات الإسلامية في النظام يصبح تحديا واضحا للعملية السياسية. والحقيقة أن المؤسسات في داخل العالم الإسلامي تتسم بالضعف بسبب استغلال الأنظمة الديكتاتورية للسلطة التي تتلقى مساعدات دائمة من واشنطن , ولذا فنحن أمام ظاهرة ذات اتجاهين:

 

الأول: اتجاه الإدارة الأمريكية إلى تأييد الحكومات الديكتاتورية في سبيل القضاء على الإسلاميين.

الثاني: تضمن تلك الحكومات أن يستمر النظام المؤسساتي في ضعفه، وبالتالي جعل الأسلمة شيئا من الصعب بل من المستحيل تنفيذه.

 

إن المشكلة الحقيقية التي تواجه المجتمعات المسلمة تتمثل في الديكتاتورية وليس في الإسلام. والحل لتلك المشكلة إنما يكمن في تقوية بناء المؤسسات وتدعيم المجتمع المدني، وليس في تقوية النظام الديكتاتوري، وهذا الحل هو الطريق ذاته الذي انتهجته الإدارة الأمريكية لإدراج الأحزاب الشيوعية الأوروبية في داخل النظام السياسي بأوروبا أيام الحرب الباردة.

من هنا يمكن أن نقول: إن السياسة الخارجية الأمريكية وجِهت  أولا وأخيرا  بتأثير مصالح الحكومات الديكتاتورية للدول المسلمة أكثر مما وجِهت من قِبَل العناصر التي تنادي بالاستقرار في المنطقة. وهذا على العموم يعد أحسن حالا بالنسبة لحماية المصالح الأمريكية، وكذلك مصالح الدول المتحالفة مع للولايات المتحدة. وهناك تساؤل على جانب كبير من الأهمية وهو: هل تتعامل السياسة الأمريكية مع الأنظمة الإسلامية بمنطق واحد؟

إذا أردنا إعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية، فينبغي علينا أن نشكل رؤية أكثر اتساعا تشمل ما وراء الشرق الأوسط، فواشنطن لم تقصر تفكيرها على نظرية أسلمة الشرق الأوسط فحسب، بل امتدت به إلى جنوب شرق آسيا. وقد تمتعت الإدارة الأمريكية بعلاقات وطيدة ولفترة طويلة مع رؤساء دول جنوب شرق آسيا، ولا سيما أكثرهم توجها إلى الإسلام.

 

قراءة في مستقبل الإسلام السياسي 

الأصولية الإسلامية Islamic Fundamentalism، التجديد الإسلامي Revival Islamic، والإسلام السياسي Political Islamic، هي جميعاً مفاهيم أو ظواهر سياسية ذات معاني وأبعاد ودلالات مختلفة، الأمر الذي يستوجب التريث قبل اختيار أي من هذه المفاهيم لدراسة الظاهرة الدينية في المجتمعات الحديثة، وبالتالي اتخاذ موقف حاسم تجاهها. إلا أن كافة المفاهيم السابقة تتناول علاقة الدين بالدولة أو الإسلام بالسياسة، والحقيقة أن ارتباط الدين بالسياسة لم يعد ظاهرة جديدة، فضلا أنها لا تخص دين بعينه وذلك لجملة من الأسباب لعل أبرزها:

1.  إن الدين يرتبط بالدولة بنواحي متعددة متشابكة خصوصاً أن الدولة كتجسيد للسلطة والتنظيم السياسي أصبحت نموذجاً عالمياً لا بديل عنه

2.  إن الكثير من الأديان وأبرزها الإسلام والمسيحية واليهودية هي في بعض ملامحها قوى عالمية فاعلة ومؤثرة في المجتمعات المعاصرة.

3.    الصراعات ذات الطابع الديني أو المذهبي يمكن أن تنشأ داخل حدود الدولة الواحدة أو فيما بين الدول.

4.  تنامي دور الرموز والمؤسسات الدينية وكذلك دور رجال الدين وأماكن العبادة داخل الدول، خلال العقود الثلاث الماضية، وبصورة مطردة.

5.    إن كثير من تصرفات وأفعال وتوجهات القادة السياسيين ذات جذور ودوافع دينية أو مذهبية في المقام الأول.

                         

بالرغم من أن الظاهرة الدينية هي ظاهرة عالمية إلا أن التركيز منصب على العالم الإسلامي لأسباب متعددة، أهمها محاولة ربطه بالإرهاب، وهو بريء منه ومن أفعاله الإجرامية بالكامل. أما عن أسباب صعود جماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط  فانه منذ ما يقارب ثلاثة عقود من الزمن، كان دور الدين في الحياة العامة يلقى قليلاً من الاهتمام لدرجة أن احد الكتاب الغربيين[73] توصل فيه إلى نتيجة مفادها:

انه من المفيد جدا فيما يتعلق بالسياسة أن يكون محط الاهتمام والتركيز على المسلمين بدلا من الإسلام.

لا شك أن لمثل هذا الاستنتاج ما يبرره في ذلك الوقت ذلك أن الاتجاه العام السائد حين ذاك فيما يخص قضايا المجتمع والتنمية كان يقوم على أن المجتمع ولاسيما في دول العالم الثالث يتبع الخطى التي سارت عليها الدول المتقدمة فيما يتعلق بالنهضة والتحديث، والتي تقوم على جملة من المرتكزات لعل أبرزها العلمانية وفصل الدين عن الدولة، ذلك أن المجتمع الحديث هو مجتمع علماني بالأساس، فالتحديث في المجال السياسي على سبيل المثال يعني العقلانية والثقافة الديمقراطية والمجتمع المدني، وهي أمور لا علاقة أو شأن للدين بها  إلا أن الأحداث في العقديين الماضيين وبالتحديد منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 ووصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى الحكم في السودان في عام 1989 وانتهاء بفوز حركة المقاومة السلامية حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، إضافة إلى تواجد قوي وفعال للجماعات الإسلامية في البرلمان والأحزاب السياسية في العراق، وكثير من منظمات المجتمع المدني في عدد كبير من دول الشرق الأوسط مثل مصر، الأردن، تركيا، الباكستان، لبنان، وغيرها من الدول الإسلامية، كل ذلك يدل بشكل قاطع على انتقال الإسلام كقوة فاعلة في المجتمع من الهامش إلى المركز  وبالتالي أصبحت الظاهرة الدينية محط اهتمام وتركيز الساسة، وصانعي القرار، والمفكرين على حد سواء، والسؤال الذي يقفز إلى الأذهان في هذا السياق ما هي العوامل والأسباب التي أدت إلى بروز جماعات الإسلام السياسي بعد فترة غير قصيرة من الغياب وعدم التأثير ؟ وقبل الإجابة على السؤال لابد من الإشارة إلى أن لكل مجتمع ظروفه وقيمه وأوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن لكل جماعة إسلامية برنامجها الخاص وظروف نشأة خاصة بها إضافة إلى بيئة النظام السياسي الذي تعمل في كنفه، الأمر الذي يجعل التعميم غير موفق وفيه تبسيط  للأمور في بعض الأحيان، فصعود التيار الإسلامي في تركيا مثلاً يعود لظروف ودوافع تختلف تماما عن صعود الحركة الإسلامية في السودان أو الجزائر مثلا، إلا أنه وبشكل عام تلخص ابرز العوامل التي أدت إلى صعود التيار الإسلامي أو ما يسمى بجماعات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي ولعل أبرزها:

 

1- فشل المشروع القومي العربي.

2- الموقف الغربي المناوئ للإسلام والشرق بشكل عام.

3- الثورة الإسلامية في إيران سنة  1979.

4- ظهور مجموعة من القادة والمفكرين الذين قدموا البيان الإسلامي لجماعات الإسلام السياسي.                                   

5- غياب الحرية الديمقراطية وشيوع الفساد والاستبداد والفقر في معظم الدول العربية.

6- غياب وضعف مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ومؤسسات.


إن جماعات الإسلام السياسي شأنها شأن العديد من التنظيمات السياسية والحركات الاجتماعية والفكرية قد تمر بأطوار ومراحل تتراوح ما بين النمو والصعود Rise والضعف والانهيار Decline  ومن ثم الزوال، وقد تمر بمراحل ضعف وجمود وثم تنهض من جديد وتصل إلى قمة الهرم السياسي، ولا شك أن مستقبل هذه الجماعات بشكل عام يعتمد على مجموعة من العوامل أو الظروف منها ما يتعلق بالجماعات نفسها ومدى قدرتها على التكيف على مستوى التنظيم أو الأيديولوجية مع الظروف والمتغيرات الجديدة سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي، كما قد يعتمد مسارها وتطورها أو ضعفها على طبيعة النظام الذي تعمل في كنفه ونظرة النظام السياسي لها، وأخيرا البيئة الدولية بشكل عام. كل ذلك يعني أن تبقى جماعات الإسلام السياسي ضمن نطاق معين إذ لا يسمح لها بالازدهار والتطور والوصول إلى السلطة وبنفس الوقت لا يتم مطاردتها والقضاء عليها تماما. ووفقاً لهذا السيناريوفإن هناك مجال أو هامش للحركة أمام جماعات الإسلام السياسي إذا احترمت قواعد اللعبة السياسية والتزمت بها ولم تحاول تجاوز الخطوط الحمراء أو تغيير القواعد الديمقراطية، وتأسيساً لذلك  فإن الجهات المتشددة من جماعات الإسلام السياسي يتم التضييق عليها ومحاربتها فيما يتم مكافأة الجماعات المعتدلة وتقديم بعض المكافآت لها (مقاعد نيابية، مراكز وظيفية، مساعدات مادية ... الخ) وتمثل الأردن نموذجا في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي فالأطراف والجماعات المتشددة مثل حزب التحرير مثلا تحارب بلا هوادة، أما الفئات المعتدلة والملتزمة بالقوانين والتعليمات فإن هناك هامش من الحرية يسمح بها لمثل هذه الجماعات وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين بالعمل والمشاركة السياسية. أما في العراق فيتم التعامل مع الجماعات الإسلامية عبر ثلاثة أساليب هي:

1.  إفساح المجال السياسي كاملا للتيارات الإسلامية المعتدلة من وجهة نظر أمريكية والعمل معها، مثل (المجلس الإسلامي الأعلى، حزب الدعوة الإسلامية والحزب الإسلامي العراقي).

2.  التضييق على التيارات الإسلامية المتشددة المؤمنة بالعمل السياسي، ومحاولة إرجاعها إلى الخط المعتدل بعيدا عن الارتباطات الخارجية وشق صفوفها في أحيان أخرى، مثل (التيار الصدري , مؤتمر أهل العراق).

3.  محاربة التيارات الإرهابية وخصوصا ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بتنظيم القاعدة، والسعي للقضاء عليها، مثل ما يسمى (جيش المجاهدين، جماعة أنصار السنة).                      

 ومما لا شك فيه أن هذا الأسلوب له الكثير من المحاذير إذ إنه في ظل ضعف الأحزاب السياسية وغياب منظمات المجتمع المدني فإن هذه الجماعات قد يأتي اليوم الذي تشق فيه عصا الطاعة وتحاول التمرد على القوانين والتعليمات خصوصا إذا ما تمكنت من الوصول إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية حرة نزيهة وبالتالي تقاوم الاحتواء وتحاول الصعود والهيمنة.

 

الموقف الدولي والإسلام السياسي

ليس هناك موقف محدد وثابت من قبل القوى الدولية تجاه جماعات الإسلام السياسي إذ أن لكل دولة خبرتها التاريخية وأجندتها الخاصة المعبرة عن خلفيات تأريخية وسياسات مصلحية آنية، تأخذ بالاعتبار مختلف الاعتبارات الدينية والقومية والاقتصادية والأمنية، وتضع ذلك في رؤيتها تجاه هذه الجماعات. كما أن النظرة تختلف من جماعة لأخرى فالموقف الدولي ولاسيما الأمريكي هذه الأيام تجاه حركة الإخوان المسلمين في سوريا مغاير تماما للموقف تجاه حركة الإخوان في مصر مثلا، ولأجل ذلك سوف نكتفي بشرح الموقف الأمريكي والأوروبي وأخيرا الصيني تجاه جماعات الإسلام السياسي:

 

الموقف الأمريكي  

 حتى قيام الثورة الإيرانية عام 1979 فإنه يمكن القول أن تحالفاً غير معلن كان قائما بين جماعات الإسلام السياسي والولايات المتحدة الأمريكية، ففي الخمسينات والستينات من القرن الماضي كانت سياسات ومواقف الإسلاميين تخدم الولايات المتحدة الأمريكية، وفي النزاع الدائر بين الإسلاميين والحركة القومية العربية قد انحازت الولايات المتحدة إلى الإسلاميين وذلك لحسابات إستراتيجية واعتبارات الحرب الباردة، فقد رأت الولايات المتحدة الأمريكية في الحركة الإسلامية حصن منيع bulwark أمام الفكر الشيوعي، وبعد الغزو السوفيتي لأفغانستان بلغ الدعم الأمريكي لجماعات الإسلامي السياسي ذروته، إلا أن التوافق في المصالح بين الولايات المتحدة والإسلاميين انتهى بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفيتي السابق، وبعد تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 والذي أدين بنتيجته إسلاميين، بدأ الصراع ما بين حلفاء الأمس وأعداء اليوم، ذلك الصراع الذي عملت وسائل الإعلام الأمريكية ومن وراءها إسرائيل على تأجيجه ثم جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 والتي كانت (الشعرة التي قصمت ظهر البعير) فأعطت الأحداث الكثير الكثير من المصداقية لنظرية صراع الحضارات التي تؤكد ضرورة المواجهة والتصدي للخطر القادم من العالم الإسلامي.

لذلك لا غرابة أن يرى الكثير اليوم أن الحرب المعلنة على الإرهاب هي في حقيقتها وأبعادها وأهدافها حربا على العالم الإسلامي لاسيما بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والتدخل العسكري الأمريكي في العراق والذي أدى إلى احتلاله وإسقاط نظامه، وباختصار، فإن أي استعراض لتاريخ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، ندرك بداية أن هذه السياسة لا تقيم وزنا للمبادئ والأفكار وإنما للمصالح والحسابات الأمريكية الدقيقة حيث نجد الاختلاف الكبير بين الموقف الأمريكي والموقف الأوربي تجاه مسلمي البوسنة والهرسك، وكيف أن أمريكا قررت التدخل العسكري لصالح المسلمين على رغم الإرادة الأوربية التي وقفت تتفرج على ذبح قومية أوربية لقومية أوربية أخرى.

لم تتوقف هذه المذابح إلاّ بالتداخل الصارم الجاد من قبل أمريكا وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تطارد جماعات الإسلام السياسي في باكستان واليمن ولبنان ومصر والسودان والجزائر والمغرب وتمارس ضغوطا في سبيل تصلب موقف المجتمع الدولي تجاه هذه الجماعات، وتحارب القاعدة في العراق وطالبان في أفغانستان بشكل مباشر، فإنه ليس هناك ما يمنع أن تغير الولايات المتحدة موقفها وتغازل أو تتحالف مع الإسلاميين في حاليا وفي المستقبل. وقد بدأت التشاور فعليا مع إخوان سوريا بغية الإطاحة بالنظام القائم حاليا، والتحالف مع الجماعات الإسلامية السنية في العراق في محاربة تنظيم القاعدة الإرهابي في مناطقهم والقضاء عليها بالإضافة إلى رعايتها الواضحة للكتل الإسلامية الحاكمة، لتقف أمام الضد النوعي الداخلي (التيار الصدري)، والضد النوعي الخارجي (إيران).

 

الموقف الأوربي

إن ظروف الخبرة التاريخية بين أوروبا والعالم الإسلامي تلعب دورا بارزا في التأثير على مواقف الدول الأوروبية تجاه هذه الجماعات، وفي هذا الصدد يقول المفكر العربي ألبرت حوراني: "إن الدين الإسلامي شكًل منذ ظهوره خطرا على أوروبا المسيحية، فالمسيحيون الذين نظروا إلى الإسلام بمزيج من الخوف والحيرة لم يكن بمقدورهم التسليم بمحمد (ص) كنبي حقيقي ولا القبول بصدق الوحي الذي نزل عليه".

ويشير حوراني إلى أن الاعتقاد السائد، إذا كانت جيوش الصليبيين قد انطلقت من أوروبا باتجاه الشرق بينما وقفت جيوش المسلمين على أبواب فينا في عهد العثمانيين، فإن هذا التفاعل بين العالم الإسلامي وأوروبا المسيحية قد خلف إرثا مريرا وذكريات مؤلمة لكلا الطرفين، وبناء على كل ما سبق فإنه ليس من المستغرب أن نجد أوروبا قلقة وحذرة جدا في التعامل مع جماعات الإسلام السياسي وهذا الموقف يبدو واضحا في الموقف الأوروبي من تركيا على سبيل المثال وحزب العدالة والتنمية التركي، ففي الوقت الذي تقف فيه أوروبا موقفا متصلبا تجاه عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي باعتباره ناديا مسيحيا فهي بذات الوقت لا تتوانى عن الاستمرار في محاربة حزب العدالة والتنمية وتشويه صورته وإنجازاته وفي الخلاصة يمكن القول في انه في ضوء الإرث التاريخي من العداء الأوروبي للعالم الإسلامي فإنه من المستبعد أن تغير أوروبا مواقفها تجاه هذه الجماعات.

 

الموقف الصيني

تميزت السياسية الصينية بضعف اهتمامها بجماعات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وهذا يعود لتذبذب السياسة الصينية بشكل عام تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي، إذ تراوح ذلك الموقف بين دعم صيني قوي للبلاد العربية خصوصا في أوائل الستينات في عهد ( شوان لاي) إلى اقتراب الصين من إسرائيل وإقامة علاقات واسعة معها. وبشكل عام يمكن القول أن الصين لا تخالف الموقف الدولي تجاه جماعات الإسلام السياسي وذلك للحفاظ على مصالحها الحيوية، لذلك يمكن القول أن موقفها بشكل عام موقف معادي لهذه الجماعات ولا يوجد في الأفق القريب ما يشير إلى أن الصين قد تغير موقفها تجاه هذه الجماعات ولاسيما في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية، إلا أنه في ظل تنامي العداء بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا إذا ما أصبحت شرق آسيا قلب الاقتصاد العالمي فإنه من غير المستبعد أن تصبح الصين الدولة الثانية بعد إيران التي تشكل خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية، عندها تصبح نظرية صموئيل هنتنتجتون في صراع الحضارات نبوءة حقيقية فتتحالف الصين مع جماعات الإسلام السياسي في مواجهة الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، ولا شك إن أي تحالف إسلامي صيني ستكون له تكاليف مرتفعة، وسوف يترتب عليه مخاطر جمة أقلها الحرب ولكنه غير مستبعد على إطلاق.

في هذا الصدد يقول غراهام فولر: "تحالف كنفوشيوسي / إسلامي يمكن أن يتحقق ليس لأن محمد وكنفوشيوس ضد الغرب ولكن هذه الثقافات تقدم الآلية للتعبير عن المعاناة التي يلومون الغرب على أسبابها جزئيا من خلال هيمنته الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية تتزايد حيث تشعر الدول بأنها لم تعد تقبلها أكثر من ذلك"[74].

 

أمريكا والفلسفة الجديدة

أن الحركات الإسلامية المعتدلة في أنحاء العالم، أو ما يسمى (حركة التجديد الإسلامي) تمثل تيارا كبيرا مقبولا في المجتمعات الإسلامية. وتتمثل أهمية هذه الحركة بالنسبة للولايات المتحدة في امتلاكها عناصر القدرة على دفع عملية الإصلاح والتطور، إضافة إلى محو وكشف التطرف الديني الذي ساعد على انتشار الكراهية والمشاعر السلبية داخل البلدان الإسلامية تجاه الثقافة الغربية بمجتمعاتها المختلفة. ويتلخص مضمون السياسة الأمريكية لمكافحة التطرف الديني بالعالم الإسلامي حسب رؤية معهد السلام الدولي، من خلال تقييم للسياسة الأمريكية الحالية تجاه العالم الإسلامي مشيرا إلى فشل ثلاثة من أهم محددات سياسة واشنطن لمواجهة التيار الإسلامي المتطرف ومخاطره التي تهدد مصالح الولايات المتحدة محليا وعالميا، وتلك المحددات تتضمن:

 

1.         الحرب العالمية ضد الإرهاب.            

2.    مبادرة شراكة الشرق الأوسط  (Middle East Partnership Initiative (MEPI) بما فيها من برامج (مالية وتدريبية) لدعم الديمقراطية والإصلاح السياسي بالعالم العربي. 

3.    جهود الدبلوماسية العامة Public Diplomacy التي تهدف إلى تحسين صورة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي.

 

تشخص هذه الدراسة المشكلة الأساسية التي تواجه هذه الإستراتيجية الأمريكية بتناقض في السياسات الثلاثة من حيث الأهداف. فعلى سبيل المثال يتطلب نجاح جهود الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب تعاون الحكومات العربية ذاتها التي تقف في طريق واشنطن لتحقيق إصلاح سياسي ملموس في الأنظمة السياسية أملا في أن يوفر الإصلاح السياسي بيئة سياسية واجتماعية ملائمة تهمش الجماعات الإسلامية المتطرفة بسبل ديمقراطية سلمية.

في هذه الحالة تواجه الإدارة الأمريكية خيارين متناقضين:

الأول: التهاون في سياسة دعم الديمقراطية لكسب تأييد الأنظمة الاستبدادية في الحرب ضد الإرهاب.

الثاني: التخلي عن عنصر أساسي في إستراتجية مكافحة الإرهاب حتى تستطيع واشنطن أن ترغم الحكومات العربية على تطبيق الإصلاح السياسي بلا قيود. وتعرب نفس المشكلة عن نفسها ثانية، في تبني سياسية الدبلوماسية العامة، فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم العناصر الإسلامية المعتدلة ضد التيار السلفي عندما يكون كل تنظيم سياسي إسلامي سواء متطرف أم معتدل تحت رقابة شرسة ومقيدة من الحكومات العربية المحلية، ومن جانب الحكومة الأمريكية في بعض الأحيان أيضاً ؟

بعيداً عن هذه التناقضات الحادة في مبادئ وأهداف السياسات المختلفة، فإن واشنطن تعاني من سوء فهم كبير لتركيبة الثقافة السياسية بالعالم الإسلامي. ودليلا على ذلك نجد تعريفات خاطئة بواشنطن لمصطلحات مثل  سلفي  وجهادي  أو متطرف  حيث أن السياسة الأمريكية تنظر إلى غالبية التيارات الإسلامية من خلال عدسة التدين الراديكالي دون اعتبار التفاوت الشاسع بين مبادئ وأهداف التنظيمات الإسلامية المختلفة، ودون تقدير الميول الإصلاحية المعتدلة التي تتبناها العديد من هذه التنظيمات في نفس الوقت.

أن إساءة فهم واشنطن لهذه الاختلافات الموجودة داخل التيار الإسلامي تمثل خطأ فادحا نظرا لأن التيارات المعتدلة، أي ما سمي (حركة التجديد الإسلامي)[75]، قد تنجح في إضعاف الجماعات الإسلامية المتطرفة إن حظيت بالدعم اللازم من الولايات المتحدة.

لكن إذا ما استمرت واشنطن على نهجها الحالي الذي لا يعترف بالفرق بين إصلاحي أو متطرف داخل التيارات الإسلامية، ستؤدي هذه السياسة إلى تقوية العناصر الراديكالية على حساب (حركة التجديد الإسلامي).

إذا السؤال الذي يطرح نفسه هنا يتمحور حول ماهية تلك التيارات المعتدلة التي نتحدث عنها وطبيعتها ؟: تتكون حركه التجديد الإسلامي من الأفراد والمؤسسات التي تهدف إلى استعاده التراث الإسلامي من العلماء التقليديين التابعيين للحكومات والأنظمة  السياسية بالدول الإسلامية، وما تم تسميته الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تقتصر أهدافها على رفع راية التعصب والعنف، والحركات الأصولية التي تحاول استغلال العملية الديمقراطية لإنشاء نظام سياسي غير حر مبني على مفاهيم ضيقة الأفق تحت شعار الإسلام وتطبيق شريعته فقط.

رغم أن معظم الأفراد والمؤسسات المنسوبين إلى حركة التجديد لا تجمع بينهم أية رابطة شمل من قريب أو بعيد بصلات رسمية مباشرة، إلا أننا نلاحظ تجمع جهودهم تحت حزمة أهداف واحدة، ومن أهمها تحديث المبادئ والقيم والمؤسسات الإسلامية لتتلاءم مع العالم الحديث، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأهمية الإسلام كمرجع ثقافي ضروري. ولذا تحمل حركة التجديد الإسلامي أمل الإصلاح السياسي من خلال رؤية تحديثية إسلامية متسامحة ومتماشية مع تحديات العصر والتراث التاريخي الحي.

ذلك يحث الولايات المتحدة على إلا تتجاهل في سياسيتها تجاه العالم الإسلامي هذا العنصر الهام المتمثل في الجماعات والاتجاهات الإسلامية الإصلاحية المعتدلة، حيث أن تحقيق أهداف السياسة الأمريكية يتمثل في ضرورة نجاح حركة التجديد الإسلامي ونصرها في المعركة ضد التطرف والتعصب الديني والخمول السياسي.

إن حركة التجديد الإسلامي تحمل فرصة ذهبية لتحسين سمعة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي ووضعها في منطقة الشرق الأوسط، حيث أن دعم الإصلاح ومواجهة الفكر المتطرف عن طريق التعاون مع حركة التجديد الإسلامي يعطي جهود دعم الإصلاح التي تبذلها الولايات المتحدة مصداقية كبيرة.

تمثل هذه الخطة بديلا مثاليا للخيارات الأخرى مثل سياسات تغيير الأنظمة، والتعاون الأمني مع الحكومات الاستبدادية، أو دعم الديمقراطية من خلال مفاهيم غربية علمانية غريبة على الثقافة السياسية بالعالم الإسلامي. ولا شك في أن الترابط بين الإسلام والسياسة أمر واقع يجب أن تتقبله الولايات المتحدة عاجلا أم آجلا.

لكن التساؤل يبقى، أي رؤية إسلامية ستنتصر في الصراع الجاري هل هي رؤية التشدد والتعصب الديني أم رؤية التسامح والمساواة والتطور ؟. هذا صراع يمكن أن يحسم لصالح الرؤية الأخيرة إن ساندت السياسة الأمريكية مؤيدي التجديد الإسلامي. وفي ضوء ما سبق  طرحت دراسة معهد السلام الدولي عدة توصيات لترميم السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي ومواجهة ما وصفته بخطر التطرف الديني، وتتمثل أهم نقاطها في:

 

1.  إنشاء منظمة مستقلة تحت اسم "المؤسسة الإسلامية العالمية" لتعزيز السلام والتنمية والرخاء والانفتاح بالمجتمعات والدول الإسلامية.

2.  توفير منح خاصة للجماعات الأمريكية لدعم البحوث والدراسات التي تبرز الأعمال والأفكار الإسلامية التحديثية .

3.  مشاركة الأحزاب الإسلامية على أساس معياري، وتركيز الحوار على القضايا السياسية المهمة مثل حرية الرأي والتعبير، حقوق المرأة والأقليات بدلا من الانشغال الزائد بمسألة الانتخابات الحرة.

4.    التأكيد على ضرورة الإصلاحات المعنية بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والدينية الهامة.

5.  إعادة صياغة هيكل وجهود برامج كل من الدبلوماسية العامة ودعم الديمقراطية والمعونات لتحسين وضع حركة الإصلاح والتجديد الإسلامي.

6.  النظر في دعم المؤسسات الخيرية ذات الهوية الدينية التي من الممكن أن تساعد على تقوية الاعتدال الديني بالعالم الإسلامي.

 

رؤية في مناهج مراكز الفكر الأمريكية:

الإسلام السياسي / الشريك الاستراتيجي

إذا عدنا إلى الوراء قليلاً عدة سنوات، سنجد أن الدراسات والأبحاث الجادة التي تتناول العلاقة بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي قليلة، بينما شهد الاهتمام البحثي الأميركي طفرة حقيقية بعد أحداث أيلول.

على الرغم من وجود ما يشبه الإجماع في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الحركات الإسلامية المتطرفة التي تتبنى العنف في التغيير السياسي، وبالتحديد الجماعات المرتبطة بالقاعدة، إلا أن الإسلام المعتدل يمثل معضلة حقيقية في رسم وتعريف السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وبالتحديد في الفترة الأخيرة التي شهدت ضغوطا أميركية لإصلاح الأوضاع السياسية في المنطقة العربية، إذ يبرز أمام دوائر التفكير وصنع القرار في واشنطن المعادلة التاريخية التي تعمل النظم السياسية على تكريسها: إما نحن – الحكومات العربية - وإما الإسلام السياسي. الخيار السياسي الأميركي، في فترة الحرب الباردة إلى أحداث أيلول، كان واضحا وهو تفضيل التحالف مع الحكومات العربية الصديقة والتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان ورفض السماح للإسلام السياسي بالوصول إلى السلطة ومحاصرته، ومنعه من تهديد مصالح الولايات المتحدة (نموذج الثورة الإيرانية وخطابها، حالة السودان سابقا تحالف البشير- الترابي والجزائر الجبهة الإسلامية للإنقاذ )، لكن هذا لم يمنع من تداخل المصالح في بعض الأوقات كما حدث في حالة أفغانستان ضد الشيوعية نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

أما السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فقد شهدت مناظرات أميركية كبيرة حول الموقف من الإسلام السياسي، الأمر الذي توازى مع دعوة الإصلاح الأميركية التي انطلقت مع إستراتيجية الأمن القومي ومبادرة الشراكة والتصريحات والخطابات الأمريكية الرسمية مع تلك الصادرة عن بنوك التفكير والبحث، ولوهلة بدا وكأن الإدارة الأمريكية تجتاز معضلة البديل الإسلامي وتنقلب على حلفائها وتنهي الصفقة التاريخية معهم.

إلا أن حسبة المصالح المتغيرة والتطورات الإقليمية أعادت الأمور مرة أخرى إلى ما قبل أحداث أيلول أي إلى السياسة الواقعية المبنية على المصالح الأمنية قريبة الأمد.

على الرغم أن المصالح هي التي تحكم السياسة الأمريكية على العموم واتجاه الإسلام السياسي على وجه الخصوص، إلا أن هنالك مناظرات وقراءات مختلفة لأزمة العلاقة مع الحركات الإسلامية وبوصلة المصالح الأمريكية في هذا السياق على المدى القريب والبعيد، ما خلق تيارات ومدارس مختلفة حول تصنيف التيارات الإسلامية وتعريفها وتحديد المعتدل والمتطرف منها وأخيراً استراتيجية التعامل معها.

 

المصالح والمتغيرات

دوام الحال من المحال، بخاصة في عالم السياسة، إذ تنقلب الصداقات وتتبدل العلاقات وفقا للمصالح والمتغيرات.

بعد أحداث أيلول، ترسخ إدراك سياسي أمريكي في مراكز الدراسات، قبلت به الإدارة الأمريكية وجعلته محور رؤيتها للشرق الأوسط، ويقوم هذا الإدراك على أن القاعدة هي نتاج للأزمات الداخلية العربية، بامتياز، وأنها، أي القاعدة، بمثابة الكرة الملتهبة التي ألقت بها الحكومات العربية في وجه العالم الغربي، وبالتحديد الولايات المتحدة، وأن السلاح الأنجح في مواجهة الإرهاب هو رمي الكرة مرة أخرى إلى الملعب العربي، والقيام بضغوطات حقيقية من أجل تغيير الأوضاع ، فإصلاح العالم العربي هو السلاح في مواجهة الإرهاب.

إذا أردنا الوقوف أمام النصوص والتصريحات الرسمية الأمريكية التي تؤكد على النتيجة السابقة فهي كثيرة، يعبر عنها ويوضحها مارتن إنديك: " إن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط  هو دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها، إن هذه النظم فضلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا"، وهو ما يمكن أن نلمسه لدى كل من بيرنز[76] إذ يقول: "إننا نشجع التغييرات البنيوية بعيدة المدى"، وزيغنوبريجنسكي[77] إذ يرى أن " الحكومات الفاشلة هي التربة الرئيسة التي تولد التطرف الإسلامي والسياسات الخاطئة لهذه الحكومات هي التهديد الرئيسي لمصالحنا الإستراتيجية، وقد فشلت الحكومات والأحزاب العلمانية في توفير أنماط مستقرة للتنمية الاقتصادية والبنية الأساسية اللازمة لإجراء تغيير اجتماعي ضخم". ويتفق معهم وزير الخارجية الأميركية الأسبق كولن باول  بقوله " ليس بمقدور الولايات المتحدة أن تكسب الحرب على الإرهاب، ما لم نواجه الجذور الاجتماعية والسياسية للفقر، إننا نريد تقديم الأفراد للعدالة إذا ارتكبوا أعمالا إرهابية ولكننا أيضا نريد أن نوفر للناس العدالة، إننا نريد مساعدة الآخرين للحصول على حكم تمثيلي يوفر الفرصة والعدل". النصوص السابقة، لعدد من المنظرين البارزين في السياسة الخارجية الأمريكية، تؤكد على أن هناك مراجعة جذرية حقيقية، للسياسة الأميركية الخارجية تجاه العالم العربي والإسلامي، جرت بعد أحداث أيلول. وإذا كان هناك ابتعاد أمريكي عن مناقشة  السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، فإن ما هو واضح أن الخطاب السياسي الأمريكي تجاه الحكومات العربية أصبح ذا طابع ثوري انقلابي يدعو إلى إصلاحات بنيوية، وقد ظهر ذلك جليا في الوثائق الرسمية الأمريكية، التي تحدثت صراحة عن ضرورة التغيير الشامل في الشرق الأوسط. فوثيقة الشراكة الشرق - أوسطية تؤكد على أن " أي معالجة للشرق الأوسط  تتجاهل تخلفه السياسي والاقتصادي والتعليمي ستكون مبنية على رمال ".

دعوى الإصلاح الأمريكية

النتائج والخلاصات السابقة وجدت طريقها إلى التطبيق العملي، وبدأت الضغوط الأمريكية على الحكومات العربية تشتد باتجاه القيام بإصلاحات كبيرة، وهو ما شجع بالفعل المعارضة العربية على التحرك  والنشاط، فوجدت متنفسا في هذه الضغوط، ومن الطبيعي أن تكون حركات الإسلام السياسي هي أحد المستفيدين الرئيسيين من فتح باب الإصلاح والتغيير، وظهر ذلك بوضوح في العراق ما بعد صدام، حيث تصدرت الحركات الإسلامية (حزب الدعوة الإسلامية، المجلس الإسلامي الأعلى والحزب الإسلامي العراقي ) المشهد السياسي العراقي.

في مصر تمكنت جماعة الإخوان من تحقيق نتائج كبيرة في الانتخابات البرلمانية، على الرغم من التضييق والحظر، ثم جاء فوز حماس ليؤكد أن الإسلاميين هم الوريث الأول، عن طريق صناديق الاقتراع ، للنظم التي تريد واشنطن تغييرها أو الضغط عليها. بالتأكيد لو كان الأمر بيد الإدارة الأمريكية لكان التيار الليبرالي العربي، بصيغته الأمريكية، هو المرشح المفضل والمطلوب أمريكيا، بدلا من الوضع السياسي الراهن، لكن هذا التيار أثبت أنه غير قادر بعد على منافسة الإسلاميين ونفوذهم الاجتماعي والسياسي، وأن رصيده لا يكاد يذكر مع رصيد القوى الإسلامية التي تتسم اللغة المتبادلة بينها وبين الولايات المتحدة بالشك والعداء. وفي ذروة الضغوط الأمريكية باتجاه الإصلاح كان جواب تيار عريض في الفكر السياسي الأمريكي، على التشكيك العربي بجدية هذه الضغوط ، يتلخص بنظرية (الفوضى البناءة)، التي تعني القبول بكل ما تأتي به الديمقراطية العربية حتى لو كان البديل هم الإسلاميين.

وفقا لهذا التيار فأن الإسلاميين إذا وصلوا إلى السلطة سيكونون أمام خيارين:

·   إما أن يتعاملوا بواقعية وعقلانية مع المشكلات والقضايا السياسية، وهو ما يحقق المصالح الأمريكية.

·  أو أن يثبتوا عجزهم وفشل شعاراتهم، ومن ثم تزول معضلة البديل الإسلامي من أمام صناع السياسة الخارجية الأمريكية.

في الفترة التي تلت احتلال العراق إلى شهور قريبة، بدا وكأن الإدارة الأمريكية تنطلق من رؤية التيار السابق وأنها تمضي في الضغط باتجاه الديمقراطية، مهما كانت نتائجها، ويعبر عن ذلك  ريتشارد هاس، مدير التخطيط السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، في محاضرته  (نحو مزيد من الديمقراطية في العالم الإسلامي) إذ يؤكد على القبول بالحركات الإسلامية في السلطة إذا احترمت قواعد اللعبة الديمقراطية.

أما البرتوفرناندز (مسؤول رفيع في شؤون الشرق الأوسط  في وزارة الخارجية الأمريكية) في واشنطن فأنه يؤكد على أن الإدارة الأمريكية لا تمانع اليوم في رؤية حركات إسلامية في السلطة بشروط معينة، أهمها القبول بالعملية السلمية للقضية الفلسطينية، القبول بالتعددية السياسية والفكرية واحترام حقوق الأقليات والحريات العامة، وحقوق المرأة.

أن تدهور الوضع في العراق، وتوقف مسار العملية السياسية، وتأكد الفرضيات السابقة بأن البديل الوحيد للنظم الحالي هو الإسلاميون، وانتصار حماس الكاسح، وعودة المحافظين إلى السلطة في إيران، كل هذه التطورات دفعت مرة أخرى بالجدل حول الإسلام السياسي ومحصلة الضغوط الأمريكية باتجاه الديمقراطية إلى الذروة في واشنطن.

عاد الاتجاه المتشدد يطالب بالتخفيف من حدة الضغوط  الأمريكية باتجاه الديمقراطية، وبتجديد الصفقة التاريخية مع النظم العربية الحالية، وبعدم السماح للإسلاميين باستثمار الديمقراطية للصعود إلى الحكم وتهديد مصالح الولايات المتحدة في المستقبل، ونجح هذا التيار في خلق حالة فريدة من التوجهات الأمريكية في العراق بمساعدة وزيرة الخارجية كوندليزا رايس والرئيس بوش ذاته، حينما بدأ اعتماد الحوار مع البعث وشخوصه من أمثال عزت الدوري وكان ذلك  في أجندة كبار المنسقين والسفارة الأمريكية ببغداد. بل تعدى الأمر مجرد التفاوض إلى القتال جنبا إلى جنب مع تنظيمات مسلحة كانت إلى وقت قريب من اشد أعداء أمريكا في العراق.

هناك اتجاه آخر يقع في الوسط  بين من يطالبون بالضغط من أجل الديمقراطية ومن يطالبون بالعودة إلى السياسة الأمريكية السابقة التي تعطي الأولوية للمصالح على قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويرى هذا الاتجاه أهمية الوصول إلى ديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، لكن الطريق إلى الديمقراطية محفوف بالمخاطر والأزمات. وحتى تتجنب الولايات المتحدة المفاجآت غير السارة، فإن عليها اختيار طريق الإصلاح التدريجي  بعيد الأمد.

يوضح رؤية هذا الاتجاه شبلي تلحمي[78] في كتاباته، فبعد أن يحذر من خطورة الانتقال الجذري والسريع إلى الديمقراطية في دول عربية، الأمر الذي يؤدي إلى وصول حركات إسلامية، يدعو إلى السعي لإحداث تغيير متدرج، الذي لا يمكن تحقيقه إلا عبر جهد تعاوني متبادل المنفعة مع الآخرين، بمن فيهم الحكومات الراغبة في المنطقة. بدت ملامح التخلي الأمريكي عن دعوة الإصلاح في الشهور الأخيرة، ويؤكد على هذه الملاحظة عدد من الخبراء والمتخصصين، فهارولد لافرانشي، محرر شؤون الشرق الأوسط  في صحيفة كريستيان سيانس مونيتور، يتساءل:

" هل تراجعت أمريكا عن نشر الديمقراطية في العالم الإسلامي ؟ "

يرى لافرانشي أن ما شهدته منطقة الشرق الأوسط  في الفترة الأخيرة من صعود حماس إلى السلطة في انتخابات مدعومة أمريكيا، وإدراك صعوبة بذر الديمقراطية في العراق مع وجود الإسلاميين الحاليين دفعت بوش إلى إعادة النظر في خطاب الديمقراطية والتخفيف من الحماسة التي طبعت مواقفه الأولى.

إن ملامح تراجع الإدارة الأميركية عن الإصلاح أشار إليها أيضا السياسي الأميركي ديفيد بروكس والذي أعلن فيه عن ولادة اتجاه آخر، داخل المحافظين الجدد، أطلق عليه (التدريجيين)، ويحتفظ هذا الاتجاه بالدعوة إلى الإصلاح والديمقراطية لكنه يخفف، في الوقت نفسه، من الهرولة السريعة بهذا الاتجاه، ويدعو إلى التقدم الحذر. ويصنف بروكس كلا من بوش ورايس أنهما من التدريجيين، وأنهما تخليا عن فكرة الديمقراطية الفورية  التي تهدد الاستقرار السياسي في المنطقة، وهو ما يؤكد فرضياتنا السابقة بخصوص توجهات الإدارة في العراق.

تلخص وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، المناظرة الأميركية حول الإصلاح بين اتجاهين، مثالي وواقعي، وتؤكد  على ضرورة اعتماد مبدأ الديمقراطية المتدرجة بعيدة الأمد ، وتقول:

" بما أن حرمان الشعوب من الحرية السياسية أمر سيّء، فإن هذا لا يعني أن ممارسة تلك الحرية ستجيء موافقة لهوانا "

المرحلة الأخيرة، التي وصلت فيها الدعوة الأمريكية إلى نهايتها، بعد جدل ومناظرات كبيرة، يمكن التقاطها من ريتشارد هاس نفسه الذي بشر قبل أربعة أعوام بنهاية  الاستثناء الديمقراطي الإسلامي ، حول الخطأ في فرضيات الحرب على الإرهاب، إذ يقول هاس: "لا بد أن ندرك أن الديمقراطية لا تأثير لها على أولئك الذين كرسوا حياتهم للإرهاب".

التحول نفسه كان يصيب أحد أبرز المنظرين الذين ارتبطوا بالمحافظين الجدد، فرنسيس فوكوياما، والذي أعلن تراجعه عن أطروحات رئيسة، من بينها المسارعة في نشر الديمقراطية في العالم العربي.

أما الديمقراطيون  من جهتهم لم يكونوا متحمسين، في الأصل، لدعوة الإصلاح وعارضوها، وحافظوا على موقفهم الداعي إلى ضرورة التدرج في الإصلاح السياسي في العالم العربي، بالتوازن مع اعتبار المصالح السياسية والأمنية الأمريكية. وفي هذا السياق يدعو المنظر الاستراتيجي الأميركي المعروف (زيغنو بريجنسكي)  إلى تبني (الواقعية التقدمية) في السياسة الخارجية الأمريكية، ويأتي ترتيب الديمقراطية والإصلاح في هذه النظرية في المرتبة الرابعة بعد الأمن والقوة الاقتصادية وتجنب الكوارث البيئية. كما يدعو بريجنسكي إلى الانتقال التدريجي إلى الديمقراطية، بالترغيب وليس بالإجبار والضغط. وفي المحصلة، لو بقي المحافظون الجدد بعد انتخابات عام 2008 أو جاء الديمقراطيون فقد انتهت الدعوة الأمريكية للإصلاح، من حيث بدأت، وتخلى عنها من روجوا ونظروا لها، وتنفست النظم العربية الصعداء، وجددت تحالفها التاريخي مرة أخرى مع الإدارة الأمريكية على حساب الوضع الداخلي.

 

صفات الشريك الإسلامي

في مقابل التيار السابق يطرح عدد من المثقفين والخبراء الأميركيين مفهوم  الإسلام المعتدل  ويسعون إلى التمييز بينه وبين  الإسلام المتطرف ، ومن أبرز المقاربات في هذا السياق، مقاربة إنجيل راباسا  الإسلام المعتدل والراديكالي .

تعترف المقاربة، ابتداء، أن مفهوم  إسلام المعتدل  يستخدم عادة دون تحديد دقيق للمعنى الذي يجب أن يمر بعملية تختبر هذا المفهوم ومضامينه. فمصطلح  (الإسلام الراديكالي)  عادة ما يقصد به الإسلاميون الذين يختارون طريق العنف ويدعمون الإرهاب، وهذا قريب من التعريف الصحيح، لكن هناك سلفيين لا يمارسون العنف بأنفسهم لكنهم يقدمون الايدولوجيا التي تخلق الظروف المناسبة  للعنف. إلا أن المقاربة تصل إلى تحديد مؤشرات رئيسة تميز الإسلام المعتدل عن الإسلام المتطرف، أبرزها: القبول بالديمقراطية والتعددية، وعدم استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، احترام الحريات الدينية وحقوق المرأة وحقها في التعليم ورعاية حقوق الإنسان.

يضيف عدد من الباحثين والخبراء على الشروط السابقة القبول بالتسوية والاعتراف بإسرائيل.

أما الباحثة شيريل برنارد[79] فلها تقسيم آخر لا يستند إلى معيار التطرف والاعتدال فقط، إذ تقسم التيارات الإسلامية إلى المتطرفين، التقليديين، الحداثيين، العلمانيين، وتعرف كل تيار من التيارات السابقة تعريفا فضفاضا غير محدّد  معرفيا وغير متوافق عليه. بالنسبة لبرنارد فالعدو هو الإسلام المتطرف، الذي يحمل مواقف عدائية شديدة للغرب.

أما التقليديون فهم أقل تشددا وإن كانوا محافظين وأقل انفتاحا على الآخر، بينما  الحداثيون يسعون إلى تطوير الإسلام وتحديثه، وهم الأقرب إلى مفهوم  الإسلام المعتدل  في الفكر السياسي الأمريكي، والمشكلة هي أن الحداثيين تيار واسع لدى برنارد تدخل فيه نوال السعداوي وغيرها من الشخصيات الجدلية، أما العلمانيون  فهم الذين يفصلون بين الإسلام وبين السياسة  وتكاد خيوط التمييز بين الحداثيين والعلمانيين تختفي في مقاربة برنارد.

وترى برنارد أن الإسلام الحداثي  هو الأقرب إلى إمكانية التصالح والالتقاء مع الغرب، وأنه الشريك الإسلامي المرغوب فيه (الإسلام المدني الديمقراطي)، لكن مشكلة الحداثيين ومعهم العلمانيون أنهم ليسوا ذوي نفوذ كبير في الأوساط الشعبية مقارنة بالمتطرفين والتقليديين.

لذا، وإن كانت برنارد تدعو إلى دعم الحداثيين والعمل على تقوية وتعزيز نفوذهم في المجتمعات العربية، فإنها تدعو أيضا إلى عدم ترك الفرصة للمتطرفين لبناء تحالف مع التقليديين، كي لا تتشكل جبهة شعبية قوية ضد الولايات المتحدة في المجتمعات العربية، بل على الحكومات العربية والولايات المتحدة العمل على استخدام  الإسلام التقليدي  ضد  الإسلام المتطرف  وخلق مواجهة بين الطرفين تؤدي إلى محاصرة المتطرفين وتحديد مصادر نفوذهم الاجتماعي.

بعيدا عن الجدل في منهج الدراسة المعرفي والتوصيات  المريبة ، فإن أبرز ما تلتقطه الدوائر الرسمية والأمنية في العالم العربي هو دعوة برنارد إلى توظيف الإسلام التقليدي ضد الإسلام المتطرف، التي تقدم فيها الحكومات والأجهزة الرسمية دعما كبيرا للقوى الإسلامية التقليدية لمواجهة التطرف، ومثال ذلك ما يجري في العراق مؤخرا عندما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على إبرام اتفاق مع قوى عشائرية وتنظيمات ذات أصول إسلامية معتدلة وتقديم الدعم لها لحرب القاعدة، لكن الشق الآخر من دعوة برنارد (دعم الحداثيين) لا تعبأ به، هذه الحكومات، لأنها ترى في الحداثيين خطرا أكبر من المتطرفين والتقليديين. فالحداثيون (في أغلب مشاربهم الفكرية والسياسية) يرفضون الاستبداد والفساد السياسي ويريدون إصلاحا سياسيا (بضمنه الاستقلال الحقيقي) موازيا للإصلاح الديني ومثالهم حزب العدالة والتنمية التركي، ما يهدد الحكومات العربية، لذلك تتحالف هذه الحكومات مع التقليديين في مواجهة الحداثيين أيضا، طالما أن التقليديين مستعدين دوما لتفسير الإسلام بما يخدم الحاكم وسلطاته وأوامره.

إذن، المعيار الرئيس الذي يجب أن يحكم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه حركات الإسلام السياسية، وفقا لبرنارد، هو المصالح الأمريكية، حتى لو أدى ذلك إلى دعم نظم مستبدة أو حركات تقليدية على حساب مشروع الإصلاح السياسي في العالم العربي والإسلامي، فهل تبتعد برنارد بهذه النتيجة عن مواصفات الإسلام المعتدل أم أن الشريك الإسلامي هو الذي يلتقي مع المصالح الأمريكية أيا كانت صيغته وأفكاره ؟

 

علاقات ودية وأخرى عدائية

إذا استندنا إلى الواقع ومؤشراته. فأمريكا تقيم علاقات ودية وتحالفا وصداقة مع العديد من الحركات والدول الإسلامية في العالم، كما هو حاصل في تركيا (حزب العدالة والتنمية)، والعراق (أحزاب السلطة الإسلامية)، وأفغانستان (القوى الإسلامية أو المجاهدون المعارضون لطالبان والقاعدة)، ويقاس على ذلك التحالف مع السعودية (التي تتخذ من الإسلام هوية رسمية للدولة وتشريعاتها).

في المقابل تدخل الولايات المتحدة في صراع وحروب مع الحركات والأحزاب والدول التي تعارض مصالحها كإيران وتنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني. وقلما نعثر على موقف أميركي واضح من الأحزاب الإسلامية في المغرب مثلا، التي ليست على تماس مباشر فوري مع المصالح الأمريكية.

إذا قرأنا خريطة العلاقات الأمريكية السابقة مع فعاليات الإسلام السياسي سنجد أن معيار الاعتدال والتطرف أو الموقف من الديمقراطية لا يمتلك وزنا حقيقيا في مواجهة معيار المصلحة الأمريكية، على النقيض من دعاوى الأدبيات الأمريكية التي تميز بين المعتدلين والمتطرفين من الإسلاميين.

في هذا السياق، وفي ذروة صعود حركات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي اليوم، ومباشرة عدد منها التعامل الواقعي مع الولايات المتحدة، وبروز مؤشرات على رسائل متبادلة خارج السياق الرسمي، فإن وصول حماس إلى السلطة يمثل اختبارا جديدا مختلفا ومحكا حقيقيا.

حماس تعلن التزامها بالديمقراطية بأبعادها كافة لكنها لم تعترف بعد بإسرائيل. وأمريكا والاتحاد الأوروبي يشترطان للتعامل معها الاعتراف بإسرائيل والتسوية، ويبدو أن هناك احتمالين لا ثالث لهما، إما أن تتراجع حماس وتقبل باللعبة الواقعية فنكون أمام مرحلة جديدة بامتياز تتوج بدخول الإسلام السياسي السني العملية السياسية في العراق وحماس في العملية السلمية، وهو ما بات بعيد التحقق وفقا للتطورات الجارية في غزة والحصار والصدام المباشر مع فتح وحرب الأسابيع الثلاث المدمرة التي قادتها إسرائيل على القطاع أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009.

وإمام إصرار حماس على مواقفها وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، تبقى العلاقة على حالها اليوم، ويظل السؤال الفلسطيني مؤججا لمشاعر العداء للولايات المتحدة ومولدا مختلف أطياف الإسلام السياسي المتطرف والمناهض لمصالح الغرب والولايات المتحدة والذي لا تنطبق عليه معايير الاعتدال الديمقراطي، ولا يفكر ابتداء بالتفاوض حول المصالح الأميركية إلا بلغة السلاح.

 


 

 


الفصل الثاني:

رؤية غربية في التطرُّف الإسلامي

 

 

تعريف الأُصولية الإسلامية

ما المقصود بالتطرُّف الإسلامي

الإرهاب الإسلامي

الخوف من الإسلام ( الإرهاب الإسلامي أو الإسلاموفوبيا )

الغرب والتهديد الإسلامي

أُطروحات تفسير الأُصولية

·          صِدامُ الحضارات.

·          ردَّة فعل العالم الثالث.

·          صراعات التحديث.

الخطر الأخضر في أوربا

اتّجاهات الأُصولية الإسلامية

مناطق التشدُّد الرَمادية في فكر الحركات الإسلامية

انتحار العقل.. وخطر التطرُّف على الغرب

مأزق الحضارة الإسلامية  

 


 

تعريف الأصولية الإسلامية

مع بداية ونهاية عام 1979 برز مصطلح (الأصولية الإسلامية). ففي شهر شباط من عام 1979 عاد الإمام الخميني من منفاه الى طهران، ليُسقط عرش الطاووس الفارسي ويؤسّس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي تشرين الثاني من ذات العام اعتصم حوالي ألفين من قيادات وكوادر وأعضاء حركة الإخوان الوهابية، اعتصموا في المسجد الحرام وأعلنوا أن الحكم السعودي غير شرعي، ومنذ ذلك الحين تضاربت التفسيرات وتقاطعت المفاهيم، ولم يُتّفق على مصطلح واحد ومحدّد لتفسير ظاهرة القدرة السياسية الهائلة، والكامنة في الدين الإسلامي، وفي معتقديه وأتباعه، الذين يريدون إعادة ما أخفته مشاريع العلمنة والتحديث من بُعدٍ اجتماعي وسياسي للإسلام.

  اعتبرت مراكز الدراسات الغربية والمستشرقون الأوربيّون جميع الحركات التي تحاول إظهار (الإسلام السياسي) أنها حركات أصولية، وبالتالي فهي حركات (إسلام سياسي). وقد طوّرت مراكز الدراسات الغربية مصطلح الإسلام الأصولي الى (الإسلاميين المتطرفين)، وذلك في أواسط التسعينات من القرن الماضي [80] .

 لقد تمّ إسقاط مصطلح الأصولية المسيحية على الحركات الإسلامية، من دون الأخذ بنظر الاعتبار الوضع الداخلي للإسلام. فالمفهوم الغربي للأصولية يستعمل مصطلحين هما:

·       Fundamentalism [81]، وهو في الاستخدام الإنكلو سكسوني البروتستانتي يعني: الإيمان بالمعنى اللفظي للكتاب المقدّس والأنبياء المسيحيّين.

·       أمّا (Integrisme) في المفهوم الفرنسي الكاثوليكي. فيعني الممارسات التقليدية للكنيسة، كما يقول أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا نيكي كيدي[82].

إلاّ أن المستشرقين اختلفوا في جذور الأصولية الإسلامية، فمنهم مَن أرجع سبب بروز الأصولية الإسلامية الى فشل التجربتين الليبرالية والاشتراكية في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة[83]، ومنهم مَن يُرجع الحركة الأصولية الإسلامية الى نهاية القرن التاسع عشر. مثل المستشرق الفرنسي والمؤرّخ والأستاذ في جامعة السوربون "دومينيك شوفالييه".

أما المستشرق "جون ايسبوسيتو"، الذي يستعمل تعبير (الصحوة الإسلامية) عندما يتحدّث عن (الحركة الأصولية)، فيعتبر أن الأصولية ما هي إلاّ ردّة فعل على إخفاق العلمانيّة، وعلى تناقص الحكومات المحلية التي يستشكل البعض منها على الغرب، والبعض الآخر يُصرّ على التغريب[84].

أما المستشرق البريطاني "فريد هاليداي"، وهو أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، فيحدّد الأصولية الإسلامية بأنها حركات سياسية تسعى للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها، وهي تعبّئ التجمّعات الدينية بُغية الوصول الى الأهداف السياسية. ويقول أيضاً: إن هذه الحركات متعصّبة ومستعدّة لاستخدام العُنف السياسي بدرجات مختلفة.

لقد أخطأ الغربيّون في تبسيط وتعويم الأصولية الإسلامية، وبذلك تماهت الحدود بين الحركات الدينية ذات الطابع الدعوي التبليغي، والحركات الدينية ذات الطابع الخدمي الاجتماعي، والحركات الدينية ذات الطابع السياسي، وحركات الإصلاح الديني التي تهتمّ بالجانب الفكري والثقافي، من دون التدخّل بالشأن السياسي، والتجمّعات الدينية ذات الطابع الفردي.

لقد وضع الغرب كل هذه الحركات ضمن مصطلح واحد وهو: (الأصولية الإسلامية). ولم يدر ببالِ المستشرقين ومراكز الدراسات أن مصطلح ومفهوم كلمة (الأصولية الإسلامية)، تعني عند المسلمين أيدلوجيا محبوبة جدّاً، ومفهومة وواضحة، ولا يشعر أيّ مسلم، سواء كان منتمي لأيّ من هذه الحركات المذكورة أم لم يكن، بأن الأصولية الإسلامية تعني الجمود والتخلّف والنكوص الى الوراء، والاعتقاد بالصَنميّة الدينية وما الى ذلك. بل العكس هو الصحيح تماماً.

وهكذا ساهم التعريف التعويمي الغربي للأصولية الإسلامية في تعاطف الشارع المسلم غير المُسيّس مع الحركات الإسلامية السياسية، وساهم هذا التعريف الذي روّجت له ذات الحركات الإسلامية، في تدمير وإنهاء حالة الاعتدال الإسلامي والنهضة الإسلامية السلمية، بل ساهم في إعلاء صوت التطرّف الديني؛ باعتباره (ردّة فعل طبيعية) لما يحدث ضدّ (الدين الإسلامي) من مؤامرات خارجية!

الأصولية كما يفهمها المسلم، هي حركة دينية تجديديّة، سَلفية، تقرأ الإسلام بواقعيّات المجتمع الذي تعيش فيه، والزمان الذي تواجهه. والأصولية الإسلامية بمختلف مذاهبها ومشاربها الفكرية، وتوجّهاتها السياسية، قد ظهرت في الحياة الإسلامية مقابل (إسلام السلطة) و (إسلام الحكّام)، الذين لا يريدون من الإسلام إلاّ وجهه العبادي، وتأثيره على الفرد وليس على المجتمع.

وكان قادة الأصولية الإسلامية دائماً هم طبقة الفقهاء، وأئمّة الفقه والتفسير، الذين كانوا على قطيعة مع السلاطين والحكام.

أمّا البذور الأولى للأصولية الإسلامية الحديثة، فلم تكن على شكل (إسلام سياسي)، بل كانت على شكل حركات دينية، أملتها (الانفعالات النفسية المريرة)، التي تمثّلت ليس بسقوط الخلافة، (كما يحلّل بعض العلمانيّين)، بل:

·   جاءت كردّة فعل للمظالم السياسية والاقتصادية التي ألحقها الغرب المستعمر بالأمّة العربية والإسلامية[85] أثناء الاستعمار، وفي قضية فلسطين. وهذه المظالم قد أنسَت المجتمعات العربية والإسلامية المظالم الاجتماعية والطبقية التي أنتجها التخلّف والاستبداد بالسلطة وفساد الطبقة الحاكمة.

·   تتمثّل بوصول المدّ الثوري التحرّري الذي اجتاح معظم الشعوب في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، وهو المدّ الذي سيستفيد منه المعسكر الاشتراكي ويحاول تدجينه ماركسياً، ليكون جزءً من منظومة الاتحاد السوفياتي المتصارع مع المعسكر الغربي، صراع مصالح ونفوذ.

 

وهكذا أنحى المفكرون والمنظّرون الإسلاميون باللائمة على الاستعمار الغربي، الذي حاول هو ذاته، خلال سيطرته الاستعمارية العسكرية، أن يحارب الإسلام وشريعته، ويطلق العنان لأتباعه من المبشّرين بالمسيحية، الذين أعماهم التعصّب، وبثّ الحقد في نفوسهم؛ نتيجة فشلهم في الاحتفاظ ببيت المَقدِس إبّان الحروب الصليبية.

وبالرغم من هذه المرارة، كان الخط الإسلامي (المعتدل) هو الغالب في التيارات الإسلامية، ويعود للحكام المستبدّين والتيارات العلمانية سبب حشر الإسلاميّين في الزاوية الحرجة، ليبدأ منظّرو الإسلام السياسي داخل الحركات الإسلامية الأصولية، بالتفكير الجدّي باتّخاذ العُنف وسيلة للدفاع عن النفس، وسرعان ما تطور ذلك الى أن يكون العُنف السِمة الغالبة على حركات الإسلام السياسي، وتجرّ هذه كل الاتجاهات الأصولية غير العنيفة الى ثقافة العنف.

لقد انتبه بعض المختصّين الأمريكيين في شؤون الإسلام، مثل "روبرت سبينسر"،  الى اتخاذ رؤية مختلفة، تتمثّل في أنه لا يوجد فرق بين الإسلام والإسلام السياسي، وأنه من غير المنطقي الفصل بينهما؛ فالإسلام ـ بنظر سبينسر ـ يحمل في مبادئه أهدافاً سياسية. وقال ما نصّه:

"إن الإسلام ليس مجرّد دين للمسلمين، وإنما هو طريقة وأسلوب للحياة، وفيه تعليمات وأوامر من أبسط الفعّاليات كالأكل والشرب، وصولاً إلى الأمور الروحية الأكثر تعقيداً".

يقول تقرير للجنة الأبحاث التابعة لمجلس النواب في الكونغرس الأمريكي، حول الإرهاب والحرب غير التقليدية، والذي صدر في 3 أيلول 1992، ردّاً على اتهام الأصولية الإسلامية بالخطورة تجاه الغرب،: "إن الأصولية الإسلامية بمعناها الحقيقي، هي الالتزام السلمي وغير المُؤذي بحرفية القرآن. وإن الأُصولية غير موجودة في الحركات الإسلامية المعاصرة، التي تحمل أجندات تسعى من خلالها نحو الديمقراطية، وتحرير الجماهير من الحكومات الفاسدة التسلّطية".

لتوضيح وجهة النظر هذه، يقتبس التقرير المذكور مقالاً آخر نشر في مجلة الشؤون الخارجية، بقلم "روبين رابت"، الخبيرة المختصّة في شؤون الشرق الأوسط. حيث تقول: "إن الحركات الإسلامية المتنوّعة غالباً ما تُسمَّى في الغرب أصولية، لكن معظم أتباعها في الحقيقة ما هم إلاّ أصوليّون من ناحية الأجندات التي يتبنّونها، فالأصولية عموماً تحثّ على الالتزام السلمي بالنصوص، ولا تسعى لتغيير النظام الاجتماعي، وهي بدلاً من ذلك، تركّز على إصلاح حياة الفرد والعائلة. فالأصولية إذن، هي (التمسّك بالأُصول)".

إذن العناصر الرئيسية في مفهوم الأصولية الإسلامية، كما يقول الدكتور حسين سعد[86] هي:

1.   حركة تقوم على الدعوة الى الإسلام.

2.   هذه الدعوة تنطلق من ينابيع الإسلام (القران والسُنّة)، ومع ذلك فهي دعوة تجديد وليست حركة سلفية.

3.  الموضوعات التي نتناولها هي موضوعات قائمة الآن. في الوقت الحاضر، والحاضر يعني الزمان، حيث كتب هؤلاء الأعلام كتاباتهم.

وعليه، نميل الى اعتماد مفهومٍ للأصولية الإسلامية مؤدّاه أنّ الأصولية حركة تجديد في الفكر الإسلامي، تنظر الى القضايا الراهنة من منطلَق الشريعة الإسلامية، لإضفاء الطابع الشرعي على مقوّمات حياة الإنسان في الزمان الحاضر.

 

ما المقصود بالتطرّف الإسلامي؟

ربّما يكون اصطلاح التطرّف أقرب لمفهوم الإرهاب والعُنف من مصطلح الأصولية، وإن كان لا يعني نفس الشيء تماماً، فالتطرّف سياسياً يعني: الدعوة الفرديّة والجماعية إلى إجراء تغيير جذري في النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في بلد مُعيَّن.

إن المتطرّفين في نظر الغرب هم جميع المسلمين، بغضِّ النظر عن بلدانهم، أو الجماعات التي ينتمون إليها، أو لغاتهم، أو قضاياهم أو مشاكلهم، في نظرة شاملة. ونستشهد بـ"ريتشارد باوتشر" في 9/2/1993، عندما كان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، حيث قال: "إن لدى الولايات المتحدة اعتقاد بأن المتطرّفين هم جماعات مثل حماس وحزب الله، أو أيّة جماعات أخرى تحاول أن ترفض عملية السلام، وتحاول إعاقتها عن طريق العنف".

إذن، ما يميّز التطرّف من وجهة نظر الغربيّين هو الجمع ما بين الدين والقضايا الوطنية والسياسية، مثل فلسطين أو لبنان، وهو بالتالي يهدّد المصالح الأمريكية، وموجه بالأساس ضدّ الغرب وأمريكا وإسرائيل.

 

الإرهاب الإسلامي

إن كان التطرّف ـ حسب ما ذُكر أعلاه ـ يتعلّق بالفكر والنظرة حول التغيير، فإن الإرهاب هو استخدام تكتيكات قتالية عنيفة لتنفيذ البرامج المُتطرّفة، على حدِّ تعبير "تيم ويرث"، مستشار وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ولقد نشأت خلال السنوات الماضية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جماعات جديدة وراديكالية، مثل حماس، والجهاد الإسلامي الفلسطيني، حزب الله اللبناني، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وهي جماعات تعتمد أيديولوجية إسلامية، ولكنّها تستخدم تكتيكات إرهابية لتنفيذ برامجها المتطرّفة ـ من وجهة نظر غربية ـ، ومثالها في مصر حينما قامت الجماعة الإسلامية، جماعة عمر عبد الرحمن، باعتداءات عنيفة على مسؤولين مصريّين ومفكّرين علمانيّين وسيّاح أجانب، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بهدف زعزعة حكومة مبارك في حينها.

في هذا يقول "برنارد لويس": "إن استغلال هذه الجماعات للجدل السياسي لا ينبغي أن يؤدّي بنا إلى الخلط بين الإرهاب والإسلام في أذهاننا.

ليس لنا مشكلة بالطبع مع الإسلام، أو مع مَن يُمارس تلك العقيدة. إنّ المشكلة هي مع استخدام أي شخص للعُنف والإرهاب. فالإرهاب هو استخدام العنف بطريقة غير قانونية أو التهديد بالعُنف ضدّ الأشخاص أو الممتلكات، من أجل دعم أو تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، أو لإكراه الحكومات والأفراد والجماعات لتعديل سلوكهم أو سياساتهم".

في انتقالةٍ موضوعية، فإن الموقف الأمريكي المعلَن، والعديد من الأكاديميّين الغربيّين يؤكّد أنه: لا صلة بين الإرهاب، بهذا المعنى، والإسلام كديانة عالمية تنبذ العُنف والإرهاب والتهديد مُثلاً، وفي كلام "ويرث" أعلاه دليل على ذلك.

يؤكّد ذلك "جيمس ويلزي" مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق، في شهادة أمام مجلس الشيوخ عام 1993، حيث يقول: "إن استخدام المتطرّفين الدينيّين للعُنف في الشرق الأوسط، نَزعَة مُغلقة، وإنّ غالبية هذه الجماعات لم تستهدف المصالح الأمريكية بشكل مباشر".  

على نفس المنوال يقول "فيليب ولكوكس" المنسِّق الأمريكي لمكافحة الإرهاب: "إن مرتكبي هذه الجرائم الوحشية هم ـ أو يُعتقد بأنهم ـ متطرّفون يسيئون للدين الإسلامي الذي يزعمون أنهم يعملون باسمه، لقد كرّسوا جهدهم لتدمير عملية السلام العربية الإسرائيلية ودولة إسرائيل. علاوة على أنّ هذه الجماعات غارقة في كراهيّتها للغرب وثقافته".

إن الإرهاب ناتج عن الصراعات في الشرق الأوسط، وهو ظاهرة عالمية.

ويقول الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، بأن: "قليلاً من الأمريكيين يدركون عراقة العالم الإسلامي، إنّهم يذكرون فقط بأنّ السيوف هي السبب في انتشار الدين الإسلامي في آسيا وإفريقيا، وحتى أوروبا. لقد تناسى هؤلاء بأنّ الإسلام لا يقرّ الإرهاب، وأنه لم تمضِ إلاّ ثلاثة قرون منذ آخر حرب دينية في أوروبا".

لسنا نرى ضرورة للتوسّع هنا في أنواع الإرهاب وأشكاله، ما دامت الدوافع واحدة لاستخدام العُنف، مهما تعدّدت الأساليب.

 

الخوف من الإسلام ( الإرهاب الإسلامي أو الإسلاموفوبيا ) 

يرى الباحثون الأمريكان والغربيون على السواء، المهتمّون بالشؤون الإسلامية والشرق أوسطية، بأن المشكلة في المفاهيم والفهم المتبادل, بالإضافة لدور الدعاية الصهيونية وأعوانها في الغرب، والتي نجحت في النهاية في ترسيخ نظرة مشوَّهة للإسلام. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل وصل الأمر إلى إرعاب المجتمعات الغربية من كل ما هو مسلم، حتى ظهر في الغرب مصطلح إسلاموفوبيا، Islamophobia، أو الخوف من الإسلام، وهو يعني بالنتيجة: الخوف والرُعب والكره للإسلام والمسلمين.

مصطلح فوبيا أو الإرهاب، يعرّف في علم النفس بأنه: الخوف غير المبرَّر من شيء. وبالتالي فإن هذا الخوف غير المنطقي مبنيّ على تاريخ مَرَضِي مزوّر، فالمصطلح بحدِّ ذاته هو دفاع عن الإسلام، لكن الظاهر أنه منتشر بين الغربيّين.

أما أهمّ ملامح ظاهرة الإرهاب الإسلامي عند الغرب، فهي ما يلي:

1.          النظر للإسلام وإلى الثقافات الإسلامية عموماً على أنها عقيدة جامدة، تسير على وتيرة واحدة، لا تغيير فيها ولا تجديد ولا تنوع، ولا تقبل التعدّد واختلاف الآراء.

2.          الإدعاء بأن الثقافة الإسلامية تختلف كلياً عن الثقافات الأخرى، وأن المسلمين متشدّدين ويتقيّدون بحرفية النصوص الدينية.

3.          تصوير الإسلام بأنه خطر يهدّد العالم، على غرار النازية والشيوعية، وأن الأصولية الإسلامية تُشكِّل أكبر خطر يهدّد السلام العالمي.

 

أُطروحات تفسير الأُصولية 

إن التعقيدات في العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي تعود، في جزء مهم منها، إلى المدِّ الإسلامي المتشدّد، الذي يَرى في الغرب تهديداً للإسلام.

من جانبه يفسِّر الغرب الأصولية الإسلامية انطلاقاً من أطروحات متباينة، وهو ما يؤدّي إلى خلاصات سياسية متعارضة.

هذه المقاربة تقدّم نقداً لاثنتين من الأُطروحات الأكثر شيوعاً: تلك التي تقول بالصِدام الحتمي بين الحضارات، وتلك التي تفسِّر الأصولية كردّ فعل على الإمبريالية الغربية، وتربطها بحركات أخرى منتمية إلى العالم الثالث.

وعلى العكس، تدافع عن أُطروحة (صراعات التحديث)، التي لا ترى الأزمة الحالية صراعاً بين الغرب والإسلام، بمقدار ما هي نتيجة لصراعات داخلية تنبع من مسار التحديث في العالم الإسلامي.

إن فكرة العلاقات بين الغرب والإسلام لا تسير على ما يرام كفكرة راسخة لدى مواطني العالمين، كما يُظهر ذلك استبيان مركز أبحاث (Pew) (1) 2005 [87].

غالبية مَن تمّ استجوابهم في البلدان الغربية، كما في البلدان الإسلامية، اعتبروا أنها سيّئة. على سبيل المثال كان ذلك رأي 61% من الأسبان. لكنّ ما يُلفت الانتباه، هو أنه من بين كل العيِّنات المستجوبة في 13 بلداً، ظهر مسلمو إسبانيا الأكثر تفاؤلاً، فقد اعتبر أكثر من نصفهم أنّها علاقات جيدة.

إن أبرز ما يأخذه المسلمون على الغربيّين ـ حسب نفس المركز ـ هو كونهم أنانيّين وعنيفين ومنحطّين أخلاقياً، وفي المقابل، يرى الغربيّون في المسلمين أشخاصاً انفعاليّين وعنيفين. أمّا عن سوء الفهم المتبادل على أُسس دينية صِرفة، فيُظهر استبيان أجراه نفس المركز عام 2005، أن 63% من الأتراك، و 58% من المغاربة، و 57% من الإندونيسيين، صرّحوا بأن لديهم صورة سلبية عن المسيحيين، والغالبية في كل البلدان الإسلامية لديها صورة سلبية عن اليهود [88].

رأي الغربيّين عن المسلمين ليس بهذا السوء، لكن 51% من الهولنديّين، و 41% من الألمان، و 34% من الإسبان، يصرّحون حسب الاستبيان المشار إليه، بأن لديهم صورة سيّئة عن المسلمين، وتنخفض هذه النسبة بشكل مُعتبر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وبالتأكيد فإن وضع القيم والتصوّرات السائدة في البلدان الإسلامية والغربية في المواجهة يعتَبر تبسيطاً؛ إذ لا شكّ أن هناك قيماً مشتركة، وفي بعض المجالات هناك اختلاف كبير بين البلدان الغربية نفسها، كما يبدو ذلك الاختلاف أكبر بين العديد من البلدان الإسلامية. الديمقراطية مثلاً، تمثّل قيمة متقاسَمة، وبالرغم من أن بلداناً إسلامية قليلة تنعم بها، فإن أغلب المواطنين فيها يُقاسمون الغربيين التـَوق إليها. وبحسب استبيان، فإن نسبة مَن يؤيّدون الديمقراطية تتراوح ما بين 85% و 98%  في العالم الإسلامي، كما في العالم الغربي.

على المستوى الديني الفروق كبيرة. إذا كان المسلمون يتميّزون بتديّنهم، فإنّ ما يستحقّ الملاحظة هو الفرق بين الأوروبيّين والأمريكيين، ففي الردّ على سؤال: (ما أهمّية الله في حياتك)؟ في استبيان وضعَ الرقم (10) كحدٍّ أعلى، والرقم (1) كحدٍّ أدنى، جاءت النتيجة في أكثر من نصف البلدان الإسلامية فوق الــ (9)، لكنّ نفس الأمر حصل في المكسيك وشيلي.

الأرجنتين والولايات المتحدة جاءت فوق الـ(8) بينما جاءت إسبانيا تحت الـ (6)، وهبطت كلّ من بريطانيا وفرنسا وسويسرا تحت الـ (3.5).

لإثبات الفرق بين الدول الإسلامية نفسها، فلا شيء أفضل من إلقاء نظرة على مُعدّل الأبناء لكلِّ سيدة: في أفغانستان واليمن أكثر من (6)، وفي فلسطين أكثر من (5)، وأكثر من (4) أطفال لكلّ سيدة في العراق وباكستان والسعودية، لكن أيضاً طفلان فقط لكلّ سيّدة في إيران وتونس، ويصل المعدّل إلى فوق الاثنين بقليل في إندونيسيا والجزائر والمغرب. وللمقارنة نذكر بأن نفس المعدّل في الولايات المتحدة هو (2)، وفي فرنسا (1.9)، وفي ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا (1.3).

إذن، إلى حدٍّ بعيد تتقاطع قيم الحياة الخاصّة، فالأمريكيون والفرنسيون والإيرانيون يتقاسمون إلى حدٍّ ما نفس العقلية. ولكن وبالرغم من كلّ الدلائل التي تؤكّد الاختلاف الداخلي في كلا العالمين، فإنه لا بدّ من الاعتراف بأن سوء التفاهم الحالي بين الغرب والإسلام يمثّل مشكلة خطيرة؛ لأن العلاقة بين هذين الطرفين مَفصلية بالنسبة لمستقبلنا..

ومن خلال النظرة الأوروبية ـ تحديداً ـ للعلاقة مع الإسلام، تنبع أهّمية أساسية لأسبابٍ منها:

1.     قابلية التوتّر في العالم الإسلامي.

2.     العوز الأوروبي في مجال الطاقة وموجات الهجرة.

3.     تحوّل قضية العلاقة بين الغرب والإسلام إلى قضية بمنتهى الأهمّية، عن طريق تدويل الإرهاب الجهادي، الذي ترجم في عمليات لا تميِّز أحداً، وتستهدف المدنيّين الغربيّين.

هذا العامل يطغى على العوامل الأخرى المشار إليها، فالسباق نحو الإرهاب جعل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر دموية، وكذا الأزمة اللبنانية والجزائرية، وفي هذه الأيام يحصل الشيء نفسه في العراق، كما يشكّل التهديد الإرهابي خطرا كامناً على المنشآت النفطية في الشرق الأوسط.

لكن مشاركة مسلمين أوروبيّين في عمليات ارتُكبت في أوروبا وانطلقت منها، يعتَبر العنصر الأكثر إثارة للقلق في العلاقة مع الجاليات المسلمة في أوروبا.

الإرهاب الذي نسمّيه "جهادياً" أي الذي يدَُّعى أنه استجابة لنداء إلهي بالدفاع عن الإسلام، يشكّل المظهر الأكثر عُنفاً لحركة أوسع تسمَّى عادَة بطرق مختلفة:

·  الإسلامويّة.

·  الأُصولية الإسلامية. 

·  الإسلام المتشدِّد.

هدفها هو إخضاع المجتمعات المسلمة لحرفية النصوص الأولى للإسلام. وهذا الاتّجاه للعودة إلى الأصول، يصاحب رفضاً صارماً لغالبية القِيم الأساسية للحداثة، التي يقدّمها الإسلاميّون الأصوليون على أنها بِدع قادمة من الغرب، لا تتواءم مع الإسلام.

لمعرفة حجم التهديد على الغرب الذي يشكله الإسلام الأصولي، وتحديداً الإرهاب الجهادي، لا بدّ من تحديد الجذور التي تشرح الظاهرة بشكل أفضل. وإذا بسطنا الأمر قليلاً فيمكن القول إنه تمّ اقتراح ثلاث تفسيرات:

 

·             أُطروحة صِدام الحضارات.

·             أُطروحة ردّة فعل العالم الثالث.

·             أُطروحة صراعات التحديث.

 

صدام الحضارات 

يفسّر هذا الطرح الإرهاب الجهادي كتواصل، بأساليب جديدة، للتمدّد الإسلامي الذي بدأ في زمن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) *.

القاعدة إذن.. تستأنف ضدّ الغرب الصراع الذي خاضه في أيّامهم الأمويّون والمرابطون والموحّدون والعثمانيّون.

يزعم هذا الطرح أن أيديولوجيا ابن لادن تجد لنفسها جذوراً في القرآن نفسه، الذي يَحوي نداء لقتال غير المؤمنين. ومَن يتبنّون هذه النظرية يعتبرون أن كل الإسلاميّين لديهم نفس الهدف، كما يرون في مسلمي أوروبا طابوراً خامساً كامناً. وعليه، فنحن أمام صدام بين الغرب والإسلام، كالصراع الذي خاضه الغرب ضد المعسكر السوفييتي السابق. وللاستجابة لهذا التهديد، لا بدّ أن يتركّز على إعادة التسلّح بمعناه الثلاثي [89] :

·             التسلّح العسكري: بقوات تدخّل مهيّأة للتحدّيات الجديدة.

·             التسلح القانوني: بقوانين جديدة لمحاربة التهديد الإرهابي الجديد.

·             التسلح الأخلاقي: بمعنى إعادة التأكيد على قِيم التراث المسيحي اليهودي.

 

النقطة الأخيرة مهمّة، لأن المدافعين عن هذه النظرية تعوّدوا غالباً الحديث عن الانحطاط الأوروبي، مؤكّدين أن أوروبا التي أدارت الظهر للقيم المسيحية اليهودية، ودخلت في اختلال سكاني كبير، وهي في الطريق إلى فقدان قدرتها على المنافسة الاقتصادية، بل وتفتقر إلى الإيمان الأخلاقي الضروري للدفاع عن نفسها؛ ستكون ضعيفة أمام التهديد الإسلامي. ويصل البعض حدَّ الحديث عن شبح "عُروبـّـا" EUROABIA ، أي: أوروبا خاضعة للإسلام!

أما الطرح الثاني، الذي يعكس اتّجاهاً شائعاً بين قطاعات مهمّة من المثقّفين الغربيّين، مؤدّاه تحميل الغرب كل شرور العالم.. فعلى هذا الرأي فالإسلاموية ليست ظاهرة دينية، بل ولا تواصلاً للمدِّ الإسلامي بأساليب جديدة، بل إنها ردّة فعل على الإمبريالية الغربية. فالخطيئة الأولى كانت الاستعمار الأوروبي، وتفاقمت المشكلة بإنشاء دولة إسرائيل، والتدخّلات الغربية في العالم الإسلامي، والدعم الغربي، سواء لإسرائيل، أو لأنظمة عربية رجعيّة وفاسدة تحول دون تقدّم شعوبها.

في الجملة، تمثّل الإسلاموية، فضلاً عن خطابها الديني، مظهراً جديداً للحرب ضدّ الإمبريالية، وهي في النهاية ردّ على ظلم النظام الدولي الذي أقامه الغرب.

ومع كون هذا الطرح يتقاطع مع النسبية الثقافية، فهو يقدَّم دوماً مصحوباً بنقد للادعاء بأنّ القيم الكونية التي يدافع عنها الغرب، هي أرقى من القيم الإسلامية.

الطرحان الذين لُخِّصا للتوِّ، يمثّلان في الواقع عنصرين من المعضلة. ولا شك أن الإسلاميين المتشدّدين، وحتى الإرهابيين الجهاديين، يؤسّسون فكرهم على نصوص إسلامية مقدّسة والنداءات الواردة فيها هي للجهاد ضدّ غير المؤمنين.

من جانب آخر، فإن التعاطف لدى قطاعات واسعة من المسلمين مع الأصولية الإسلامية، وحتى مع الإرهاب الدولي الموجَّه ضدّ الغرب، يفسّر جزئياً بالشعور بالظلم تجاه الغرب، وهو شعور ليس آتيا من فراغ.

إن الطرحين معاً خاطئان من الأساس، وسيؤدّيان إلى نتائج مؤلمة إن تحوّلا إلى مُنطلق للسياسية الغربية؛ فالأوّل سيدفع إلى خلق المزيد من الأعداء، والثاني إلى عجزٍ مصدره الشعور بالذنب.

إن المقاربة المؤسَّسة على صِدام الحضارات، ستحوّل مجرّد الصعوبات في العلاقات البينية إلى مواجهة لا يمكن حلّها. وعلى أرض الواقع لا يوجد صدام كوني؛ فالأزمات التي يعاني منها العالم الإسلامي ليست في أغلبها نتيجة صدام بين الإسلام والغرب، بمقدار ما هي أزمات أهليّة داخل المجتمعات الإسلامية. والصراع في العراق على سبيل المثال، وإن بدأ بسبب القرار الخاطئ، فإنه في جوهره صراع بين الولايات المتحدة والإرهاب.

كذلك فإن الأقليات المسلمة في أوروبا لا تشكّل طابوراً خامساً معادياً، وإن كانت تظهر فيها نزعات فرديّة إلى التشدّد.

لكن الأهم هو أنه لمحاربة الإرهاب الجهادي، فليس من الحكمة إعطاؤه الحجّة ليُثبت أن الإسلام والغرب غير قابلين للاتفاق. بل على العكس، سيكون التعاون الأمني مع الحكومات الإسلامية ذا جدوى كبيرة.

 

صراعات التحديث 

لفهم المشكلة لابدّ من الرجوع إلى الطرح الثالث، القائل بأن الأصولية الإسلامية والإرهاب الجهادي ينبعان من احتقانات داخل المجتمعات المسلمة، لكن يمكن فهمها في إطار المسار الكوني للحداثة.

في القرون الثلاثة الماضية، عرفت البشرية تغيّراً جذرياً في البُنى التي تحكم حياتها، سيؤدّي بها بالضرورة إلى أقلَمَة نُظمها القـِيـميَّة، والقواعد التي تُمليها عقليّاتها التقليدية، وهذه الأزمة يمكنها، في نفس الوقت، تسهيل صعود أيديولوجيات شمولية تتبنّى استعادة القيم التقليدية، أو فرض قِيم أخرى عن طريق اللجوء إلى العُنف والتسلّط.

في إسبانيا مثّلت الفرانكوية محاولةً لفرض قيم إسبانيا الإمبراطورية، وقيم الكاثوليكية المتزمّتة على مجتمع متعدّد. وفي أوروبا، في القرن العشرين، قادت المحاولات المثالية لإقامة عالم جديد على قطيعة مع التقاليد الإنسانية، الغربَ إلى الانحرافات الستالينية والنازية. ولم يكن طريق التحديث، لا في أوروبا ولا في آسيا الشرقية، سلميّاً ولا معبّداً، بل صاحبته طيلة القرن العشرين الماضي أزمات على درجة عالية من العُنف.

ومن هذا المنظور التاريخي، لن يكون مفاجئاً أنه أيضاً في الكثير من البلاد الإسلامية، وليس في كلها بالضرورة، أن تَعبُر مسيرة التحديث ـ التي بدأت فقط  في القرن العشرين الماضي ـ مصحوبة بانتشار للأزمات وازدهارٍ للأيديولوجيات المتطرّفة. ومن المؤكّد أن الأصولية الإسلامية ـ وعلى خلاف النازية والستالينية والمانويّة ـ تتأسَّس على مبادئ دينية تقليدية، ومَثَلها الأعلى ليس في المستقبل، بل في ماضٍ مثالي. لكن يجدر التذكير بأنه في إسبانيا، كانت الحروب الدينية التي أدمت كلّ القارة خلال القرنين السادس والسابع عشر الميلادي، كانت تحضيراً لأوج العَلمَنة التي بدأت في القرن الثامن عشر، ومثَّلت تجربة (خينربا دكالبينو) خصوصاً، تجربة حكم لاهوتي، وهي من حيث مراقبتها للحياة الخاصة للمواطنين، لا تبتعد تماماً عما تسعى إليه الأصولية الإسلامية.

لماذا يحصل كل ذلك ؟

كثيرة هي الأسباب التي قدَّمها الدارسون لتفسير أوج الأصولية، وليس من السهل تقييم الأهمّية النسبية لكل منها.

ومن العوامل المهمّة دون شك، الشعور بالهزيمة، وأشواق الماضي المشرِّف، وانعدام تأييد شعبي للحكام، والمعاناة من بعض نتائج التحديث، وردّة فعل الهوية ضدّ النفوذ الغربي، والحاجة إلى آفاق للأجيال الشابة، واستخدام التقنيّات المعلوماتية..

وفي حالة مسلمي أوروبا: الشعور بالتهميش في المجتمع الذي يعيشون فيه.

 

أشواق الماضي والشعور بالهزيمة 

لدى العالم الإسلامي، والعالم العربي بشكل خاص، باستثناء الثروة البترولية، القليل من الأسباب للشعور بالرضا عن إنجازاته في العقود الأخيرة؛ فمستوى حياة الشعوب متردٍّ، ومن ثمّ فوحدها مجموعة صغيرة من البلدان الإسلامية الغنية بالبترول هي التي توفّرت على معدّلات نمو مرتفعة.

المؤشّرات الاقتصادية متواضعة، باستثناء النمو المهم الذي عرفته آسيا الشرقية. وفي الوقت نفسه يتمتع العالم الإسلامي بموارد لها أهمّيتها على الصعيد الدولي، بينما يغيب له أي حضور مهم في مجالات العلم والتقنيات والثقافة والرياضة.

وأخيراً، يتعزّز الشعور بالهزيمة، وخاصة في العالم العربي، بسبب التوسّع الذي تمارسه إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني، وهي الدولة الصغيرة المكوّنة من أقلية دينية طالما عاشت متفرّقة بين المجتمعات العربية.

كل هذا.. خلق شعوراً متقاسماً بالخيبة، وخاصة لدى أمّة تشعر بأنها تملك زمام الحقيقة الدينية الكونية، وتتذكر ماضياً مليئاً بالأمجاد. ويضاف إلى ذلك أن المسيطرين اليوم هم ورثة الديانة المنافسة تقليدياً (:المسيحية)، هذا من جانب، ومن جانب آخر، لم يفتأ الحكام يحاولون توجيه المشاعر الشعبية لصالحهم، عن طريق القومية كما حصل في مصر عبد الناصر، أو الاحتواء الديني كما في السعودية. لكن عهد جاذبية هذه النماذج قد انتهى منذ عقود؛ فالأنظمة القومية، كالنظام المصري، حقّقت إنجازات ضئيلة جداً، أمّا تديّن الحكام السعوديّين، فقد تدنّس بتحالفهم مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، تبدو محدودة جدّاً الخيارات السياسية البديلة؛ بسبب التسلّط السائد.

حسب مؤشر منظمة (بيت الحرية)، فإن البلد المسلم الوحيد الذي يمكن اعتباره حرّا هو اندونيسيا، أما ليبيا وسوريا والسعودية.. فهي من أسوأ البلدان في العالم في مجال الحرّية.

إن الإسلاميين سواء وجدوا أنفسهم ملاحَقين أم حظوا بتعامل عادي معهم، فهم يحظون على كل حال بالشرعية الدينية، وفي ظروف كهذه يظهرون كخيار للتغيير، خصوصاً في البلدان العربية والإسلامية، كما في كل البلدان التي تضع الحداثة الكثير من القيم والتقاليد موضع مساءلة.

مثلاً يُنظر إلى الحرية الشخصية على الطريقة الغربية، من طرف كثيرين، لا فقط كأمرٍ متناقض مع المبادئ الدينية، بل كأمرٍ متناقض مع أُسس الحياة الاجتماعية. وينظر بشكل أخص إلى تحرّر المرأة بالكثير من الارتياب، انطلاقاً من تقليد يتأسّس على الأبوية المُطلقة.

وبمقدار ما يصبح بالإمكان أن تُحسَب كل هذه المستجدَّات على الغرب، يَسهل الحكم عليها بالرفض؛ لذلك يرى الكثير من المسلمين في الغرب تهديداً مزدوجاً؛ فمن جانب في قوته الاقتصادية والعسكرية، وخاصة في حالة الولايات المتحدة، ومن جانب آخر في نفوذه الثقافي الذي يُنظَر إليه كمصدر للانحلال الأخلاقي.

ومن الدليل هنا أن 60% من الأردنيين والمصريين والإندونيسيين والأتراك، والمسلمين البريطانيين، يرون في الغربيّين ـ حسب استبيان مركز (PEW) ـ أناساً منحطّين أخلاقيا، لكن هذه النسبة تنخفض إلى الـ 30% في حالة المسلمين الأسبان والفرنسيّين والألمان [90].

تزداد جاذبية الأصولية، وحتى الإرهاب الجهادي، بسبب انعدام آفاق تستوعب الأجيال الجديدة، التي تلاقي مصاعب جمّة في الحصول على فرص عمل تناسب تطلّعاتها، وهذا الأمر هو نتيجة الركود الاقتصادي، إضافة إلى التحوّلات السكانية، وهي أمور حصلت في البلدان الإسلامية وفي العالم الثالث عامّة، بشكل أسوأ ممّا حصل قديماً في الغرب. فقد انخفضت نسبة الوفيات بسرعة، وبالرغم من أن نِسب الخصوبة بدأت في الانخفاض، فإن الوضع الحالي هو الزيادة الكبيرة في نسبة الشباب، وبعبارة أخرى، فإن مَن يدخلون سنويا إلى سوق العمل، هم أكثر بكثير قياساً إلى قدرة النظام الاقتصادي على توفير فرص عمل لهم.

هذا الأمر يتقاطع مع ما أبرزته دراسة أُجريت على مستوى العالم، من أن الزيادة في نسبة الشباب تعتبر مؤشراً ذا علاقة إحصائية قوّية جداً بظهور النزاعات المسلّحة.

وأخير لا بد من التنبيه إلى أن الأصولية الإسلامية لا ترفض الجوانب التقنيّة للحداثة، بل على العكس، تعرف جيداً كيف تستفيد منها، وخاصة المستجدّات المعلوماتية؛ حيث يمثّل الانترنت وسيلة مثالية تماماً للوصول إلى الشباب المسلمين، الذين يبحثون عن معنى يعطونه لحياتهم عبر العالم كلّه.

 

الخطر الأخضر في أوربا 

يشكّل وجود المسلمين في أوربا ظاهرة خطيرة متمثّلة في كونهم مقيمين، وأحياناً مولودين في دول أوربية، وينضمّون إلى شبكات الإرهاب الجهادي كما نرى باستمرار.

في هذه الحالة لابد من البحث عن الدافع إلى التشدّد في الشعور بالانتماء للمجتمع الأوروبي، فـ 37% من المسلمين الفرنسيين، و 28% من البريطانيين، و 25% من الأسبان، و 19% من الألمان يصرّحون، بحسب استبيان مركز (PEW) عام 2006، بأنهم تعرّضوا لتجارب شخصية من الاعتداء عليهم بسبب كونهم مسلمين. من جانب آخر، فإن أغلبهم يشعرون بكونهم مسلمين قبل أن يكونوا مواطنين لبلدانهم، باستثناء حالة فرنسا، حيث يشعر 46% منهم بأنهم فرنسيون قبل كل شيء، مقابل 42% يشعرون بأنهم مسلمون قبل كل شيء، ويضاف إلى كل ذلك كون المسلمين الأوروبيين ـ المنتمين في أغلبهم إلى الموجات المهاجرة والتي لا تحوي خبرات مهمّة ـ يعيشون مستوى اقتصادياً أضعف في المتوسط بالقياس مع المواطنين الآخرين.

وبحسب تقرير حديث للمرصد الأوروبي للعنصرية والخوف من الأجانب، يعيش المسلمون في أحياء ظروف الإسكان فيها سيّئة، والمستوى الدراسي منخفض، كما يتركّز المسلمون في المِهن الأضعف دخلاً، ومن بينهم نسبة بطالة مرتفعة.

 

اتّجاهات الأصولية الإسلامية

ترجع العلاقات مستقبلاً بين العالم الإسلامي والغرب إلى حدٍّ بعيد إلى المدّ الأصولي المتشدّد، والإرهاب الجهادي، إن كان سيستمرّ أم لا. وهذا بدوره يرجع إلى العديد من العوامل، نذكر منها: الاتجاهات التي ستظهر تبعاً للتنمية الاقتصادية، والتحوّل السكاني، وانتشار الديمقراطية، والصراعات المسلّحة، وفعّالية الحرب على الإرهاب، واندماج المسلمين الأوروبيّين..، فمن هذه العوامل:

 

·                               التنمية الاقتصادية

يعتبر الأداء الاقتصادي للبلدان الإسلامية مخيّباً للآمال خلال السنوات الأخيرة؛ فلم يتجاوز نموّ الناتج الداخلي الخام في مجمل البلدان العربية نسبة 1% كل عام، ما بين عامي 1990 و 2003، و1.1 في باكستان، و1.3% في تركيا و2% في إندونيسيا، و2.1% في إيران. وكلها أرقام تأتي بعيداً خلف تلك التي حقّقتها بلدان آسيا الوسطى والشرقية.

والتفسير مبدئياً بسيط: فالبلدان الإسلامية، على خلاف (الصين، الهند، النمور الآسيوية الصغيرة)، لم تندمج في الاقتصاد العالمي، باستثناء تصديرها للبترول والغاز. وممّا يستحق التنويه أن بلدان المغرب العربي ـ مثلاً ـ ليس بينها تبادل تجاري. وإذا لم تبذل البلدان الإسلامية جهوداً من أجل الانفتاح، فإن مستقبلها لن يكون أفضل.

لا بد هنا من أن توضع في الحسبان العوامل الإيديولوجية، فرفض الحداثة الغربية الذي تحدّثنا عنه، ليس أفضل وضع من أجل الانفتاح على الاقتصاد الكوني، وبدوره سيكون الاحتكار الاقتصادي عاملاً محفزاً للتشدّد.

 

·                         التحوّلات السكانية 

من المؤشّرات المطمئنة على المدى المتوسط، أن الضغط الديموغرافي، والحاجة إلى استيعاب الأجيال الشابة، في طريقهما إلى الانخفاض. وهناك أمر مهمّ لا يلقى عادة الانتباه الكافي، وهو الانخفاض الكبير في معدّلات الخصوبة في البلدان الإسلامية. فإذا كان معدّل الأطفال لكلّ سيدة تراوح بين 6 و 7 خلال القرن العشرين، فإنه مع بداية القرن الحادي والعشرين تغيّرت الوضعية كليّاً كما رأينا سابقاً، وهذا يدفع إلى الأمل بأن تجد بلدان إسلامية نفسها في أوضاع سكانية مريحة، وذلك خلال سنوات قليلة.

 

·                         انتشار الديمقراطية 

في المقابل لا يبدو وضع الديمقراطية مشجّعاً. فمع بعض الاستثناءات، أهمّها إندونيسيا وتركيا، يبقى العالم الإسلامي على هامش الموجة الديمقراطية التي عرفها العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين الماضي. حيث مستوى الحقوق السياسية والحرّيات المدنية يعتبر ما بين منخفض ومنخفض جداً، ولا تلوح آفاق مستقبلية لتقدّم الديمقراطية.

وتنظيم انتخابات حرّة قد يقود إلى انتصار المتشدّدين الإسلاميّين أعدائها الفكريّين. لكن غيابها يؤدّي إلى التعبير عن الغضب بوسائل غير ديمقراطية وعدائية تجاه الغرب.

 

·                         الصراعات المسلحة 

الحلّ السلمي للصراعات يعتبر بالتأكيد عاملاً مهمّا للتقدّم، وهو أيضاً أساسي لتخفيض شعور المسلمين العدائي تجاه الغرب. ومن الصعب طبعاً التفاؤل على المدى القريب؛ إذ تبقى المخاوف قائمة من أن يتواصل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومن أن يتأخّر الوصول إلى تفاهم يُنهي حالة الحرب الأهلية في العراق، ومن أن يؤدّي البرنامج النووي الإيراني إلى ضغوطات خطيرة. وكل هذا سيفرض على القوى الغربية اتّخاذ قرارات صعبة.

 

·                         الحرب ضدّ الإرهاب 

يشكّل القضاء على الإرهاب الجهادي الدولي هدفاً مهماً مشتركاً للبلدان الإسلامية والغربية، ورغم أن التعاون بهذا الخصوص ليس سهلاً على الدوام، فإنه يبقى مطلوباً جداً.

إن أي عمليات جديدة ضدّ الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001،  فإن صورة الإسلام ستهوي في الغرب، وتؤدّي زيادة على ذلك إلى موجة خوف من الإسلام، تعقّد المساعي ـ التي تبقى مطلوبة ـ لدمج المسلمين الأوروبيّين.

من هنا، فالموضوع إذن يصعب استشرافه، إذ يعود أكثر إلى مهارة الأمن في إحباط عمليات معيّنة. ومهما يكن.. فيمكن التفاؤل ـ بحذرـ لسببين:

الأوّل: من المؤكّد أن تأثيرات العمليات الإرهابية ضدّ الغرب تتّجه إلى أن تصير أخف؛ لأن المحاولات باتت أقل، ولأنها تُحبط غالباً.

الثاني: يبدو أن تأييد الشعوب للإرهاب الجهادي في طور التناقص.

لذلك يمكن أن يساهم المسلمون الأوروبيّون، الذين ينتمون إلى العالمين في آن، في مدّ الجسور بينهما، مع أن خطراً هناك في اتّجاه أقلّية منهم إلى التشدُّد، وهو ما يعرقل اندماجهم ويوفّر حاضنة للإرهاب.

إذن، لا بد من مجهود، ويجب أن يجمع ثلاثة عناصر:

1.        الدفاع عن قيم الحرية، بما في ذلك التأكيد على حرية النساء المسلمات في أن يقرّرن بأنفسهن دون أي ضغط.

2.        تحسين وضع المسلمين من حيث العمل والتعليم، وتحسين صورتهم في الإعلام، من أجل تجنب أن يتحوّل الانتماء الديني إلى عائق عن الصعود الاجتماعي.

3.        المجهود القانوني والأمني من أجل استئصال أي محاولة إرهابية، وهذا ما يحصل الآن.

 

في إشارة أخيرة حول هذه المقاربة في الأصولية والتشدّد فإنه إذا صحّ التشخيص المتقدّم، فيمكن التأكيد على أن العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي ستكون أقلّ توتراً، وذلك بمقدار ما تتمكن البلدان الإسلامية من التقدّم على طريق التحديث. وإن الصعوبات الموجودة اليوم في هذه العلاقات، تعود في جزء مهم منها إلى مشاعر الاستياء لدى المسلمين، الذين يحمّلون في الغالب سياسة الغرب المسؤولية عن ما يتعرّضون له من مشاكل. ويتوجّب أن يكون تشجيع التفاهم والتعاون بين العالمين همّاً واحداً مشتركاً.

 

مناطق التشدّد الرمادية في فكر الحركات الإسلامية

أصدرت مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي ـ وهي مؤسسة أمريكية أسّست عام 1910  ونشطت في الماضي في متابعة شؤون الاتحاد السوفيتي، وتقدِّم نفسها باعتبارها تطرح حلول عملية لمشاكل قد تعوق العلاقات الإيجابية بين الأُمم، وتدعم المؤسّسة بوضوح قيام الولايات المتحدة الأميركية بدور نشط على المستوى الدولي ـ دراسة بعنوان: (الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي: استكشاف المناطق الرمادية). تنطلق الدراسة برؤية افتراضية تقوم على أن من الخطأ النظر للحركات الإسلامية على أنها جميعاً تتبنّى العُنف لتحقيق أهدافها، وأن الكثير من الحركات الإسلامية استنكرت العُنف أو تجنّبته. وهذه الحركات غير العُنفيَّة هي التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية. فرغم خطر الجماعات الإرهابية، فإن هدفها في دولة الخلافة، أو دولة إسلامية حسب تفسير هذه الجماعات الأصولية، لم يعد احتمالاً واقعياً.

ويرى واضعو الدراسة وهم: "ناتان براون"، و"عمر حمزاوي"، و"ماريان اوتاوي"، أن هناك غموض مستمر لدى الحركات الإسلامية، أو ما أسموه مناطق رمادية، فيما يتعلّق بقضايا أساسية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا يوجِّه الباحثون اتهاماً للحركات الإسلامية، أو يقولون أن هذا الغموض مقصود لإخفاء حقيقة مواقف الحركات الإسلامية، بل يقولون إن عدم الوضوح مرتبط بأن الإسلاميّين أنفسهم يمرّون بمرحلة تطوّر في استراتيجياتهم وتفكيرهم، بينما يعيشون جدل داخلي ضمن الحركات ذاتها حول الاتجاه الأنسب في المرحلة المقبلة.

يؤكد الباحثون أن الإسلاميين المعتدلين أصبحوا الأنشط في الدفاع عن الديمقراطية؛ لأنه دون ديمقراطية لا يمكن لهم تحقيق النجاح السياسي. وتعزّز الاتجاه الليبرالي في داخل الأُطر الإسلامية منذ هجمات 11 أيلول 2001 لأسباب، منها أن الإسلاميّين غير محصّنين من الخطاب الذي يملأ المنطقة حول الدمج والديمقراطية، ولأنّ الأنظمة في المنطقة وجدت نفسها مضطرّة لتبنّي خطوات إصلاحية تسمح بمشاركة سياسية أوسع. ولكن حتى أكثر الجماعات الإسلامية المعتدلة اعتدالاً، لا يوجد فيها تحوّل كلّي عن أفكارها الأصيلة حول إقامة دولة إسلامية تُحكم من خلال الشريعة كلّياً، دون الاستعداد للتنازل أو التفاوض حول ذلك. وهناك فريق داخل الحركات يصرّ على هذا التصوّر، مقابل فريق يتبنّى هدف جديد، هو لعب دور فاعل في مجتمع تعدّدي ديمقراطي.

هذا التوتر الداخلي من أهمّ أسباب المناطق الرمادية في فكر الحركات الإسلامية. ومن الأسباب الإضافية للغموض هو: الطبيعة المزاوجة للحركات الإسلامية كحركات سياسية ودينية في وقت واحد.

وبينما يشير الباحثون إلى أن هناك جيل جديد من الإسلاميين نشأ في سياق اجتماعي/ سياسي مختلف عن أسلافهم، فإن الباحثين يرون أن التمايز بين الاتّجاه المحافظ  والليبرالي في الحركات الإسلامية لن يحلّ تلقائياً بمرور الزمن. وأن هناك عوامل عدّة تتحكّم بمسار الأحداث، منها تطوّرات الوضع السياسي في كل بلد. ويشير البحث إلى أن الغموض ليس خاصاً بالإسلاميّين، بل هناك أنظمة وجماعات أخرى مواقفها فيها غموض بشأن الالتزام بحقوق الإنسان والديمقراطية والتعدّدية. ويحدّد البحث ستّة أماكن رمادية.

 

مناطق الغموض الرمادية:

الأُولى: تطبيق الشريعة الإسلامية 

رغم أن أي جماعة لا يمكن أن تعتبر إسلامية دون الدعوة لتطبيق الشريعة، إلاّ أن هناك هامش حركة ومناورة مهمّ، لأن الشريعة ليست قوانين محدّدة يضمّها كتاب واحد يشمل تطبيقاتها في الحياة، ولكنها تضمّ الكثير من القواعد والاجتهادات والتفسيرات، تختلف من بلد لآخر، وتبعاً لمدارس مختلفة.

برأي الباحثين أن إيجاد قانون كامل لجميع الشؤون من الشريعة، فكرة طموحة وراديكالية جداً، ويقول الباحثون: إن الأولويات تختلف من بلد لآخر، فما هو أساسي لإسلامي دولة ما، ليس كذلك لإسلاميّي دولة أخرى. ولا تبدو قضايا كـ(الكحول، وقانون العقوبات)، قضايا أساسية في الخطاب الإسلامي المعاصر.

القضية الأهمّ هي: مَن الذي يملك حقّ التشريع، وهي قضية الخلاف الأساسية بين الإسلاميّين وغير الإسلاميّين. وهل يقوم بذلك البرلمان المنتخب أم علماء الشريعة؟ وإذا كان الإسلاميون المعتدلون يركزون في خطابهم على فتح باب الاجتهاد، والإقرار بتعدّدية التفسيرات في الشريعة الإسلامية، فإن السؤال ليس فتح باب الاجتهاد، فهذا الباب برأي الباحثين لم يغلَق أبداً، والحركات الإسلامية مارسته طوال القرن العشرين الماضي، ولكن السؤال: مَن الذي يقوم به؟ وكيف يتمّ القيام به؟ والمدى الذي يمكن أن يصله الاجتهاد والتفسير؟

 

الثانية: استخدام العنف.

هناك خشية دائماً أن الإسلاميّين مستعدّون للجوء للعُنف إن لم توصلهم الديمقراطية لأهدافهم، ويرى الباحثون أن هذا الاتهام غير عادل، وأن الحركات الإسلامية الرئيسية التي تقرّ الانتخابات لا تلجأ للعنف، بل إن هذه الحركات تحتاج للحماية من عُنف الأنظمة.

لكنّ الخوف المبرَّر هو أن الحركات الإسلامية تُهيِّئ أحياناً المناخ لبروز جماعات منشقّة عنها تتّبع العُنف. وهناك أدلّة أن تنظيمات إرهابية، مثل القاعدة، استفادت في جمع التبرّعات وتجنيد الأعضاء من أُطر ومؤسّسات خيرية وتعليمية، تقف وراءها جماعات إسلامية غير عُنفيَّة.

كما أن هناك إشكالية أخرى، هي أن الالتزام بعدم العنف الداخلي، لا يصل درجة الوضوح ذاتها فيما يتعلّق بالخارج، فالتفريق بين مفهوم المقاومة والإرهاب يبقى قضية ليس بذات الوضوح. وهناك تناقض أحياناً في قضايا مثل إسرائيل، فرغم أن الحركات الإسلامية لم تعد تمارس الجهاد ضدّ إسرائيل بشكل فعلي، فهي أحياناً تدعم لفظياً ـ على الأقلّ ـ العنف ضدّ الإسرائيليّين، بينما تعترف قيادات إسلامية ـ ولا سيّما في البرلمانات ـ ضمناً بمعاهدات السلام المُبرمة من دول عربية مع إسرائيل.

ويقول الباحثون: إن الإسلاميين يعانون من عدم وجود بديل مقنع، يمكن تبنّيه لحلّ القضية الفلسطينية. والتساؤل: ماذا لو وصلوا للسلطة، ماذا ستكون خياراتهم بالنسبة للعُنف ضدّ إسرائيل، وفي العراق وغيرها؟ فالموضوع عن إسرائيل وفلسطين مساحة غامضة ثانية.

 

الثالثة: التعدّدية السياسية

الغموض له أسباب تاريخية، ففي السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي، كان الإسلاميون يقدّمون أنفسهم على أنهم أصحاب نموذج بديل للنموذج الغربي، وهاجموا بالتالي الليبرالية الديمقراطية، لأنها تركّز على الفرد وليس الأمّة. ولدى بدء المشاركة بالانتخابات، كانوا يرون الانتخابات أداة للعودة للإسلام، مع تعبئة ضدّ العلمانيّين والليبراليين، وعارض كثير من الإسلاميّين شرعية وجود العلمانيّين. وفي تسعينيات القرن الماضي بدأ الأمر بالتغيّر، وبدأ إسلاميّون يذهبون إلى أبعد من الإقرار بشرعية وجود العلمانيّين، إلى حدّ رؤيتهم حلفاء محتملين. وبدؤوا يتبنّون مصطلحات ديمقراطية وليبرالية.

لكن الغموض هو: هل يستعد الإسلاميون لتبني قرارات تخالف وجهة نظرهم إذا ما أُقرّت ديمقراطياً، وأن يُقنعوا أتباعهم أن هناك حلول مختلفة للقضايا، وأنه يجب الالتزام بالخيار الديمقراطي، حتى لو لم يكن الخيار الإسلامي الذي يرونه، والذي قد يكون الخيار الأفضل؟ وهل يمكن أن يفعلوا ذلك كما فعلته الأحزاب المسيحية في أوروبا؟..

 

الرابعة: الحقوق المدنية والسياسية

رغم تبني الإسلاميين لمفاهيم وأفكار ليبرالية عديدة، ورغم أن الكثير من الليبراليّين العرب يقبلون بقيود معيّنة حول الحرّيات المدنية والسياسية، لمنع انتقاد صارخ للإسلام. ولكنهم قلقون أن نظاماً إسلامياً سيمنع أي انتقاد لأي تفسير أوفهم للإسلام، سوى فهم المجموعة المسيطرة.

هناك بالفعل رفض من الإسلاميّين للحرّية الفرديّة، ويرون هذه الحرية خاضعة لمصلحة الجماعة. ويرفضون حقّ الفرد فيما يسمّوه بالحرّية غير المسؤولة، وفي تحديد المصلحة، وتحديداً موضوع الحرّية الدينيّة.

 

الخامسة: حقوق المرأة  

لا يوجد خلاف كبير في مواضيع الحقوق السياسية والعمل وغير ذلك، ولكن الخلاف في القضايا الشخصية مثل: الزواج، والطلاق، والوصاية على الأطفال، والميراث، وإعطاء المواطنة لأبنائها.

هناك دول فيها مرونة بشأن التفسيرات التقليدية لهذه الحقوق، وهناك قبول، كما في حالة الحركة الإسلامية بالمغرب، بالتعديلات الديمقراطية حول قوانين الأحوال الشخصية، ولكن السؤال: إلى أيِّ مدى ستتبنّى الحركات في الدول المختلفة هذه المرونة؟.

 

المنطقة السادسة: تتعلّق بالأقلّيات الدينية

يقرّ الباحثون أن هذه النقطة تشغل البال في الولايات المتحدة أكثر منها في العالم العربي ولدى الحركات الإسلامية، التي تؤمن في كثير من الحالات بحقّ أهل الكتاب في ترتيب شؤونهم الذاتية والشخصية، وممارسة عباداتهم.

لكنّ المشكلة الحقيقة تتعلّق بمسألة المساواة الكاملة. فهل يُسمَح لغير المسلمين بدخول الأحزاب والجماعات الإسلامية؟ ففي بعض الحالات مسموح بالفعل، ولكن في حالات أخرى، غير مسموح! كذلك هناك مشكلات الأقليّات الإسلامية ذاتها، بمعنى حقوق الأقليات السنّية والشيعية في الدول التي يوجد بها توزيع وتنوّع طائفي. وهذا لن يحلّ إلاّ بالتزام تامّ بمبدأ حقوق المواطنة المتساوية.

 

حسم هذه النقاط الستّ هو ما يحدّد اتجاه الحركات الإسلامية للديمقراطية أم أنها تتبنّى سلطوية ذات شخصيّة إسلامية.

برأي الباحثين، لا يمكن هزيمة الحركة الإسلامية ديمقراطياً من خلال الأحزاب الليبرالية والعلمانية، كما أن خيار قمعها بالقوّة يحمل خطر الحرب الأهليّة والمجازر، على غرار ما حصل في الجزائر بعد العام 1992 [91] .

من هنا فالتركيز على الجدل الداخلي في الحركات الإسلامية هو الحاسم، وسيكون اتجاه الأحداث والموقف الحقيقي من الديمقراطية والليبرالية في الحركات الإسلامية تبعاً لحسم الجدل بين الإسلاميّين الإصلاحيين، وأغلبهم من الجيل الجديد، وبين المتشدّدين. وحسم التنافس سيكون مرتبطاً بإجراءات ومواقف الحكومات العربية، وبدرجة أقلّ بمواقف أطراف خارجية مثل الولايات المتحدة. فكلّما خفّت قبضة الأنظمة، وكلّما زادت التعدّدية السياسية، وسُمح لأحزاب سياسية إسلامية صِرفة ـ لا يوجد لديها ازدواجية دينية / سياسية ـ بالمشاركة، كلّما زاد احتمال حسم الاختلاف لصالح الإصلاحيّين.

والدراسة بلا شك دراسة مهمّة ومتوازنة، لا يوجد فيها انحياز ضدّ الإسلاميّين أو معهم، وهي تطرح تساؤلات مشروعة ومبرَّرة، منها أحد النقاط الغائبة التي لا بدّ من الإشارة لها، حول غياب طرح أثر الموضوع الخارجي على الاتجاه نحو الاعتدال أو التشدّد؟! فكلّما أمكن تهدئة جبهات من قبيل فلسطين والعراق، كلّما تمّ إيجاد حلّ سياسي مقبول، وانتهت ازدواجية المعايير في شؤون عديدة، بدءً من حقوق الإنسان، وصولاً للتجارة الحرّة، وسيدعم ذلك الاتجاه نحو الاعتدال.

 

انتحارُ العقل وخطر التطرّف على الغرب

نشر معهد  ENTERPRISE الأمريكي دراسة ومحاورة بين "لي هاريس"، مؤلف كتاب (انتحار العقل.. التهديد الذي يشكّله الإسلام المتطرّف على الغرب). والذي عرض لوجهات نظره المثيرة للجدل والغضب في آن واحد، عن عدم قدرة المجتمعات القائمة على الفكر الليبرالي المتحرّر والمتعقّل على مجابهة الإسلام المتطرّف والتعصّب، وبدا وكأنّه يسير في رحلة محيّرة بين حركة التنوير والفكر الفلسفي الإسلامي والفلسفة التقليدية. مستشهداً  بشخصيّات مثل الفيلسوف الفرنسي "ابيلارد" والفيلسوف اليوناني "أرسطو" والفيلسوف الانجليزي "توماس هوبس" والمؤرِّخ الاسكوتلندي "ديفيد هيوم" ورائد علم الاجتماع "ابن خلدون" والطبيب النفسي الفرنسي "لاكان" والفيلسوف اليوناني "سقراط" وغيرهم.

تولَّت "ايان هيرسي" وهي عضو سابق في البرلمان الهولندي، وعضو حالي في معهد "انتربرايز" الأمريكي انتقاد الكاتب "هاريس" والرد عليه، وبعد ذلك تواجها ضدّ كل منهما الآخر في مواجهة الإسلام.

"ايان هيرسي" عضو نشط في معهد "انتربرايز" وتعمل في العديد من مشاريع البحث، ومن بينها العلاقة بين الإسلام والغرب، وحقوق المرأة في الإسلام والعنف ضدّ النساء، وهي بحوث تدعمها بالحُجج الدينية والثقافية. ونظراً لأن مواقفها الإلحادية المتشدّدة ومعتقداتها العلمانية معروفة، فإن "هيرسي" تجهر بانتقادها الإسلام، كما أنها تناولت في كتابها تحوّلها من (عالم الإيمان إلى عالم التعقّل) [92].

لقد كشف "هاريس" النقاب عن أن أفكار ولدت ممّا وصفه بالصدمة، أو ما يشبه الزلزال وسلسلة من الهزّات الرادفة، بداية من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومن بعدها مشاهدة احتفالات الفلسطينيّين بتلك الهجمات في الشوارع.

أضاف "هاريس" أن هناك صدمة أخرى، سببها ميل بعض المثقّفين في الولايات المتحدة إلى استخلاص أوجه للشبه بين الهجوم على مركز التجارة العالمي، والهجوم على ميناء "بيرل هاربر" إبان الحرب العالمية الثانية، والإيحاء بأن الولايات المتحدة كانت على وشك خوض حرب عالمية ثالثة. وفيما بين ما اعتبره افتقاراً إلى الحداثة في أنحاء العالم الإسلامي، والتلويح في الولايات المتحدة بوجود أوجه للشبه مع الحرب العالمية الثانية.

أدرك "هاريس" أن الغرب لم يكن يواجه حرباً عادية، بل يواجه تهديداً أكثر ضرراً بالقيم والمُثل الليبرالية، وما اسماه "الوباء الإيديولوجي" الذي يلحق أضراراً نفسية وثقافية، اعتماداً على سيكولوجية الخوف، وليس الهجمات العسكرية الشاملة.

وإضافة إلى الجدل الفلسفي، انتقد "هاريس" كتاب (صِدام الحضارات)، الذي وضعه "صامويل هننغتون"؛ لأنه عرض نموذجاً غير كافٍ لمعالجة وتصحيح الفوارق الاجتماعية.

في معرض انتقاده، دافع "هاريس" بأن من المستحيل اعتماد سياسة تدعو لعدم التواصل بين الثقافات الشرقية والغربية، وقال: إن الإسلام الراديكالي لا يطمح إلى مجرّد إبداء التذمّر والانتقاد، بل إلى إسقاط النظام الراهن برمّته. فالعقل في مفهوم الغرب يقول: إن المرء لا يريد أن يفرض الإسلاميّون المتطرّفون هيمنتهم على مجتمعاتنا، فهناك أناس يفضّلون بالفعل أن يكونوا راديكاليّين.

أشار إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والأحداث التي تلتها، باعتبارها "صدام حضارات"، يلجأ فيه مَن وصفهم بالفوضويّين إلى أيّ وسيلة للاستيلاء على السلطة وقلب النظام الراهن رأساً على عقب.

أما الثقافة الإسلامية في تصوّره فتفتقر إلى الحداثة والعصرية، ويحكمها قانون الغاب، وأن الجهاد ليس فقط العنصر الأساسي في الإسلام، ولكنه ـ على ما يبدو ـ نهجاً وفلسفة محوريّة لتصحيح الأوضاع. ويرى أن الثقافة الإسلامية لن تحترم الأفراد أبداً، وأن القَبليّة تفوق كل شيء، وأن ذلك هو الفارق الرئيسي بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي المستنير، الذي يحترم الفرديّة على حدِّ وصفه.

 

مأزق الحضارة الإسلامية

على الرغم من أنه لم يتناول كافة الانتقادات النمطية التي توجَّه للحضارة الإسلامية، فقد دفع "هاريس" بأن مصطلح الفاشية الإسلامية مضلِّل. ففي حين تُعتبر الفاشية حكم أقلّية طاغية، فقد اعتبر الجهاد حركة بعثٍ للروح الدينية، تعود بجذورها إلى المجتمع الإسلامي والى عصر الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويلاحظ أن "هاريس" أغفل في طرحه أي اعتراف بالجدل الدائر بين علماء المسلمين، وفي المجتمعات الإسلامية، حول تعريف مفهوم الجهاد.

في حين ردَّت "ايان هيرسي" على تصنيف "هاريس" للثقافة الإسلامية بأنها كيان واحد يفتقر إلى فكر الفرد، فقالت: إنها ثقافة قابلة للتغيير على نحو مستمر، وإن الأفراد قادرون على الاستجابة والابتكار. وذكرت مثال قالت فيه: إن هناك خطراً يتمثّل في تصنيف جميع المسلمين باعتبارهم كياناً واحداً. وأشارت إلى أن ثمّة فرق بين الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد والشعب الإيراني، خاصّة فيما يتّصل بتصورهم للغرب. وأضافت أن الأفراد يخرجون من النطاق القَبلي بمجرّد وصولهم إلى الاستنارة العقلية.

كما أبدت مزيداً من التفاؤل بإيمانها بأن الغَلَبة ستكون للديمقراطية والتعقّل، واستشهدت على ذلك بتحوّلها من المجتمع القَبلي إلى المُثل الغربية والعقل المستنير. وأشارت إلى أن شعورها بالتفاؤل بشأن مستقبل النزعة الفردية في المجتمع الإسلامي، يرجع إلى تعاليم جماعات مثل الإخوان المسلمين، التي تشجّع العلاقة الشخصية مع الدّين دون الاعتماد على دولة إسلامية، أو شخصية الإمام أو الخليفة، لتوفير الإرشاد الديني.

وفيما تروِّج جماعات، كالإخوان المسلمين، لأفكار تتناقض مع ديمقراطية الغرب الليبرالية، فإن تشجيعها العلاقة الفردية مع الدين، سيزيد معدّلات الإلمام بالقراءة والكتابة، ويعزّز الفكر على المستوى الفردي.

وفي معرض ردّها على طلب التوفيق بين موقفها وموقف "هاريس" اللذين يقارنان الإسلام كـ(دين) بالغرب كـ(حضارة)، أجابت "هيرسي" أن الإسلام دين وفلسفة سياسية، ومن المؤكّد أن "هاريس" يوافق على ذلك.

لكن ما أغفلته "هيرسي" هو ما يتّفق جُلّ علماء الاجتماع عليه، وهو أن البدو لا يتوقّفون عن غزو بعضهم البعض، إلاّ إذا اتّفق وكان لهم مجتمعون غزو أكبر، وهذا هو بالضبط المنهج الذي قام عليه الإسلام، أي أنه انطلق من مفهوم القوّة. ولا زالت كل الأُطروحات الإسلامية تتبنّى هذا المفهوم في التعبير عن نفسها، ولو أخذنا حركة الإخوان المسلمين كنموذج، سنجد أن فلسفتها وفيَّة جدّاً لهذا المبدأ، وليس كما تقول السيدة "هرسي علي"، فالإخوان المسلمون أكثر تشدّداً بالالتزام بالفكر الجماعي من أيّة مجموعة أخرى؛ ولذلك نجد أن تنظيماتهم مبنيّة وفق منهج هَرمي، يبدأ بالخليّة أميرها، وينتهي عند مفهوم المُرشد، الذي ليس لأحد ردّ أوامره ونواهيه. أمّا أسلوب نشر الليبرالية التي اقترحته، فهو الآخر ساذج؛ لأن الجماعات الإسلامية اليوم تمتلك ثروات هائلة، وأن أفضل وسيلة لمعالجة هذه الحركات المتطرّفة والخارجة عن الدين وقيم المجتمع، يقوم على  المعاملة بالمِثل، أي استخدام الشدّة معها، وتشريع القوانين التي تقلّل من احتماء الفكر المتطرّف تحت عباءة ديمقراطية الغرب وعلمانيّته.

 

 

 


 

 

الفصل الثالث:

مواجهة ودمج الإسلاميّين.. أساليب وتقييم

 

علاقة أمريكا بالإسلام السياسي

تعريف الجماعات الإسلامية  

علاقة أمريكا بالإسلاميّين

المُعضلة وكيفيّة التعامل معها 

تحدّيات الديمقراطية

أمريكا والإسلاميّون.. الحوار والتقارب 

الحوار والبراغماتية الأمريكية

السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي

مشروع بروكينغز

تقرير مؤسّسة راند:

خارطة الطريق

المُعتدل الإسلامي وفقاً لتقرير راند

تحدّي صناديق الاقتراع

مواجهة الإسلاميّين.. أساليب بديلة

دمج الإسلاميّين وتعزيز الديمقراطية

تقييم أوّلي

من النظرية إلى التطبيق

أمريكا وحتميّة دمج الإسلاميّين

 

 

 

 

 

علاقة أمريكا بالإسلام السياسي

قد لا يخفى للمتتبّع أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك علاقات واسعة مع عدد من التيارات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، فالكل يُجمع على أن حالة أفغانستان منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي ما زالت ماثلة، وكانت النموذج الأوّل للعلاقة البراغماتية وتلاقي المصالح؛ وذلك حينما دعمت أمريكا بصورة غير مباشرة عن طريق حلفاءها، (المال السعودي والدعم اللوجستي والجغرافي الباكستاني)، مجاميع المتطوّعين العرب المتدفقين على أفغانستان لقتال الروس، وبصورة مباشرة حينما تدخّلت بإمكاناتها وجيوشها لصالح المسلمين في البوسنة والهرسك، وهذه امثلة على علاقة شبه علنية مع الاسلاميين.

لكن تلك العلاقة تعرّضت إلى هزّات ومخاطر مثّلتها بعض التيارات المتطرّفة، والتي جعلت من مصالح الولايات المتحدة الحيوية في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم، وحتى داخل أمريكا نفسها، هدفاً مباشراً لإرهابها، فتغيّرت رؤية ونظرة القرار الأمريكي إلى العلاقة مع الإسلام السياسي، بشقَّيه.. حسب التقسيم الأمريكي:

·          الإسلام السياسي الديمقراطي.

·    الإسلام السياسي العنيف المتطرّف. (والذي يضمّ، إضافة إلى مكوّناته الثانوية، تنظيم القاعدة، باعتباره مكوّناً رئيسياً، بالاضافة الى حزب الله اللبناني).

لمعرفة طبيعة العلاقة وفقاً للمتغيّرات التي حدثت بعد الحادي عشر من أيلول 2001، فأنها مرّت بسلسلة من المناقشات والتقارير والتصريحات والمشاريع، والتي يمكن إجمالها في تقرير صدر عام  2006 ، من أحدى أقدم المؤسّسات البحثية الحكومية الأمريكية, والذي على ضوء محتوياته سيلتزم الساسَة الأمريكان في تحديد العلاقة المستقبلية مع الإسلام السياسي *.

 

أهمّية التقرير   

تـنبع أهمية هذا التقرير من رافدين:

الرافد الأوّل: كونه صادراً عن (خدمة أبحاث الكونجرس)، وهي هيئة أبحاث غير حزبية تابعة للكونجرس الأمريكي، أُسّست عام 1914 م للعمل على إمداد أعضاء الكونجرس بالأبحاث العملية التي يحتاجونها لبناء قراراتهم. وأبحاث الهيئة موجّهة بالأساس لأعضاء الكونجرس بناءً على طلباتهم؛ لذا يتمّ تجديدها باستمرار، كما تتميّز بقدراتها العلمية الكبيرة وبموضوعيتها، وبعدم تردّدها في نقد سياسات الحكومة الأمريكية، وبسعيها للوصول إلى الحقائق، ولتوعية أعضاء الكونجرس بما يجري حولهم وبما يمكنهم القيام به.

الرافد الثاني: هو موضوع التقرير نفسه، والذي يشغل الرأي العام العربي والأمريكي. إذ يحاول التقرير أن يشرح لأعضاء الكونجرس حقيقة الالتزام الأمريكي بنشر الديمقراطية في العالم العربي، وتأثّر هذا الالتزام بأحد أهمّ الظواهر السياسية العربية، وهي ظاهرة صعود الحركات الإسلامية، واستفادتها سياسياً من التحوّلات الديمقراطية التي جرت ببعض الدول العربية والإسلامية مؤخراً، وما إذا كان صعود الحركات الإسلامية في العالم العربي بصفة عامة ـ وفي العراق وفلسطين بصفة خاصة ـ سوف يُثني أمريكا عن الالتزام الذي قطعته على نفسها، بخصوص نشر الديمقراطية في العالم العربي، وحقيقة موقف الجماعات والتيارات الإسلامية تجاه السياسة الأمريكية كما يراه المسؤولون والخبراء في واشنطن، وما يمكن لأعضاء الكونجرس فعله في ضوء ما سبق.

كما يحاول التقرير عبر صفحاته، تحديد طبيعة ومستقبل موقف أمريكا الحالي من الجماعات الإسلامية غير العنيفة في العالم العربي، في ضوء الظروف السياسية المستجدّة بالمنطقة، ولا يتعرّض التقرير لسياسة أمريكا تجاه الجماعات الإسلامية المسلَّحة.

 

تعريف الجماعات الإسلامية    

يحاول التقرير ـ في بدايته ـ أن يشرح لأعضاء الكونجرس طبيعة الجماعات الإسلامية العربية، حيث يذكر أنها صعدت في المرحلة التالية لهزيمة النظم القومية في عام 1967 ، رافعة شعار تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف جوانب حياة المجتمعات العربية، بدرجات مختلفة، مستفيدة من الخلفيَّة الإسلامية المتديّنة، والاجتماعية المحافظة للمجتمعات العربية. وبمرور الوقت، باتت تلك الجماعات تمثِّل قوى المعارضة الجماهيرية الرئيسية، بعدد كبير من الدول العربية.

ويصف التقرير علاقة الجماعات الإسلامية غير العنيفة بالنُظم العربية، بأنها علاقة غامضة؛ وذلك لأن الدول العربية عادة ما تُعظِّم من تهديد الإسلاميين لاستقرار الدولة، ولكنّها تسمح في نفس الوقت للجماعات الإسلامية بممارسة ما يسمّيه التقرير بالمعارضة المحدودة؛ لتخفيف الضغوط التي تتعرّض لها النُظم العربية، وكذا الإسلامية، في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية والضغوط الدولية الكبيرة .

يرى التقرير أن بعض الحكومات تستخدم صعود المعارضة الإسلامية  المحدودة بهدف منع جماعات المعارضة العلمانية من تحدِّي الحزب الحاكم.

 

علاقة أمريكا بالإسلاميّين  

يقول التقرير: إن علاقة أمريكا بالإسلاميّين في الشرق الأوسط  قامت منذ عام 1979 م، على أساس معارضة صعودهم؛ لما سيترتّب عليه من تحدّي لمصالح أميركا، وعلى رأسها حماية إسرائيل والنفط، والتعاون العسكري مع دول المنطقة.

انطلاقاً من هذا الموقف، ركَّزت أمريكا في ضغوطها الإصلاحية على الحكومات العربية والإسلامية، بخصوص قضايا تحرير الاقتصاد والتجارة، بدلاً من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي المقابل، اكتفت النُظم الحاكمة ـ كما يرى التقرير ـ بإجراء إصلاحات ديمقراطية رمزية، بهدف تشتيت الانتباه الدولي الموسمي لنقص الحريّات السياسية.

ويقول التقرير: إن الرؤية السابقة استمرّت مسيطرة على السياسة الأمريكية تجاه الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث بدأ الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في استخدام مبدأ يرى "أن قيام شرق أوسط ديمقراطي سوف يكون أقلّ هشاشة أمام قوى التطرّف".

بهذا أصبح نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أحد ركائز الحرب على الإرهاب، حيث رأى بوش أن نشر الديمقراطية وإشراك الشعوب المسلمة والعربية، بما في ذلك قوى المعارضة، في الحياة السياسية، سوف يسحب البساط  تدريجياً من تحت أقدام الجماعات العنيفة والراديكالية، وسوف يزيد قوى المعارضة العلمانية واقعية.

جاءت الحرب على العراق لتؤكّد الالتزام الأمريكي بنشر الديمقراطية في العالم العربي، حيث استخدم بوش مبدأ نشر الديمقراطية لتبرير الحرب على العراق موضحاً: أنّ الحرب تصبّ في النهاية في صالح الديمقراطية، ومن ثمّ في صالح الحرب على الإرهاب.

يقول التقرير: إن إدارة بوش قطعت على نفسها التزاماً، يصفه التقرير بأنه  التزام خطابي، بتغيير الوضع القائم في الشرق الأوسط، وسَعَت الإدارة لتطبيق هذا الالتزام من خلال عدّة أساليب أساسية، يأتي على رأسها:

1.    إعطاء قضيّة الإصلاح العربي مزيد من الموارد والأهمّية.

2.    الدبلوماسية الثنائية والاستمرار في مطالبة المسؤولين العرب بالإصلاح عند اللقاء معهم.

3.  التصريحات الرسمية المطالبة بتعزيز الديمقراطية العربية، والقادمة من كبار قادة الإدارة. كخطاب وزيرة الخارجية كوندَليزا رايس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في يوليو 2005.

4.  إطلاق عدد من البرامج والمبادرات الأمريكية والدولية لدعم برامج نشر الديمقراطية في العالم العربي. مثل مبادرة الشراكة الشرق أوسطية، والتي تدعم من خلالها الخارجية الأمريكية بعض منظّمات المجتمع المدني العربية، ومبادرة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، التابعة لمجموعة الدول الثمان، والساعية لدعم الليبرالية السياسية والاقتصادية بالمنطقة.

 

المُعضلة وكيفيّة التعامل معها

يقول التقرير: إن التزام الإدارة بنشر الديمقراطية في العالم العربي بدأ يواجه   معضلة حقيقية، تمثّلت في أن استمرار الضغط من أجل الديمقراطية قد يدعم صعود الجماعات الإسلامية سياسياً، وهي جماعات معارضة في أغلب مواقفها للسياسات الأمريكية. كما أن صعودها سوف يؤثّر سلبياً على علاقة أميركا بالنُظم العربية، ممّا سوف يؤثّر على تعاونها في الحرب على الإرهاب. وقد ترتّب على هذه المعضلة ظهور جدل جاري وقوي، حول قضية التعامل مع الجماعات الإسلامية (الشرق أوسطية) في واشنطن، وحول ماذا كانت المخارج السياسية  لأيّ عملية إصلاح سياسي حقيقي بالشرق الأوسط سوف تكون مُفضّلة لصانع القرار الأميركي.

ويقسِّم التقرير هذا الجدل إلى ثلاثة مواقف رئيسية، وهي مواقف قادمة من مراكز الأبحاث الأمريكية، ومن المسؤولين بواشنطن على حد سواء.

ويلاحظ هنا أن التقرير تعامل مع الخبراء ومراكز الأبحاث، بأهمّية لا تقلّ عن أهمّية مواقف مسؤولي الإدارة. وقد يعود ذلك إلى غموض موقف الإدارة، ممّا دفع التقرير إلى التركيز على أراء الخبراء، الساعية لشرح مواقف المسؤولين غير الواضحة، وقد تعود أهمّية التقرير إلى مواقف الخبراء؛ لأنهم يمثّلون عاملاً هاماً في صياغة الرأي العام والسياسة الأمريكية، وتلك المواقف كما يلي:

 

الموقف الأوّل: يرى أن جميع الإسلاميين مشكوك فيهم، وهو موقف خبراء ـ كما يسمّيهم التقرير ـ من مثل: مارتين كرايمر ، ودانيال بابيس. والمعروف أن الكاتبين السابقين من أكثر الكُتّاب المساندين لإسرائيل تشدّداً، حيث يرى الأوّل أن كل الإسلاميين أصوليون، معادون للديمقراطية وللغرب بطبيعتهم، ويرى الثاني أن تسهيل مشاركة الإسلاميّين السياسية هو نوع من مساعدة الأعداء.

ويرى أصحاب هذا الاتّجاه أن الحلّ يكمُن في تقوية المجتمع المدني والحركات العربية العلمانية.

الموقف الثاني: ينادي بالعمل مع الجماعات السياسية غير العنيفة. ويقول التقرير: إن هذا الاتجاه يسانده العديد من الخبراء والأكاديميّين بأمريكا، وهو اتّجاه يرى أن مشاركة الإسلاميّين في الحكم سوف تزيدهم واقعية، وسوف تحرم الراديكاليّين تدريجياً من الأتباع.

الموقف الثالث: يرفع شعار البراغماتية، ويطالب الإدارة الأمريكية باتّباع منهج التعامل الانتقائي مع الجماعات الإسلامية غير العنيفة، وعدم الاهتمام بالاتّهامات الخاصّة بازدواجية المعايير، مادامت الانتقائية سوف تخدم مصالح أمريكا، بدون الإضرار بعلاقتها مع شركائها الأساسيّين بالمنطقة، وهم النظم الحاكمة . 

 

تحدّيات الديمقراطية  

بعد ذلك يدرس التقرير ثلاثة حالات، وهي: المغرب، ومصر، والأردن. كما يحاول أن ينصح الكونجرس بخصوص ما يمكنه القيام به في كل حالة بصفة خاصة، وتجاه العالم العربي بصفة عامّة.

ومن خلال قراءة هذه الحالات والتقرير، يمكن القول: إن التقرير في مُجمله يقود قارئه إلى خلاصتين:

 

الخلاصة الأُولى: هي أن المساعي الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم العربي، فقدَت الزخم الذي اكتسبته في عهد ولاية بوش الابن الأُولى، وهو زخم قد لا يعود في المستقبل المنظور، لأسباب مختلفة، على رأسها قصر عمر الالتزام الأمريكي بنشر الديمقراطية في العالم العربي، وكونه يتناقض مع سياساتٍ أمريكية راسخة، تعود لعام 1979 م.

إن الجدل الراهن حول سياسة نشر الديمقراطية العربية، وتأثيرها على صعود الإسلاميّين، هو جدل ضخم لن يُحلّ بسهولة، في وقت تمرّ فيه الإدارة بتحدّيات داخلية وخارجية ضخمة.

 

الخلاصة الثانية: تتعلّق بعلاقة أمريكا بالإسلاميّين، وهنا يشير التقرير ـ في مغزاه ـ إلى أن هذه العلاقة تمرّ بتحدّيات أربعة رئيسية:

التحدّي الأوّل: هو توقّعات الإدارة الأمريكية. فالإدارة تريد جماعات إسلامية وجماعات معارضة عربية لا تعارض سياستها، وعلى رأسها تلك الخاصّة بفلسطين والعراق، وتنظر الإدارة إلى مظاهر معارضة هذه السياسات على أنها رسائل سلبية موجّهة ضدّها.

التحدّي الثاني: يتعلّق بموقف الحكومات العربية ذاتها، من تعامل الإدارة الأمريكية مع الإسلاميّين. حيث تعارض الحكومات العربية تقارب الأمريكيّين مع الإسلاميين، وهي معارضة تختلف درجاتها باختلاف الدول العربية، فهي أكبر ـ كما يرى التقرير ـ في حالة مصر، والتي تعارض بقوّة اتّصال الأمريكيين بالإسلاميين، وأقلّ في حالة المغرب، التي سمحت ـ في بعض الأحيان ـ لبعض قادة الجماعات الإسلامية المغربية بزيارة أمريكا، ضمن برامج ترعاها الخارجية الأمريكية.

يرى التقرير أن قوّة معارضة الحكومات العربية لاتّصال الأمريكيين بالحركات الإسلامية، لا تمنع هذا الاتّصال على المستوى غير الرسمي، ولكنها تحدّ منه بشكل كبير على المستوى الرسمي.

التحدّي الثالث: يتعلّق بموقف الحركات الإسلامية ذاتها. حيث ينظر التقرير إيجابياً لموقف بعض قيادات الحركات الإسلامية بالمغرب، والتي اعترفت في تصريحات عَلنيّة بالنفوذ الأمريكي، وبالحاجة لبناء حوار تعاوني مع المسؤولين الأمريكيين حول هذا النفوذ، في حين يُعطي التقرير انطباعاً بأن بعض الجماعات الإسلامية مازالت تقتصر في علاقتها بالمسؤولين الأمريكيين على الاتّصالات الفردية غير الرسمية.

التحدّي الرابع: الذي يوجد في التقرير هو: القُرب من الصراع العربي الإسرائيلي. فالواضح أنّ قُرب أيّ دولة عربية جغرافياً من الصراع العربي الإسرائيلي، ونشاط تلك الدولة في المباحثات الفلسطينية / الإسرائيلية، يزيد من تعقيد موقف الإدارة الأمريكية من الجماعات الإسلامية بتلك الدولة؛ في ظلّ التزام أمريكا القوي بحماية أمن إسرائيل، ونظراً لنشاط اللوبي الموالي لإسرائيل في معارضة علاقة أمريكا بالإسلاميين في العالم العربي، كما ظهر في أسماء ومناصب الخبراء الذين عاد إليهم التقرير، دون أن يربطهم بلوبي إسرائيل.

 

خلاصة التقرير: بالنسبة لدور الكونغرس المحتمل، فيمكن لأعضاء الكونغرس الضغط على الإدارة لتوضيح سياستها الغامضة تجاه الديمقراطية العربية والإسلاميين، كما يمكنه معارضة المعونات الاقتصادية التي تقدّمها أمريكا لبعض الدول العربية، ووضع شروط تربط المعونات بالإصلاح السياسي.

إن موضوع العلاقة مع الإسلاميّين، وإن أخذ حيّزاً كبيراً على الصعيد الأكاديمي، فإنّ توسُّع مَدَياته على الصعيد التنفيذي والدبلوماسي، كان يجري على قدم وساق من قبل الإدارة ذاتها، بنفس المستوى، إن لم يكن أعمق واشمل، من الأكاديميّين؛ لأنه يحاكي ويتعامل مع الواقع، لا النظريات والأهداف المرجوّة [93].

 

أمريكا والإسلاميّين.. الحوار والتقارب   

طرحت الإدارة الأمريكية، منذ مدّة ليست ببعيدة، موضوع الحوار مع الإسلاميّين على طاولة البحث والتمحيص، وتناولت العديد من مراكز الدراسات والفكر الأمريكية هذا الموضوع، وكلٌ من وجهة نظره الخاصّة. فيما لم تقف الإدارة الأمريكية عند هذا الحدّ، بل تعدّته لفتح قنوات اتّصال مباشرة وغير مباشرة مع شرائح من المسلمين.

فإذا كان هناك حوار وتقارب بين أمريكا والإسلاميين، فما هو الهدف منه؟ ولصالح من هذا الحوار والتقارب؟ وعلى حساب ماذا؟ وماذا سيحقق في النهاية؟!

 

الحوار والبراغماتية الأمريكية   

لا بدّ لنا بداية، وحتى يستقيم الموضوع، أن نعرف طبيعة الإستراتيجية الأمريكية تجاه القوى التي تريد أن تتعامل معها، سواء أكانت قوى دينية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم فكرية، أم ثقافية. فالولايات المتحدة دولة براغماتية (عمليّة مَصلحيّة) بكل ما للكلمة من معنى، ولعلّ ذلك هو أبرز ما يميّزها، على اعتبار أن هذا العامل قد أوصلها إلى ما هي عليه اليوم من قوّة في الساحة الدولية، وهو نفس العامل الذي يخلق الإرباك والخوف لدى أصدقائها وأعدائها على حدٍّ سواء؛ خوفاً من أن تتخلّى عنهم في مرحلة من المراحل، أوان تستغلّهم لتحقيق مآربها، والتخلّص منهم حين يتمّ استنفاذهم، خصوصاً بعد ما حدث لصدام ونظامه في العراق، وهذا ما يؤكَّد من خلال شواهد تاريخية عديدة أيضاً. 

من ايجابيّات العامل البراغماتي هذا: أنه يُتيح هامشاً أكبر من المناورة لصاحبه، ويقدّم له خيارات كثيرة، ويُمكِّنه من استخدام الآخرين كأدوات. ولكن من سلبيّاته أيضاً: أنه يُفقِد صاحبه المصداقية والشفافية، ويُنظر إليه عندها على أنه منافق واستغلالي، ويخلق حاجزاً من عدم الثقة بينه وبين الآخر.

ذلك (:البراغماتية)، هو هدف الولايات المتحدة من طرح فكرة الحوار والتقارب مع الإسلاميّين.

بعد 11 أيلول اعتبرت الولايات المتحدة أن كرامتها تحطّمت، وأن كبرياءها وجبروتها قد جُرح، وأن هيبتها قد انتُهكت أمام العالم أجمع، مباشرة على شاشات التلفزة، حيث وقفت بكلِّ ما تملكه من قوّة تشاهد ما يحصل، دون أن يكون هناك أي ردّ فوري لإيقاف العمليات. وعلى الرغم من أن بعض الكُتّاب والباحثين اعتبروا: أن الحدث قد أثار هزّة عنيفة في المجتمع الأمريكي، تجاوزت الغضب على الإسلام والمسلمين، إلى الدعوة لإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، التي باتت ترى أن ديكتاتورية بعض الأنظمة العربية هي التي أفرزت العداء لأمريكا، باعتبارها راعية لهذه الأنظمة.

إلا أن هذا الكلام غير دقيق؛ فالولايات المتحدة لم تتجاوز الغضب على الإسلام والمسلمين، وهي التي طرحت المسألة بهذا الشكل، وألقت اللوم على الديكتاتوريات العربية؛ كي لا يسأل المواطن الأمريكي نفسه: لماذا تمّ استهدافنا؟ لماذا يكرهوننا؟

والدليل على ما نقول أن مُعظم الديكتاتوريات العربية مازالت موجودة، وليس هناك أفضل من نموذج القذافي مثالاً لتوضيح مفهوم البراغماتية الأمريكية، التي تحدّثنا عنها، ودحض حجَّة إلقاء اللوم على الديكتاتوريات العربية.

 

السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي:

 

"مشروع بروكينغز"

مشروع السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي هو برنامج بحث رئيسي يقوم برعايته مركز " سابان " لسياسة الشرق الأوسط، وهو مصمَّم للإجابة على بعض الأسئلة العميقة التي أثارتها هجمات 11 أيلول الإرهابية، حول السياسة الأمريكية. ويهدف بشكل خاصّ إلى دراسة الطريقة التي تمكِّن الولايات المتحدة من التوفيق بين ضرورة القضاء على الإرهاب، وتخفيض جاذبيّة الحركات المتطرّفة من جهة، وحاجتها إلى بناء علاقات أكثر ايجابية مع الدول والمجتمعات الإسلامية من جهة أخرى.

يتألف المشروع من عدّة مكوّنات متشابكة:

1.   منتدى حوار أمريكا والعالم الإسلامي، والذي جمع قادة أميركا والعالم الإسلامي في مجالات السياسة، والأعمال، ووسائل الإعلام، والأُطر الأكاديمية، والمجتمع المدني؛ بهدف إجراء النقاشات والحوارات الأكثر أهمّية.

2.   لُجنة المتابعة في واشنطن، وهي تتكوّن من مختصّين في المواضيع الإسلامية والإقليمية والسياسة الخارجية، (مع التأكيد على تنوّع الآراء والخبرة الجغرافية)، إضافة إلى صانعي السياسة في الحكومة الأمريكية. وتجتمع بشكل منتظم لتحلِّل وتتشارك بالمعلومات المتعلّقة بالاتّجاهات والمواضيع المَعنيَّة.

3.   برنامج للزملاء الزائرين، يستضيف خبراء متميّزين من العالم الإسلامي، ليُمضوا وقتاً في معهد بروكينغز، لمساعدتهم في إجراء أبحاثهم الخاصّة، وإعلامهم بالعمل الجاري في المشروع، وفي مجتمع صانعي السياسة في واشنطن.

4.   سلسلة من المقالات والدراسات العلمية، التي يقدِّم فيها معهد بروكينغز التحليل المطلوب للمواضيع الحيوية، ذات الاهتمام المشترك بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

5.   مبادرة نشر التعليم والاقتصاد. وهي تدرس قضايا إصلاح التعليم والتنمية الاقتصادية في العالم الإسلامي، وخاصّة الدَور المُحتمَل للقطاع الخاصّ.

6.   مبادرة سياسات العلم والتكنولوجيا. وهي تدرس الدور الذي يمكن أن تلعبه برامج التعاون العلمي والتكنولوجي، التي تشمل الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، في تلبية حاجات التعليم والتنمية الإقليمية، وتعزيز العلاقات الإيجابية.

7.   سلسة كتب من إصدار معهد بروكينغز، تستكشف الخيارات المتاحة للسياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي، وتهدف إلى إعداد نتائج أبحاث المشروع بشكل صالح للنشر الجماهيري.

يكمن الهدف الرئيسي للمشروع في متابعة أداء الدور الأصلي لمعهد بروكينغز، كجسر بين العلم والسياسة العامّة، وهو يهدف إلى لفت انتباه صانعي القرار وقادة الرأي العام إلى المعرفة الجديدة، إضافة إلى تزويد الدارسين والمحلّلين والجمهور برؤية أفضل لمواضيع السياسة العامّة.

منظّمو المشروع هم: البروفيسور ستيفن كوهين ـ والسفير مارتن إنديك ـ والبروفيسور شبلي التلحمي ـ والدكتور بيترو سينغر، والذي يعمل كمدير للمشروع.

 

تقرير مؤسسة "راند" [94]

(خارطة الطريق)

منذ أحداث أيلول 2001 ، أصبح الغرب عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، مسكوناً بهاجس الإرهاب، ولا تزال الكثير من مؤسّسات ومراكز الأبحاث الأمريكية تقوم بالعديد من الدراسات والأبحاث، حول كيفية محاصرته وتقويضه، والحدّ من هذا المَدّ، الذي توظِّفه عن طريق ربطه بالإسلام ـ وهو براء منه ومن أفعاله ـ عنصراً رئيسياً في تهديد المصالح الغربية حول العالم.

ويعتقد البعض، أن أحدى الأدوات الرئيسية لمواجهة هذا المدّ المتصاعد، تكمن في تقوية ما أُطلق عليه (تيّارات الإسلام المعتدل)؛ باعتبارها جدار الدفاع الأوّل في مواجهة انتشار الإرهاب في العالم الإسلامي.

وتعتبر الدراسة التي أعدَّتها "شارلي بينارد" ـ الباحثة بمؤسسة راند للدراسات ـ ونُشرت عام 2004 ، أحدى العلامات البارزة في هذا المجال، والتي صنَّفت فيها الإسلام السياسي إلى أشكال متعدّدة، كان أهمّها الإسلام المُعتدل.

في عام 2007 أصدرت ذات المؤسّسة ـ راند ـ دراسة شاملة حول  بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي، شارك فيها أربعة باحثين، في مقدّمتهم (شارلي بينارد، وأنجل رابسا، ولويل شوارتز، وبيتر سكيل)، وتقع في 217 صفحة، مقسّمة إلى مقدّمة وعشرة أجزاء [95].

تنطلق الدراسة من فرضيَّة أساسية مفادها: أن الصراع مع العالم الإسلامي هو بالأساس صراع أفكار، وأن التحدّي الرئيسي الذي يواجه الغرب يكمن في (ما إذا كان العالم الإسلامي سوف يقف في مواجهة المدّ الإرهابي، أم أنه سيقع ضحية له)، وهذا ما يحدث فعلاً، خصوصاً في العراق، الذي يتعرّض شعبه إلى شتّى صنوف الإرهاب، من مفخخات وأحزمة ناسفة و...).

 

وقد قامت هذه الفرضية على عاملين أساسيّين, هما:

1.  إنه على الرغم من ضآلة حجم الإرهابيّين في العالم الإسلامي، إلا أنهم الأكثر نفوذاً وتأثيراً، ووصولاً لكلّ بقعة يسكنها الإسلام، سواء في أوروبا أم أمريكا الشمالية.

2.  ضعف التيارات الإسلامية المعتدلة والليبرالية، والتي لا يوجد لديها شبكات واسعة حول العالم كتلك التي يملكها الإرهابيون.

يؤكّد التقرير أن هناك حاجة للتركيز على أطراف العالم الإسلامي، في آسيا وأوروبا، بدلاً من المركز، والذي يُقصد به المنطقة العربية، بغرض دعم  الاعتدال في أطراف العالم الإسلامي، خصوصاً في أسيا وأوروبا؛ وذلك بهدف أن تخرج الأفكار الإسلامية المؤثّرة على مجمل العالم الإسلامي من هذه الأطراف، وليس من المركز الذي أصبح ينتشر فيه الإرهاب، وبحيث تصبح هذه الأطراف هي المصدِّرة للفكر الإسلامي المعتدل، وفق معايير ورؤى جديدة، ولا تخرج الأفكار من المركز.

انطلاقاً من هذه الفرضية، فإن الخيط الرئيسي في الدراسة يصبّ في منحى ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوفير المساندة للإسلاميين المعتدلين، من خلال بناء شبكات واسعة، وتقديم الدعم المادّي والمعنوي لهم، لبناء منظومة متكاملة، تتمكّن من صدّ هجمات الإرهابيّين واحتوائها، وحتى الردّ عليها.

في هذا الإطار، تضع الدراسة ما تُطلق عليه: (خارطة طريق)، يمكن للولايات المتحدة السير عليها، من أجل خلق أجيال من الإسلاميين المعتدلين، يمكن من خلالهم مواجهة المجموعات الإرهابية. وتوصي الدراسة بإمكانية الاستفادة في بناء هذه الشبكات من تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق، طيلة النصف الأخير من القرن الماضي.

 

المُعتدل الإسلامي وفقاً لتقرير راند  

مَن يقرأ التقرير، سوف يلحظ بوضوح أنه يخلط بشكل مستمرّ وشبه متعمَّد، ما بين الإسلاميين والراديكاليّين والمتطرّفين، ولكنّه يطالب بدعم، أو خلق تيّار اعتدال ليبرالي مُسلم جديد، أو ( Moderate and liberal Muslims )، ويضع تعريفات محدّدة لهذا الاعتدال الأمريكي، بل وشروط معيّنة، مَن تنطبق عليه فهو مُعتدل ـ وفقًا للمفهوم الأمريكي للاعتدال ـ ومَن لا تنطبق عليه فهو متطرّف.

ووفقًا لما يذكره التقرير، فالتيّار (الإسلامي) المعتدل المقصود هو ذلك التيار الذي:

1 - يرى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.

2 - يؤمن بحرية المرأة في اختيار "الرفيق"، وليس الزوج.

3 - يؤمن بحقّ الأقلّيات الدينية في تولّي المناصب العُليا في الدول ذات الغالبية المسلمة.

4 - يدعم التيّارات الليبرالية.

5 - يؤمن بتيارين دينيّين إسلاميّين فقط، هما:

التيار الديني التقليدي: أي تيّار رجل الشارع الذي يصلّي بصورة عادّية وليست له اهتمامات أخرى.

التيار الديني الصوفي: ويصفونه بأنّه التيّار الذي يقبل الصلاة في القبور. وبشرط أن يعارض كل منها ما يطرحه التيّار الوهابي.

 

يلاحظ هنا: أن التقرير يستشهد بمقولة "لدينس روس" المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط، الذي يتحدّث فيها عن ضرورة إنشاء ما يسمّيه ( سيكولار ـ secular = دعوة ) أو(دعوة علمانية)، والمقصود هنا هو: إنشاء مؤسّسات علمانية تقدّم نفس الخدمات التطوّعية التي تقدّمها المنظّمات الإسلامية، سواء كانت قوافل طبية، أم كفالة يتيم، أم دعم أُسري وغيرها.

الدراسة تضع 11 سؤالاً لمعرفة ما هو تعريف (المعتدل) ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ، وتكون بمثابة اختبار يُعطي للشخص، لمعرفة إذا كان معتدلاً أم لا! وهذه المعايير هي

1.    الإيمان بأن الديمقراطية هي المضمون الغربي للديمقراطية.

2.    أنها تعني معارضة مبادئ دولة إسلامية

3.    الاقتناع بأن الخطّ الفاصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرّف هو تطبيق الشريعة

4.  إن المعتدل هو مَن يفسّر واقع المرأة على أنه الواقع المعاصر، وليس ما كان عليه وضعها في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

5.    هل تدعم وتوافق على العنف؟ وهل دعمته في حياتك من قبل، أو وافقت عليه ؟

6.    هل توافق على الديمقراطية بمعناها الواسع، أي حقوق الإنسان الغربية  (بما فيها الشذوذ وغيره) ؟

7.    هل لديك أي استثناءات على هذه الديمقراطية (مثل حرية الفرد في تغيير دينه)؟

8.    هل تؤمن بحقّ الإنسان في تغيير دينه ؟

9.  هل تعتقد أن الدولة يجب أن تطبق الجانب الجنائي من الشريعة ؟ وهل توافق على تطبيق الشريعة في جانبها المَدني فقط (الأخلاق وغيره)؟

10.  هل توافق على أن الشريعة يمكن أن تُقبل تحت غطاء علماني، (أي القبول بتشريعات أُخرى من غير الشريعة) ؟

11.  هل تعتقد أنه يمكن للأقلّيات أن تتولّى المناصب العُليا؟ وهل يمكن لغير المسلم أن يبني بحريّة معابده في الدول الإسلامية ؟

 

بحسب الإجابة على هذه الأسئلة سوف يتمّ تصنيفه هل هو معتدل ـ أمريكياً ـ أم متطرّف.

يذكر التقرير ثلاثة أنواع ممَّن يسمّيهم (المعتدلين) في العالم الإسلامي، هم:

أوّلا: العلماني الليبرالي الذي لا يؤمن بدور للدين

ثانياً: "أعداء المشايخ"، ويقصد بهم هنا: مَن يسميهم التقرير الأتاتوركيِّين / أنصار العلمانية التركية، وبعض  التونسيّين.

ثالثاً: الإسلاميون الذين لا يرون مشكلة في تعارض الديمقراطية الغربية مع الإسلام.

ثمّ يقول بوضوح: إن التيار المعتدل هم: مَن يزورون الأضرحة، والمتصوّفون ومَن لا يجتهدون.

 

تحدّي صناديق الاقتراع

تشكِّل حقيقة صعود الإسلاميين في العديد من البلدان العربية والإسلامية، وتسلّمهم مقاليد السلطة مُعضلة أمام السياسة الخارجية الأمريكية، تحتاج إلى منهجية جديدة في تحديد أُطر العلاقة والتعامل والمعالجة؛ لأنها ببساطة تأتي هذه المرّة عن طريق الآليّات الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة ذاتها. فالقوّة والسلاح ليس الحَكَم هذه المرّة، وإنّما الانتخابات وصناديق الاقتراع.

قبل عدّة سنوات، كانت الدراسات والأبحاث الأمريكية الجادّة التي تتناول موضوعة العلاقة بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي قليلة جداً، بينما شهدت مساحة البحث والاهتمام في ذات الموضوع طفرة حقيقية بعد أحداث أيلول من عام 2001.

وعلى الرغم من وجود ما يُشبه الإجماع في السياسة الخارجية، والدراسات والأبحاث الأمريكية، تجاه الحركات الإسلامية المتطرّفة، التي تتبنّى العُنف في التغيير السياسي، وبالتحديد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي، إلاّ أن الإسلام المعتدل، أو الإسلام الديمقراطي، يشكّل معضلة حقيقية في رسم وتعريف أهداف السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خصوصاً في الفترة الأخيرة، والتي شهدت ضغوطاً أمريكية لإصلاح الأوضاع السياسية في المنطقة العربية، إذ برز أمام دوائر التفكير وصُنع القرار في واشنطن المعادلة التاريخية، التي تعمل النظم السياسية العربية الحاكمة على تكريسها: (إمّا نحن ـ الحكومات العربية ـ، وإمّا الإسلام السياسي).

في عودةٍ إلى الوراء، فقد كان الخيار السياسي الأمريكي، في فترة الحرب الباردة إلى أحداث أيلول، واضحاً، وهو تفضيل التحالف مع الحكومات العربية الصديقة، سواء أكانت ديكتاتورية أم ديمقراطية، والتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، ورفض السماح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة، ومحاصرتهم ومنعهم من تهديد مصالح الولايات المتحدة. وكمثال على ذلك: (نموذج الثورة الإيرانية ، حالة السودان سابقاً تحالف البشير/ الترابي ، والجزائر الجبهة الإسلامية للإنقاذ). لكنّ هذا لم يمنع من تداخل المصالح في بعض الأوقات، كما حدث في حالة أفغانستان ضدّ الشيوعية نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

لكنّ السنوات الأخيرة شهدت مناظرات أمريكية كبرى حول الموقف من الإسلام الديمقراطي، الأمر الذي توازى مع دعوة الإصلاح الأمريكية التي انطلقت مع استراتيجية الأمن القومي، ومبادرة الشراكة، والتصريحات والخطابات الأمريكية الرسمية مع تلك الصادرة عن بنوك التفكير والبحث. ولوهلةٍ بدا وكأنّ الإدارة الأمريكية تجتاز معضلة البديل الإسلامي، وتنقلب على حلفائها من الحكومات العربية، وتنهي الصفقة التاريخية معهم.

إلاّ أن حَسَبَة المصالح المتغيّرة، ورؤية التطوّرات الإقليمية، أعادت الأمور مرّة أخرى إلى ما قبل أحداث أيلول، أي إلى السياسة الواقعية المبنيَّة على المصالح الأمنية المضمونة قريبة الأمد.

على الرغم أن المصالح هي التي تحكم السياسة الأميركية على العموم، واتّجاه الإسلام الديمقراطي على وجه الخصوص، فكلٌ له أولويّاته. ووفقاً لهذه الرؤية الواقعية الأمريكية، فإن الإسلاميين إذا وصلوا إلى السلطة سيكونون أمام خيارين:

·  إمّا أن يتعاملوا بواقعية وعقلانية.

·  وإما أن يثبتوا عجزهم وفشل شعاراتهم.

 

المقاربات الثلاث   

حول أُطروحات الرؤية الجديدة، يتأسّس الجدل السياسي الأمريكي، على مدارس واتّجاهات فكرية لها حضورها ورؤيتها؛ تصنع المناظرات المختلفة التي تنشأ عنها المواقف الرسمية، وتدور هذه المناظرات حول أسئلة رئيسيّة، يقع مفهوم الإسلام المعتدل، أو الشريك الإسلامي في قلبها.

يمكن التمييز في هذا السياق بين عدّة مقاربات فكرية وسياسية متضاربة [96] :

المقاربة الأُولى: يتبناها التيار المتشدِّد، وترفض القبول ابتداءً بمفهوم الإسلام المعتدل أو الديمقراطي.

المقاربة الثانية: تميّز بين الإسلام المعتدل والمتطرّف، وفقاً لشروط وسمات.

المقاربة الثالثة: براغماتية، تقرأ العلاقة مع الإسلام الديمقراطي من منظور المصالح الأمريكية لا غير.

بينما يرى اتّجاه فكري وسياسي أمريكي عريض أنّه لا يوجد إسلام متطرّف وآخر مُعتدل، فالإسلام السياسي  كلّه هو مصدر تهديد للمصالح الأمريكية، أيّاً كانت نسخته.

أمّا الاتجاهات الأمريكية الرئيسة الأخرى، فإنها تصنِّف في التعامل مع الإسلاميّين بين محافظين وليبراليّين، في الوقت الذي تقوم فيه رؤية المحافظين على اعتبار جانب الاختلافات الأيدلوجية مع الإسلام السياسي، أن صيغة العلاقة الوحيدة معه هي الحصار والصراع. فإن الليبراليّين يرون أن الخلافات مع الإسلام السياسي يمكن أن يتمّ النقاش فيها، وأن هناك صيغاً متعدّدة في العلاقة بين الطرفين.

وفي الحقيقة، إن رؤية تيار واسع داخل الفكر السياسي الأمريكي التيارَ المتشدِّد ـ الذي يشير إليه فوّاز جرجس في كتابه (أمريكا والإسلام السياسي.. صراع الحضارات أم صراع المصالح) ـ ينطلق من اعتبارات سياسية / أمنية، واعتبارات ثقافية من الإسلاميّين. فعلى الصعيد الأمني والسياسي، يرى المتشدّدون أن الإسلام السياسي قد ملأ الفراغ بعد زوال الاتّحاد السوفيتي السابق، وأنه يمثِّل اليوم مصدر التهديد للغرب على العموم، والولايات المتحدة على الخصوص.

أمّا الصعيد الثقافي، فيستند إلى الصورة النَمطية السائدة لدى النُخبة والرأي العام الأميركي حول الإسلام السياسي، والتي تقوم على اختزاله في ثقافة متخلّفة عدائية متشدّدة.

في المقابل يرى التعايشيّون، وهُم: تيّار الأقلّية في الفكر السياسي الأمريكي، أن "الإسلام السياسي" يمثِّل تحدّياً (لـ) وليس خطراً (على) الولايات المتحدة, ويدعون إلى التمييز بين الحركات الإسلامية السِلمية والمتطرّفة.

وبالعودة إلى التيّار المتشدّد، فإن مُنظّريه مثل: (دانيل بايبس ـ روبرت ساتلوف ـ وجيمس فيليبس) يرفضون القبول بمفهوم الإسلام المُعتدل أو الإسلام الديمقراطي، ويرون أن الحركات الإسلامية تسعى إلى هدف واحد، وهو إقامة "دولة أصولية" على حدِّ تعبيرهم، تهدِّد مصالح الولايات المتحدة، وإنْ اختلفت في الأساليب لتحقيق هذه الغاية.

في مقابل التيّار السابق، يطرح عدد من المثقّفين والخبراء الأمريكيين مفهوم الإسلام المعتدل، ويسعون إلى التمييز بينه وبين الإسلام المتطرّف، ومن أبرز المقاربات في هذا السياق، مقاربة "إنجيل راباسا" (الإسلام المعتدل والراديكالي)، حيث تعترف المقاربة ـ ابتداءً ـ أن مفهوم  (إسلام معتدل) يُستخدم عادةً دون تحديد دقيق للمعنى، الذي يجب أن يمرّ بعملية تختبر هذا المفهوم ومضامينه. فمصطلح الإسلام الراديكالي عادة ما يُقصد به: (الإسلاميون الذين يختارون طريق العُنف ويدعمون الإرهاب)، وهذا قريب من التعريف الصحيح، لكن هناك سلفيّين لا يمارسون العُنف بأنفسهم، لكنّهم يقدِّمون الأيدلوجيا التي تخلق الظروف المناسبة للعنف.

إن المقاربة تصل إلى تحديد مؤشّرات رئيسية كما يقول راباسا، تميّز الإسلام المعتدل عن الإسلام المتطرّف، أبرزها:

·          القبول بالديمقراطية والتعدّدية.

·          عدم استخدام العُنف لتحقيق أهداف سياسية.

·          احترام الحرّيات الدينية وحقوق المرأة وحقّها في التعليم.

·          احترام حقوق الإنسان.

يُضيف عدد من الباحثين والخبراء على الشروط السابقة: القبول بالتسوية والاعتراف بإسرائيل.

 

مواجهة الإسلاميين.. أساليب بديلة

يقول الكاتب البريطاني "ويليام دالريمبل" في مقال نشره بصحيفة الجارديان البريطانية، تحت عنوان (الديمقراطية وليس الإرهاب هي المحرّك للإسلاميّين): "نحن في الغرب نتظاهر بعدم وجود الإسلاميّين، ونرفض الحوار معهم.

بعد مرور ٦ سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإنهم أحرزوا تقدّماً في العالم الإسلامي، والمفاجأة أن هذا حدث بشكل ديمقراطي، من خلال صناديق الاقتراع، وليس من خلال القنابل".

أما "دافيد سكنكر" فقد سبق الجميع بتوقّعاته حول صعود الإسلاميّين في الانتخابات. وتقوم رؤيته على أن الديمقراطية أصبحت بمثابة حجر أساس للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وذلك منذ الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.

أطلقت الإدارة الأمريكية في سبيل ذلك عام 2002 (مبادرة المشاركة الجديدة في الشرق الأوسط)، بهدف تشجيع الديمقراطية في المنطقة، وبذلك خصّصت واشنطن ـ منذ ذلك الحين ـ مئات الملايين من الدولارات من أجل تقدّم مؤسّسات المجتمع المدني هناك، واتّبعت أيضاً ـ بين عامي 2002 و 2005 ـ سياسة تهدف إلى التحرّر والديمقراطية، من خلال تفعيل دور حلفائها في هذه المنطقة.

يمكن القول: إن النتائج على أرض الواقع، منذ إطلاق تلك المبادرة، يمكن وصفها بأنّها مختلطة؛ حيث شهدت المنطقة عدداً، لم يسبق له مثيل، من الممارسات الانتخابية، وتوجَّه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للتعبير عن آرائهم، وكان أبرز ما أُنجز في هذا الصدَد، وجود حكومة عراقية منتخبة في العراق، بعد سلسلة من المواجهات الدامية مع تنظيم القاعدة .

تبيَّن من الجانب الآخر، أن الأحزاب الإسلامية التي تؤمن بالعملية الديمقراطية وتشارك فيها، قد حقَّقت نصراً في أكثر من مكان، من مصر إلى الأردن، وفلسطين، والعراق ذاته، وحصل الإسلاميون في انتخابات مصر ـ مثلاً ـ لعام 2006 على 87 مقعداً، من أصل 454 مقعداً يضمّها مجلس الشعب المصري، أي ستّة أضعاف ما حصلوا عليه في انتخابات عام 2000. وفي لبنان، أصبح حزب الله الآن في موقف يقود منه كتلة معارضة كبيرة داخل البرلمان. كما أن تركيا شهدت هجوماً مستمرّاً على حكومتها العلمانية، من قبل الكتلة الإسلامية المُنتخَبة ديمقراطياً، والتي كانت مسيطرة على البرلمان، وأصبحت اليوم تُمسك بمقاليد السلطة.

تبدو نجاحات الإسلاميين في انتخابات المنطقة كإشارات فشل لسياسات الإدارة الأمريكية، كما يقول سكنكر؛ حيث لم تعمل تلك السياسات فقط على دعم الإسلاميين، بل إنها أضعفت العديد من الأجنحة العلمانية في المنطقة، التي تمثّل الحلفاء الطبيعيين لأميركا. وكانت عدّة عوامل وراء فشل تلك الجهود، من بينها:

1.       القيود الحكومية.

2.       التنظيم الضعيف.

3.       البُنى الحزبية ضعيفة التمويل.

4.       فشل منصّات الدعوة السياسية، التي أخفقت في اجتذاب الاهتمام الشعبي.

 

استطاع الإسلاميون، في المقابل، الاستفادة من تنظيماتهم، عِبر دور العبادة، كما أنهم استغلّوا السنوات الطويلة من غياب الانفراج الحكومي. ويستطيع البعض أن يجادل، في أن النجاحات الإسلامية الأخيرة في المنطقة، على صعيد الانتخابات، تفيد بأن الديمقراطية غير مناسبة للمنطقة، أو أنها جاءت نتيجة لإصرار الإدارة الأمريكية على الانتخابات السريعة، بدلاً من انتظار نضوج العملية الديمقراطية.

وبغضِّ النظر عن كل التحليلات، فإن من الواضح أن شعوب الشرق الأوسط أرادت أن يكون لها رأيها المستقلّ والخاص، في الشؤون التي تؤثّر على حياتهم.

وتواجه الحكومات في هذا الإطار صعوبات، في فتح المجال السياسي على مصراعيه، في الوقت الذي تحافظ فيه على ضبطها للتوجّهات الإسلامية؛ حيث أن فرص تقدّم العلمانيّين تضيق بصورة مستمرّة.

فهل يمكن للإدارة الأمريكية أن تستمرّ في تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط، وتنجح في الوقت ذاته في الحدِّ من مدِّ وصعود الإسلاميين؟

إن هذه المعضلة السياسية ليست بالأمر الجديد، حيث انتخب الجزائريون، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، جبهة الإنقاذ الإسلامية، إلا أن تدخل الجيش بعد نتائج الانتخابات، جرَّ البلاد إلى حرب أهليّة مدمِّرة.

وتواجه واشنطن بعد انتصارات الإسلاميين الانتخابية خياراً في منتهى الصعوبة؛ بين الاستمرار في تشجيع الديمقراطية، وبين القبول بانتصارات الإسلاميّين في صناديق الاقتراع. كما تواجه خطرَ استمرار دعم الأنظمة الاستبدادية، وما يمكن أن ينجم عنه من ثورات، على غرار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

ويبدو أن واشنطن، في مواجهتها لهذه الخيارات، أصبحت أكثر ميلاً للتخفيف من اندفاعها في تأييد الديمقراطية في الشرق الأوسط، غير أن التحدّي سوف يظلّ قائماً، بغضِّ النظر عمَّن يحكم في واشنطن.

السؤال الكبير الذي تواجهه أمريكا في المنطقة هو: كيف يمكن مواجهة الإسلاميين في صناديق الاقتراع، وما هي الاستراتيجيات التي ينبغي اتّباعها لدعم موقف التيّارات الأخرى؟

وللإجابة على هذا السؤال، فإن هناك سيناريوهات مختلفة، منها:

·    ما ركَّز على ضرورة زيادة الاستثمارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتخصيص المزيد من الوقت والطاقة لشؤون هذه المنطقة. مع الاعتراف بأن نجاح ذلك يمكن أن يستغرق سنوات طويلة. وإن مؤيديه يعتقدون أنه الأسلوب الأنسب للتعامل مع المنطقة.

·     رأى سيناريو آخر أن الطريقة الوحيدة لمنع تقدّم الإسلاميين في صناديق الانتخابات هو التوقّف عن دعم التوجّه الديمقراطي في المنطقة.

·    أما السيناريو الثالث، فيرى أن الحلّ يكمن في المزيد من تعاون العلمانيّين والتحررّيّين مع الأجيال الشابّة من الإسلاميين.

 

تراجع العلمانية  

أن التَشرذم في صفوف العلمانيين في منطقة الشرق الأوسط  يمثّل السبب الرئيس في فشلهم أمام صناديق الاقتراع، نتيجة لهذا الأمر. مثلاً فشلهم في مواجهة حزب العدالة والتنمية، في عقر دار العلمانية تركيا.

وهنالك أمور متعدّدة في تركيا تتعلّق بهذا الصدد، لا يمكن لأيّ جهة إصلاحها من الخارج. أهم تلك العوامل: الثقافة السياسية الخاصة بتركيا، حيث ترتكز تلك الثقافة على جهود وذكاء الأشخاص. وهنالك أمر آخر يفسِّر تراجع الأحزاب العلمانية في تركيا، وهو قضية الفساد. صحيح أن الفساد مُنتشر في مختلف أنحاء العالم، إلاّ أن ما زاد التركيز عليه هو: أن تركيا بلد ذو تنوّع واسع في صحافته.

أمّا عن تراجع الأحزاب العلمانية في الوطن العربي، فيُعيد بعض الباحثين ذلك إلى طبيعة النُظم السياسية، ومنع القوميّين من إبداء وجهات نظرهم، والزجّ بهم في السجون في كثير من الأحوال. وكان بديل التعبير المتاح وسط كل ذلك هو المسجد، الذي يضمن فيه الإسلاميّون منبراً للتعبير والتحرّك السياسي.

وعلى ذلك، فإن ساحة الحركة والعمل لم تتوفّر بعدالة للجميع، إضافة إلى أن الإسلاميين يتحرّكون بتنظيم أفضل في المناطق التي تتعادل فيها مساحة الانتشار مع الطرف المقابل، وذلك ما حدث مع إسلامي تركيا في انتخاباتها الأخيرة.

فلماذا يحدث ذلك؟ أسباب كثيرة تقف وراء ذلك، منها:

·    إن لدى الجماعات الإسلامية إمكانات واسعة للوصول إلى مصادر تمويليّة كبرى. ويتّضح ذلك تماماً في كل من العالم العربي وتركيا، ممّا يتيح لها تنظيماً أفضل.

·    إنّها تمتلك القدرة العالية على توظيف تلك الأموال، حيث تستطيع أن تقدِّم ما تفشل الدول في تقديمه، باستثناء بعض الدول الخليجية.

·    هنالك شيء آخر غير الأموال، تفتقر إليه الدول والأحزاب العلمانية، وهو: الرؤية المثالية والتجديد. حيث تبيّن من المتابعة الدقيقة، أن الأحزاب العلمانية في المنطقة ما تزال تقدِّم الأُطروحات التي كانت تقدّمها منذ أكثر من نصف قرن، دون تجديد يُذكر، حتى في قياداتها، لا بل إنّ بعضاً من الدول العلمانية أصبحت فيها السلطة وراثية.

 

 

دمجُ الإسلاميّين وتعزيز الديمقراطية.. تقييم أوَّلي

يشكّل موضوع دمج الإسلاميين المعتدلين في الحياة السياسية مدار متابعة ورصد، من قِبل مراكز الفكر الأمريكية؛ باعتباره مطلباً إستراتيجياً يصبّ في إطار دعم وتعزيز الديمقراطية في البلدان العربية، وهاجساً مخيفاً، يؤرِّق كبار الساسة وصُنّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية بنفس الوقت، مِن تسلّل الإسلاميّين المتشدّدين إلى العملية الديمقراطية، والاستيلاء على السلطة.

تزامناً مع زيارات الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش إلى منطقة الشرق الأوسط، وعطفاً على العلاقة الجدلية بين تعزيز الديمقراطية وتقوية فُرص الإسلاميّين المعتدلين في الوصول إلى السلطة، لا تزال مراكز الأبحاث الأمريكية تُولي اهتماماً خاصّاً بهذه القضية، ويصرّ أغلبها على ضرورة مواصلة العمل على دمج الإسلاميّين المعتدلين في العمل السياسي، ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، تأتي الدراسات المُتتالية التي قامت بها مراكز الأبحاث، في متابعة ملف الحركات الإسلامية المعتدلة بالشرق الأوسط، ومن هذه الدراسات: ما نشره معهد السلام الأمريكي ( USIP وهو معهد مرموق، يحظى بتأثير مُهمّ في صياغة مواقف الكونغرس والبيت الأبيض على السواء، تجاه العديد من القضايا المهمّة، فجاء ما نشره تحت عنوان جذَّاب، وهو: (دمج الإسلاميين وتعزيز الديمقراطية.. تقييم أوّلي) =Engaging Islamists and Promoting  Democracy  Preliminary Assessment

الدراسة كانت، كما هو واضح من عنوانها، عبارة عن محاولة أوّلية لتقييم الجهود الأمريكية المبذولة في إطار تعزيز ودعم الديمقراطية في البلدان العربية.

هنا تُقرِّر الدراسة ابتداءً أن معركة الولايات المتحدة مع تيّارات العُنف والتطرّف لابدّ وأن تتمّ من خلال دعم وتقوية عمليات التحوّل الديمقراطي في العالم العربي، حتى وإن أدّى ذلك إلى صعود الإسلاميين المعتدلين، بل تؤكِّد الدراسة على ضرورة دعم هؤلاء الإسلاميّين، باعتبارهم جدار الدفاع الأوّل في مواجهة المتطرّفين والمتشدّدين؛ لذلك تطالب الدراسة بضرورة استمرار الولايات المتحدة في دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط، وتعزيز دمج الإسلاميّين المعتدلين في الحياة السياسية العربية.

في هذا المجال، عقد مركز برامج الشرق الأوسط وجنوب آسيا، التابع لمعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، مؤتمراً موسّعاً، استضاف فيه مجموعة كبيرة من الأساتذة، الذين يمثّلون عدداً عريضاً من التيارات الفكرية المختلفة، من أصحاب الخبرات العالمية الواسعة، في محاولة متكرّرة لفهم أشكال الهوية الإسلامية بطريقة أفضل، وكيف يمكن تفعيل العلاقات بين الشبكات الإسلامية غير الراديكالية والولايات المتحدة، وهو ما تسعى إليه أغلب مراكز البحوث والدراسات ومصانع الفكر الأمريكية، والذين ناقشوا عملية تفاعل المجتمع العربي والإسلامي مع الديمقراطية وتداعيات التفاعل. وجاءت نتائج المؤتمر بعد فترة طويلة من البحث والمناقشات على الشكل التالي [97]:

 

التداعيات السياسية للتفاعل

1.       نحو تغيير المفاهيم الإقليمية:

فشلت السياسيات العلمانية في العالم الإسلامي في نقل التطوّر والفُرص الاقتصادية لمعظم مسلمي العالم، فبعد الشعور بالتفاؤل الذي ساد بعد انتهاء الفترة الاستعمارية، لم ينتاب عدد كبير من الشباب الشعور بالعوز والظلم فحسب، بل انعدام الجذور الثقافية أيضاً.

الليبراليون العلمانيّون، الذين يُنظر إليهم في تلك الدول على أنهم وارثي التَرِكَة الغربية، يهمَّشون بصورة متزايدة في الجدل الداخلي؛ لعدم قدرتهم على التخّلي عن النظام الشمولي في مجتمعاتهم، أو صُنع نظرة إيجابية قابلة للتطبيق، لمجتمعاتهم التي تتمتّع بجاذبية شديدة.

حين ظهر الإسلام الحركي.. كان كأقوى بديل للنظام الحالي، موفّراً الشعور بالأصالة، والمعارضة الشاملة للوضع الراهن. وأصبحت الولايات المتحدة تُستخدَم كنموذج للوضع الراهن غير المقبول، المتمثّل في المصالح القومية الضعيفة، والمساعدة على استباحة الحكم الاستبدادي وتأمينه.

كذلك صار الخطاب الديمقراطي يُنظر إليه على أنه جهود مبذولة لفرض المعايير الأمريكية على المجتمعات الأخرى، وأيضاً على أنه غطاء للدعم المستمرّ للأنظمة القمعيّة، خارج حدود المصلحة الأمنية الضيِّقة.

لذا تتطلّب المشاركة الأكثر فاعلية، وقوف الولايات المتحدة إلى جانب القضايا التي يهتمّ بها المسلمون، وأن تكون الوسيلة المُثلى التي تساعدهم على تحقيق أهدافهم.

2.       التركيز على العدالة:

أوضح العديد من المشاركين بالمؤتمر، أن جهود الولايات المتحدة لدفع الديمقراطية في العالم الإسلامي قد وجّهت في الاتّجاه الخاطئ، واقترحوا أن تركِّز أمريكا على فكرة الترويج للعدالة، عوضاً عن ذلك.

لقد نَمَت فكرة العدالة بعمق في الفكر الإسلامي، ويعدّ الظهور المفاجئ للأحزاب السياسية الإسلامية ـ التي أُطلق على بعضها حزب (العدالة والتنمية)،  في تركيا والمغرب وأماكن أخرى مثلاً ـ علامة على مدى قوّة هذه الفكرة. لذا فإن إظهار الموقف الأمريكي كموقف مساند للعدالة في شتى أنحاء العالم، وأيضاً تبنّي السياسة الداعمة لهذه الفكرة، سوف يلعب دوراً هائلاً بين الشعوب الإسلامية، لإعادة النظر في موقف الولايات المتحدة، ولجذب الشبكات الإسلامية، وأيضاً لإظهار استخدام الولايات المتحدة لنفوذها، كقوّة من أجل الخير، وليس من أجل الشرِّ والضغائن.

3.       التعامل مع جماعات مختلفة:

ظهور سياسات الإسلام والهوية كقوّة سياسية، وافقت الوعي الثقافي والديني المتزايد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، لكن في بعض الأحيان، تكون الراديكالية هي نتاج اجتماع الأمرين معاً.

أوضح المشاركون، في حينها، رؤيتهم لهذا الجانب، من أن الفرصة أصبحت سانحة للتعامل بشكل كبير وهادف، مع مجموعة من الناشطين البارزين، أصحاب الأيديولوجيات المتنوّعة. فأحد أجزاء المشكلة التي رآها المشاركون هي: ميل الولايات المتحدة للتعامل مع جزء صغير من المجتمع الديني في العديد من الدول، وهم المعتدلون الذين يدعمون كثير من سياسات الحكومة الأمريكية، أو على أقل تقدير، يؤثِرون الصمت حيالها، ويساندون ـ إلى حدٍّ ما ـ النظام الغربي المَعنيّ بفصل الكنيسة عن الدولة.

هؤلاء الذين صنَّفتهم الولايات المتحدة على أنهم معتدلون، هم المهمَّشون داخل مجتمعاتهم، وهذا التصنيف يؤدِّي إلى زيادة تهميشهم.

عليه.. شدَّد المشاركون على أن المعتدلين في العالم الإسلامي اليوم، ليس من الضروري أن يكونوا هؤلاء الذين يقبلون القِيم الليبرالية الغربية، لكنّهم هؤلاء الذين يسعون إلى التوفيق بين القِيم الثقافية والدينية من ناحية، والحداثة من ناحية أخرى.

واتّفق معظم المشاركين على أن توسيع دائرة الاتّصال، المقصورة حاليا على الليبراليين العلمانيين، المتخرِّجين من جامعات غربية، أمر ضروري؛ لأسرِ خيال الأجيال القادمة في الدول ذات الأغلبية المسلمة.

 

شكوك وتحّديات أساسية